الخميس 25 شعبان 1423 هـ الموافق 31 أكتوبر 2002 ربما تكون الولايات المتحدة من أوضح الأمثلة التي تعكس نموذجا معاصرا لغطرسة القوة وسيادة شريعة الغاب. فهذه الدولة التي ترى في نفسها المؤهلة الوحيدة لقيادة العالم، بفضل ما تتمتع به من قوة إقتصادية وعسكرية قد تكون هي الأبرز في ظل غياب اللاعبين الآخرين عن الساحة العالمية، قد أوجدت لها من الأعداء أكثر من الأصدقاء أينما حلت وأينما أتجهت. وكانت السياسة الخرقاء، والمتمثلة بالتدخل في شئون الغير، من بين السمات المميزة لسلوك هذه الدولة العظمى. وبدءا من الحرب العالمية الأولى في مطلع هذا القرن، لمست معظم بقاع المعمورة سطوة هذه الدولة، سواء في الأميركيتين وأوروبا وآسيا وأفريقيا، متذرعة تارة بإيجاد نظام جديد، وبمحاربة الدكتاتورية، وبوقف الشيوعية، وبفرض السلام في الشرق الأوسط. وفي الوقت الحالي، وبعد أن باتت أميركا القوة الوحيدة، شرعت بسياسة ما يسمى بمحاربة الشر والإرهاب، في مسعى لجر العالم أجمع إلى سلسلة من الحروب والنزاعات الواهية ما إن تبدأ فإنها تنتهي أبدا بسهولة. والكتاب الذي نناقشه هنا يلقي الضوء على بعض الأمور التي سعى المؤلفان إلى طرحها يتميز بأهمية كبرى في هذا الوقت بالذات، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى تصفية الحسابات والثأرات مع كل من هب ودب بحجة الإرهاب تارة أو بحجة التخطيط لتوجيه ضربات مباشرة إلى الولايات المتحدة أو إلى أصدقائها. ومن هنا فإن من الخطأ تصديق ما تدعيه الولايات المتحدة بأن الحرب التي شنها من تسميهم بالإرهابيين قد بدأت في الحادي عشر من سبتمبر 2001، وأن أولئك القابعين، وفقا لما يقوله الرئيس الأميركي، في دول ومدن وكهوف هم الأعداء الحقيقيون لسلامة الأميركيين وامنهم. وفي الحقيقة، فإن الأجدر أن تؤرخ لما تسميه بحرب الإرهاب في من أبريل عام 1995 حينما قرر أحد الأميركيين أن يهز أميركا من الداخل ويجعلها تستشعر ما ترتكبه من مظالم ومجازر بحق الألوف من الناس في كل مكان وزمان. ولم يأت ذلك الشخص من دولة مثل أفغانستان أو العراق أو فلسطين أو كوبا أو فيتنام أو ليبيا ليقوم بتلك العملية ومن ثم يستسلم بكل شجاعة ويواجه مصير الإعدام من دون خوف أو وجل. ولم يكن ذلك الشخص أيضا من أصل أفريقي أو مهاجر مٌنح الجنسية بعد إقامته لفترة من الزمن. فقد كان هذا الشاب من أصل أميركي، أبيض البشرة، عاش حياة طبيعية للغاية وكان متوفقا في دراسته وحياته وأظهر العديد من المهارات والإخلاص في العمل. وقادت رغبته الشديدة في النظام إلى الانخراط في صفوف البحرية الأميركية والعمل ضمن أحد أهم الكتائب التي يتخلص دورها بالقيام بمهمات خاصة وشاقة وفي منتهى الخطورة. ومن هنا كان لا بد له أن يشارك في الحروب التي ستقدم عليها الولايات المتحدة. فقد تم منحه أكثر من خمسة أوسمة لأدائه المميز والرفيع أثناء حرب الخليج وتمت ترقيته إلى رتبة