الأزمة السياسية الأسوأ من نوعها، مأساة مسرح موسكو بداية النهاية لعصر بوتين

الاربعاء 24 شعبان 1423 هـ الموافق 30 أكتوبر 2002 بدأت رئاسة فلاديمير بوتين بتفجير مبنى سكني في موسكو عام 1999 وبوعده للروس بارساء دعائم النظام في البلاد. ورأى الكثير من الروس في بوتين تجسيدا لحلمهم بدولة جديرة بالثقة ويد قوية تقودها. وهكذا كان النظام والأمن هدفا يجب تحقيقه مهما كانت التكاليف، فيما وضعت حرية الكلام وحقوق الإنسان في الثلاجة او انها نسيت تماماً. واليوم يواجه بوتين اسوأ ازمة سياسية في رئاسته. فمجوعة المسلحين الذين استولوا على مسرح «نورد اوست» في موسكو وجهوا للكرملين لطمة على وجهه مباشرة. لقد وعد بوتين بالأمن، لكن بعد تسلمه منصبه بثلاث سنوات، هاهم مقاتلون بسلاحهم الكامل وببزاتهم العسكرية الشيشانية يقودون سيارات الجيب في العاصمة الروسية من دون ان يعترضهم احد في طريقهم لاسر مئات من الرهائن. كما وعد بالنظام، غير ان مؤسساته المسئولة عن فرض القانون ومؤسسته العسكرية تظهر عجزها الكامل. يمكن لاي كان ان يؤكد ان «العملية المناهضة للارهاب» التي تجري في الشيشان منذ ثلاث سنوات تمثل فشلا ذريعا. غير ان ذلك لن يكون صحيحا، لانه لم تكن هناك اصلا اي محاولة لادارة عملية مناهضة للارهاب في الشيشان. بل انها حتى لم تكن حربا، انها برنامج وحشي عبثي. لقد ادركوا في الكرملين منذ زمن ان حرب الشيشان لاسبيل لتحقيق النصر فيها لكن ليس من الصعب نسيانها. وقد يدعي احدهم ان المشكلة لم يتم التعامل معها لانها لم تكن موجودة، ثم يقنع الآخرين بأن القضية كانت على هذا النحو. غير ان الواقع يعود دوماً ليستعرض نفسه. لقد انتصر الكرملين بمعركة الدعاية، عبر اخراسه لمنتقديه واجبار الاعلام على اقفال فمه عما كان يدور فعلا في الشيشان. غير انه بانتصاره في هذه المعركة فقد خسر الحرب. فالايمان بالقدرة العظيمة للدعاية أثمر عجزاً سياسياً. لقد اطل الواقع في المأساة الشيشانية برأسه على حياتنا السياسية في روسيا بأبشع طريقة: لقد وصلت الحرب الى موسكو كاسرة كل حواجز المعلومات. وأنا اعني هنا الحرب، وليس الارهاب. نعم يمكن ان ندين هؤلاء المسلحين بقدر ما نريد، لكن سيكون نفاقا سافرا ان نتجاهل ان ما فعله جيشنا الاتحادي في الشيشان اسوأ بكثير مما فعله المسلحون الشيشانيون في المسرح. كم من الناس اختفوا دون اثر في الشيشان في السنوات الثلاث الماضية، وكم مدينة وقرية دمرنا؟ كم انسانا اجبرناه على الرحيل عن بيته لأن الحياة اصبحت لا تطاق في ديارهم؟ ان الجيش الروسي الاتحادي على مدى السنوات الثلاث الماضية: اختطف وقتل الشيشانيين، افرغ ودمر القرى المسالمة منهجيا، مارس الارهاب ضد الابرياء. والجيش الروسي هو الذي يتحمل معظم المسئولية عما يحدث الآن. اذا ما كان علينا ان نبحث عن الارهابيين، فالاجدر بنا ان نبدأ البحث في ارجاء الكرملين. سياسيونا المرعوبون يواصلون لوكهم عبارة اننا لا نستطيع التفاوض مع (ارهابيين). إلا ان كل تجارب الحربين في الشيشان تؤكد العكس. فقد بدأت موسكو اولا بإعلان ان كل السياسيين الشيشانيين المعتدلين وكل اولئك الذين كان يمكن التوصل معهم الى اتفاق، كل هؤلاء بارهابيون. ثم حين ظهرت العناصر الراديكالية في الواجهة وحينما بدأ الجانب الشيشاني يلجأ للوسائل الارهابية، تقوقعت القيادة في موسكو وبدأت تتفاوض. هذه كانت الحالة في بوديو نوفسك ويبدو انها ستكرر نفسها امام عيوننا. لقد حكمت السلطات الروسية على انفسها بالفشل، حينما رفضت الحل السياسي ولجأت للقوة وحدها. ان القادة الشيشان ليسوا بهذه القوة سياسيا، غير ان المقاتلين الشيشان مستعدون للقتال حتى آخر رجل. وبخلاف جنرالاتنا الروس، فهم مستعدون للموت. ولهذا السبب لن نتمكن من هزيمتهم عسكرياً. إن الاستيلاء على المسرح دليل على عجز المؤسسات الامنية الروسية والعسكر واجهزة فرض القانون. وقد يزعم البعض انها دليل قوتهم ايضا باعتبار ان العملية الشيشانية هذه تحمل معها كل علائم التدريب العسكري الروسي. لقد كان الاختصاصيون الروس هم من دربوا القوات الخاصة الشيشانية على الحرب في ابخازيا. ويبدو ان الشيشانيين سريعو التعلم جداً. والسؤال ايضا، بغض النظر عن مستوى الاستعداد والتدريب الذي كان لدى المسلحين، هو: كيف امكن لهم تنفيذ عملية عسكرية بهذا النطاق في وسط العاصمة الروسية من دون حصولهم على دعم افراد نافذين؟ ان مثل هذا السؤال يتبادر فوراً الى ذهن كل من يعرف نطاق المشكلات التي يتعرض لها كل من له «ملامح قوقازية» في موسكو على يد رجال الشرطة الروسية. بهذا العمل (الارهابي) في موسكو، تبدو شمس بوتين وقد بدأت تأفل. ولنترك تحليلات النسخ المختلفة لهذا الحدث يتسلى بها اصحاب نظريات التآمر. فعواقبها لن تكون اقل درامية واثارة أقل من تلك التي شهدناها عام 1999. بقلم: بوريس كاغارلتسكي عن «موسكو تايمز»

طباعة Email
تعليقات

تعليقات