ضابط في الجيش بعدها، وشارك في حماية قائد القوات الحليفة، شوارسكوف، أثناء توقيع العراق لمعاهدة الاستسلام في صفوان، والتي وضعت نهاية إلى تلك الحرب. بيد أن تلك الحرب، وكما يعترف بذلك ماكفي وينقل المؤلفان قوله في ذلك، قد تركت فيه إنطباعا مؤلما وسيئا للغاية. فقد فضحت في المقام الأول الكذب الأميركي على أعلى المستويات، وأدرك بأن العالم الذي تصوره مليء بالشر والأعداء ليس سوى عالم، يعيش فيه الكثير من الناس، شأن الأميركيين، ولا يختلفون عنهم الا بالثقافة واللغة. أما الأهمية التي تظهر في الكتاب والتي تجدر الإشارة إليها هو الجهد المتميز الذي بذله المؤلفان. فهذان الصحفيان اللذان يعملان في بافلو نيوز قد سعيا إلى إخراج مادة الكتاب بشكل مميز للغاية، فلم يألوا جهدا في تتبع سيرة ماكفي منذ نعومة أظفاره وطفولته وصباه ومن ثم إنخراطه في الجيش ومشاركته في حرب الخليج. وكان للمحاورات التي أجرياها مع الكثير من الأشخاص بدءا بماكفي وأهله وأصدقاءه وجيرانه ورفاقه المقربين الدور الأكبر في إلقاء الضوء على جانب كبير من الأهمية في سيرة أحد الأميركيين الذين حاولت الولايات المتحدة تشتيت الضوء عنه وإعطاء صورة مشوهة عن حقيقته والدوافع التي قادت ليقوم بهذا العمل بمحض إرادته وهو العمل الذي ينبغي ان يلقى كل اللوم ينبغي على كاهل السياسة الأميركية غير المنصفة والمنحازة والفاسدة التي تعمل بخلاف ما تقول وتضمر أكثر مما تظهر وتدعي. وأخيرا أضفت الكثير من الفصول التي كانت أشبه بالرواية على حياة ماكفي رونقا جميلا إلى الكتاب، فبدأ بطفولته وإنتهى مع نهاية ماكفي بإعدامه وتجريمه بعد أن وقف بكل صلابة أمام المحكمة وطالب بمحاكمة أميركا جراء ما ترتكبه من أخطاء وجرائم. من هو ماكفي؟ هذا السؤال تردد على لسان الكثيرين من الأميركيين والعالم. فهذا الشخص ذي الملامح البريئة والخجول قد شاء أن يختار قدره بنفسه وأن يضرب أعتى قوة على وجه الأرض. ولم يكن مدفوعا من جانب أي دولة أخرى أو حزب أو منظمة، بل كانت الدوافع التي قادت إلى مثل هذا العمل شخصية محضة. ففي التاسع عشر من أبريل عام 1995 قرر ماكفي تدمير بناية ألفريد بي. موراه الفيدرالية في مقاطعة أوكلاهاما، فقتل أكثر من 168 وأصاب المئات غيرهم. وفي الحقيقة قرر ماكفي في ذلك اليوم تلقين حكومة الولايات المتحدة درسا قاسياً للغاية ولن يكون بوسعها أبدا تناسيه أو غض الطرف عنه. وهذا الدرس الموجع للغاية قد أكد عليه ماكفي في رسائله التي بعث بها إلى أصدقائة، وإلى المحامين والصحفيين، مؤلفي الكتاب، الذين إلتقوا به، وكذلك إلى هيئة المحكمة التي سعت تارة إلى ربط الحادث بجهات خارجية إرهابية، وإلى إتهام ماكفي بالجنون والعقدة النفسية والرغبة بالقتل. ولكن ما جرى هو أن ماكفي الأميركي الأصل والمنشأ والعقيدة قرر بمحض إرادته أن يجعل تلك الحكومة المتغطرسة والتي لم تدع دولة أو قارة الا وتدخلت في شئونها تدفع الثمن باهظا، جراء تدخلها في الشؤون الداخلية للأمم ودول لا تمت لها بصلة ولن تكن أي عداء، الذي وإن وجد، لم يكن بالدرجة ذاتها التي تضمرها الولايات المتحدة. وفي الواقع كان ثمة خليط من الدوافع والمظالم والأفكار التي دفعت شاب في مقتبل العمر والطموح، ومن مجتمع واعد بالخير، إلى القيام بهذا العمل. ولم تكن السياسة المستبدة هي العامل الوحيد الذي دفع ماكفي للقيام بها العمل، بل كانت لديه، كما يذكر الكاتب نقلا عنه، العديد من المظالم: السياسيون المحتالون الذي يخدعون الناس يوميا، وعملاء الحكومة الذين يظهرون ولاء مزيفا ومنافقا، والضرائب الباهظة، والسياسة الخرقاء، وسيادة شريعة الغاب. وكان تيموتي ماكفي، شأن عشرات الملايين من الشباب، من الطبقة المتوسطة الأميركية وكانت طفولته لا تختلف أبدا عن سواه، فقد نشأ وترعرع إبنا لعامل في أحد المصانع. وعشق كثيرا التلفاز والسينما والتجوال في الهواء الطلق، وكان يحضر مباريات كرة القدم الأميركية كثيرا ويقرأ الكتب التي تتحدث عن الأبطال. وكغيره من ملايين الأميركيين، كان عليه أن ينخرط في الحروب في سني شبابه، ليرى بعينه المأساة، ولكنه ما لبث أن ترك الجيش بذكريات موجعة وخيبة أمل كبيرة وواقع مؤلم لم تستطع أن ينساه أو يتغاضى عنه. ولم يكن ماكفي، كما يبين الكاتب، شخصا مولعا بالعنف أو بالرغبة في إيذاء الآخرين، بل كان يراوده شعور عميق بالحزن إذا ما صادف أن شاهد أحد الأشخاص وهو يعاني أو يرزح تحت الأذى. ويضرب لنا الكاتب بعض الأمثلة التي جمعها عن طفولته. فقد راوده شعور بالحزن العميق لمشاهدة أحد الجيران وهو يلقي بكيس محمل بصغار القطط إلى أحد الأنهار كي تغرق ذات مرة من دون أن يفعل شيئا، بينما توقف عن قتل الضفادع باستخدام سلاحه لأنه كره أن يرى المخلوقات وهي تعاني. وعندما أضطر في إحدى المرات إلى قتل رجل أثناء الحرب، لم يجد أي بد من كبت الشعور بلا عدالة الحرب على الإطلاق. سلسلة من الاكاذيب يرى المؤلفان أن حرب الخليج كانت السبب الرئيس وراء تعزيز شعور ماكفي بكراهية مقيتة تجاه حكومته وتجاه ما سعت إلى تسويقه. فقد وصل ضمن احدى كتائب المهمات الخاصة في المملكة العربية السعودية في بداية شهر يناير عام 1991. وراوده هو ورفاقه في الكتيبة التي تضم 37 فردا من مشاة البحرية شعور بالخوف الشديد من الحرب المقبلة التي ستحصل في ظل ظروف مبهمة وغير مألوفة بالنسبة للأميركيين، سيما وأن الدعاية التي بثتها المخابرات الأميركية والإعلام الغربي عن احتمال لجوء العراق إلى استخدام أسلحة غير تقليلدية، كيماوية أو جرثومية أو حتى نووية كان كافية تماما لزرع الخوف لدى أكثر القوات استعدادا. وفي الوقت الذي كانت خشية ماكفي الكبيرة من إصابته جراء نيران صديقة في ذلك الخليط من الجيويش الذي يضم عشرات الدول العربية والغربية والتي تم جمعه على عجل للقيام بمهمة طرد العراق من الكويت، تمثلت دهشته الكبيرة عندما وجهت الأوامر له هو وستة من رفاقه الآخرين للتحرك إلى الأمام من دون معرفة إلى أي وجهة. وأدرك بعدها أن الهدف من تلك العملية هو أن يكون هو ورفاقه كبش الفداء، حيث خشي القائد أن تكون الأرض أمامهم مزروعة بالالغام فآثر أن يكونوا هم هو الضحية. وتعلق الحادث الثاني بما حصل على الأرض في أثناء الحرب، عندما بدأ الجيش الأميركي يتكبد العديد من الخسائر من جراء النيران الصديقة. ففي السادس عشر من يناير أطلقت إحدى مروحيات الاباتشي صاروخا بالخطأ على ناقلة جنود مدرعة فقتلت إثنين من الجنود الأميركيين. وأصاب الصاروخ الثاني ناقلة جنود مدرعة أخرى فقام مساعد الطيار بفتح النيران من مدفعه الرشاش على الجنود الذين لاذوا بالفرار، فأصاب أكثر من ستة من الجنود. ولم يتوقف الهجوم إلا بعد أن أعطى أحد القادة الموجودين على الأرض إشارة إلى قائد الطائرة بالتوقف عن الهجوم. وفي اليوم التالي دعا قائد الدبابات الميداني ماكفي وضباطاً آخرين إلى اجتماع طارئ حول الحادث. وبلهجة حادة، أخبر الحاضرين بأن الهجوم على ناقلة الجنود المدرعة قد نفذته مجموعة عراقية بشكل خاطف. وقرر ماكفي في دخيلة نفسه وعبر عن مدى تصميمه على قتل العراقيين أينما وجدوا هي الرغبة التي أدرك فيما بعد أنها كانت على درجة كبيرة من الخطأ، إذ علم بعد أشهر من إنتهاء الحرب حقيقة ما جرى والكذب التي سعى قادته إلى تسويقها بهدف تعزيز المقت والكراهية تجاه العراقيين. أما الحادث الثالث فقد طرأ قبيل الشروع بالهجوم البري بأيام قلائل. فقد أرسلت كتيبة ماكفي مع طاقم دبابات من طراز أبرامز للتحري فيما شكل محطة صغيرة لضخ النفط على جانب الحدود العراقية. وشاهد ماكفي بدهشة كبيرة إحدى الدبابات وهو تطلق قذيفتها لتصيب بشكل مباشر إحدى الشاحنات وتحولها على الفور إلى أشلاء مبعثرة. وأوردت بعض وكالات الأخبار ذلك الحادث، في حين أٌمر ماكفي هو ورفاقه بأن يلوذوا بالصمت والكتمان الشديدين وأن لا يتحدثوا أبدا إلى الصحافة. وقد تم تعيين أحد القادة الضباط للقيام بهذه المهمة وحده. ولم يصدق ماكفي ما كان يتناهى إلى مسامعه وهو يستمع إلى القائد الذي كان يتحدث إلى الصحافة حول نشاطات ذلك اليوم. فعندما سئل ذلك القائد عن ما حدث في داخل الحدود العراقية نفى بشدة ان تكون القوات الأميركية قد أطلقت أي قذيفة تجاه الشاحنة العراقية، وأكد أن أي حادث لم يحصل قط في هذا السياق. ونفى أيضا أن يكون الجيش الأميركي قد أطلق النيران تجاه التجمعات العراقية الأخرى، مؤكدا إن ما تم ذكره كان مجرد دعايات وإشاعات لا صحة لها. وفي الحقيقة كره ماكفي إلى درجة بالغة مشهد الجيش يسرد الأكاذيب ويلفقها سواه تجاه الجنود أو تجاه العامة. وصادف ماكفي الصحفي الذي أدار الحوار وفكر بأن يطلعه على الحقيقة، ولكنه عزف عن ذلك بفعل حساسية موقعه في الجيش وبفعل الأوامر المشددة التي أعطيت له ولرفاقه. وعندما بدأ الهجوم البري شرع العديد من الجنود العراقيين، كما يذكر المؤلفان، بالاستسلام من دون قتال. وفي أحد المرات صدرت الأوامر من قائد الكتيبة إلى ماكفي بإطلاق النيران تجاه أحد المواقع العراقية. وشاهد ماكفي أنه قد أصاب هدفه. وعندما حاول أحد الجنود العراقيين مساعدة رفيقه أطلق ماكفي قذيفة تجاهه، فقطعت جسمه إلى أشلاء. وبادر بقية الجنود العراقيين إلى الاستسلام من دون أية مقاومة. ونال ماكفي ميدالية خاصة من الجيش حيث كتب قائده على قيادة الجيش العليا وقال إن دور ماكفي وقدرته الفائقة في إصابة موقع لمدافع الهاون العراقية وقتل إثنين منهم قد جعل بقية الجنود الثلاثين يستسلمون للقوات الحليفة. ونال ماكفي أيضا أربع ميداليات أخرى جراء الخدمة المميزة في الجيش أثناء حرب الخليج الثانية. بيد أن الحرب تركت في ماكفي إنطباعا سيئا للغاية وشعر بذنب عميق وأسى شديد لما أقدم عليه. وعلى الرغم من أنه اعتاد على حمل السلاح منذ صغره، كانت تلك المرة الأولى التي يطلق فيها النيران على البشر. وكان العراقيان هما أول الضحايا، مما خلف فيه شعورا بعدم السكينة والطمأنينة. وما زاد من ندمه الحال التي وجد عليه الجنود العراقيين من الذين أخذوا كأسرى الحرب. فقد كان الكثير منهم خائفين إلى درجة كبيرة، بفعل ما تعرضوا من ضربات موجعة بأشد الأسلحة فتكا ودمارا، في الوقت الذي أصاب الجوع والعطش الشديدان الكثير منهم. وعجت ساحة المعركة بالكثير ممن قطعت أيديهم أو أرجلهم، ورأى ماكفي أيضا، أن العديد من الأسرى قد إعدموا من دون سبب، وتركت جثثهم على الأرض. وكان الحدث الأكبر والأهم على الاطلاق الذي حرك في ماكفي مشاعر الحقد والكراهية تجاه حكومته يتعلق بما حصل في ملجأ العامرية في بغداد، والذي إطلع عليه بعد إنتهاء الحرب وأدرك من دون شك حجم الأكاذيب التي سعت القوات الأميركية إلى تسويقها إلى العالم. ففي الثالث عشر من فبراير 1991 ألقت الولايات المتحدة اثنين من ما يسمى بالقنابل الذكية الموجهة بالليرز على ملجأ العامرية في قلب بغداد. وحطمت قوة القنابل شديدة الجدار الأسمنتي الصلب في سقف الملجأ، وقتلت أكثر من ثلاثمائة شخص في تلك اللحظة، والذين كان معظمهم من النساء والأطفال والكهول. وبررت القيادة الجوية الأميركية ذلك العمل الشنيع في حينها بالقول إنها إعتقدت بأنه كان موقعا عسكريا. ووجد ماكفي، أثناء المحاكمة، في ذلك الحادث المبرر لفضح كذب ونفاق ما تدعيه الحكومة الأميركية لتبرير أفعالها وأدعى مرارا بأن حكومة تقدم على قتل الأبرياء من شعوب ودول أخرى تستحق أن تعاني وتتكبد الضحايا وترى المآسي بأم عينها. التاسع من أبريل لم يكن يوم التاسع عشر من أبريل عام 1995 يوما عاديا في تاريخ الولايات المتحدة على الاطلاق. ففي الوقت الذي كان يستعد آلوف الأميركيين للإحتفال بعيد الفصح، كان تيموتي ماكفي، أحد رجال المشاة الذين تم تكريمهم للدور المميز في حرب الخليج، يتهيأ لساعة الصفر للقيام بعملية من شأنها أن تهز الولايات المتحدة في عقر دارها. فقد إستيقظ من نومه العميق داخل الشاحنة التي كان يستقلها، والتي كان قد ملأها بأكثر من 7000 الآف رطل من المتفجرات، أي ما يعادل ثلاثة أرباع حجم القنبلة التي دمرت هيروشيما، حيث جرى الإعداد إلى تعبئة الشاحنة بالمتفجرات بشكل ماهر للغاية وقام به ماكفي وصديقة نيقولاس بالقرب من بحيرة جيريقام بهذا العمل . ولم يكن ماكفي بحاجة إلى ساعة منبه للنهوض، فقد تعود على النهوض متى شاء في تلك السنوات وإعتاد على النهوض وحده حتى ودون أن يرغمه على ذلك للقيام بأي شيء مهم. وأدرك أيضا أهمية أخذ قسط من الراحة العميقة إذا ما شاء المرء القيام بعمل كبير، سيما وأن ذلك اليوم قد يعج بالكثير من الأحداث. وبعد أن تناول فطوره، الذي كان يتألف من فطيرة السبانخ، وهو الطعام الذي إعتاد على تناوله الجنود قبيل القيام بالتحرك، شعر بنشاط كبير نظراً لما يحتويه الطعام من سعرات كبيرة. وتفحص الشاحنة الكبيرة وأيقن أن كل شيء على ما يرام، بدءا من العجلات والمحرك وقمرة القيادة، وتأكد أيضا إن الحمولة التي قام بإعدادها بشكل ماهر كانت مهيأة للإنفجار في اللحظة التي يقرر فيها ذلك. وفي الحقيقة يرى المؤلف بأن هذه التدابير قد جاءت إلى ماكفي بشكل طبيعي، لأنه رجل يحب التفاصيل، وكان يشعر في طفولته بطاقة كبيرة عندما ينهض وحافظ على هذه الخصلة عندما بلغ أشده. ومن هنا فإن رغبة العمل مبكرا، وفقا لما ذهب إليه المؤلفان، قد كانت السبب المباشر وراء انخراط ماكفي في صفوف الجيش الأمريكي، إذ كان الشعار المدوي الذي عمد الجيش إلى رفعه، زنحن نفعل الكثير قبيل الساعة التاسعة، وأكثر مما يفعله معظم الناس على مدى اليوم كلهس. وفي الحقيقة، فقد قرر ماكفي القيام بعمله بعد أربعة أيام من إحتفاله بعيد ميلاده السابع والعشرين، حيث تهيأ بإعداد شاحنة مفخخة لتدمير مكتب مليء بأناس لم يلتق بهم قط طوال حياته- العمل الذي كان يشكل إعلان حرب. وتفحص المسدس الذي كان يخبأه بالقرب من صدره لكل من يعترض سبيله، ونظر من ثم إلى ساعته كي يتأكد من أن لن يصل في وقت مبكر للغاية. لقد قرر أن يتأكد بأن المنبى المؤلف من تسعة طوابق يعج بالكثير من الناس ساعة الصفر- العدد الكافي الذي يجعل الرئيس بيل كلنتون وأفراد حكومته يدفعون الثمن غاليا جراء سياساتهم الخرقاء. وإن هي ساعات قلائل حتى تحولت مدينة أوكلاهاما، كما ينعتها الكاتبان، إلى مدينة من الجحيم، بفعل الإنفجار الهائل الذي هز واحدا من أهم لا مقار مكاتبها الحكومية. وكانت طريقة تفجير الشاحنة في غاية الحذر والمهارة هي الأخرى، حيث إستطاع ماكفي أن يدبر ذلك الأمر بكل إحترافية من دون أن يشعر رجال الأمن بذلك، ويلوذ بعدها بالفرار، ليتم بعد يومين إلقاء القبض عليه وإحتجازه. * تأليف: لو ميتشيل ودان هيربيك * عرض ومناقشة: عمار فاضل عباس