مزيد من الحرية مقابل الأمن، الجواسيس المنتصر الكبير في عالم ما بعد 11 سبتمبر

الثلاثاء 23 شعبان 1423 هـ الموافق 29 أكتوبر 2002 هكذا أصبحنا كلنا نعيش الآن في واشنطن حيث يمكن لارهابي واحد ان يتصيدك وانت خارج السوبر ماركت أو في موقف الحافلة، وإن لم يقتلك برصاصة عند السوبر ماركت، فسيقتل ابنتك وهي في سياحة العمر في جزيرة بالي الاندونيسية. وفيما كان العدو في الحرب الباردة هو الجيش الأحمر السوفييتي بأكمله، أصبح عدونا الآن هو شخصية البروفيسور في رواية «العميل السري» لجوزيف كونراد الذي يتنزه في شوارع لندن وهو يدس يده في جيبه الأيمن ليحكم قبضته على كرة مطاطية هي الصاعق لقنبلة انتحارية: «يمشي متراخياً، بلا مبالاة، مترنحاً بائساً، ورهيباً ببساطة فكرته التي تستصرخ الجنون واليأس في اعادة تشكيل العالم. لا أحد ينظر اليه. مرّ دون اثارة الشكوك بنواياه المخيفة، مثل وحش في شارع مليء بالبشر». أو كما وصفه الرئيس جورج بوش في نثره الأقل أثراً في الذاكرة وهو يصوغ مبدأ أميركا الأمني الجديد: «اليوم، أصبح بمقدور شبكات الظلام ان تسبب خراباً وآلاماً على أراضينا بكلفة أقل مما يتطلبه شراء دبابة واحدة». وفي غضون ذلك يحدثنا توني بلير عن ان الحرب الدولية ضد الارهاب هي مثل الحرب العالمية الثانية. من كل ذلك أخذ جو ما يبرز في الأفق، جو من الرعب ساهم الإعلام في توسيعه وتضخيمه، لكن ألم نكن نعرفه آنفاً من مئة فيلم سينمائي بشع شاهدناه، بلى، ولهذا فإن السؤال الآن هو عما إذا كانت «الحرب ضد الارهاب» في مثل هذا الجو لن تتحول نهاية الأمر تهديداً لنا ولحرياتنا بقدر تهديد هذا الارهاب. إن ما حدث في واشنطن وبالي و11 سبتمبر لم يكن نتاجاً سينمائيا، مع انه كان يشبهه، فالتقنيات الجديدة أعطت من يريد فرصاً جديدة استثنائية لارتكاب أعمال شريرة. كان «البروفيسور» الذي أبدع شخصية جوزيف كونراد ساخطاً على حقيقة ان هناك 20 ثانية تفصل بين ضغطه بأصابعه على الكرة المطاطية وانفجار القنبلة، وحتى حينها ما كان له إلا ان يقضي على بضعة أرواح. لكن هذه المشكلة ما عادت موجودة في القنابل الحالية كتلك التي انفجرت في بالي، والتي أوقعت 180 قتيلاً. وفي طوكيو تم ضخ غاز سام في أحد طرق المشاة المغلقة. وقنبلة نووية في حقيبة يدوية أصبحت اليوم حقيقة تقنية. الحقيقة الواضحة للعيان بخصوص المعادل المعاصر للبروفيسور هو الصعوبة البالغة في العثور عليه. فوقف زحف الجيش الأحمر كان مهمة أسهل. وأحد الأسباب المهمة التي تجعل بوش يضع هذا التركيز على غزو العراق، هو ان هذا الغزو سيكون حرباً تقليدية تتمتع الولايات المتحدة بفرص كبرى في النصر بها. ويقول لنا توني بلير اننا مضطرون لخوض حرب على جبهتين: ضد العراق وضد الارهاب الدولي. لكن الجبهة في مواجهة الارهاب الدولي هي ما اعتاد خبراء الجاسوسية في مخابرات ألمانيا الشرقية السابقة على تسميته: «الجبهة غير المرئية» وقد قالت ستيلا ريمنجتون استاذة الجاسوسية البريطانية والرئيسة السابقة لجهاز «ام.آي 5» البريطاني للمخابرات الداخلية ان هذه الحرب يستحيل الفوز فيها ما لم يتم علاج الأسباب الكامنة وراءها. وهذا حق لا مراء فيه. فقد نجحت الاستخبارات البريطانية في احباط بعض الهجمات التفجيرية التي شنها الجيش الجمهوري الايرلندي في البر البريطاني، إلا ان عملية السلام في ايرلندا الشمالية هي التي انهت هذه الهجمات اجمالاً. والحل الوحيد لوقف العمليات الانتحارية الفلسطينية ضد الاسرائيليين هي الاعتراف بحق الفلسطينيين بدولة. وبالقدر نفسه، فإن الحل للتطرف الاسلامي هو عصرنة العالم الاسلامي. وفي غضون ذلك سنبقى نعاني من الارهاب. ولهذا علينا ان نكون أشداء مع الارهاب وبالشدة نفسها مع أسبابه. لكن كيف يمكن لنا ان نكون أشداء على جبهة غير مرئية؟ الجواب الموجود على هذا السؤال عند حكومتي واشنطن ولندن هو زيادة نشاط الاستخبارات والتعبئة الماهرة لقوات الشرطة والعسكر. ففي الأسبوع الماضي أرسلت طائرات التجسس للتحليق فوق واشنطن للمساعدة في القبض على قناص وحيد. وفي نهاية الحرب الباردة أصبحت الجاسوسية تواجه أزمة هوية: ما الحاجة للمزيد من خبراء الجاسوسية إذا لم يعد هناك جواسيس لمواجهتهم؟ وسرعان ما ردت الاستخبارات على هذا السؤال بالقول انها ضرورية لمواجهة «الأخطار المستجدة» مثل الجريمة الدولية والمخدرات والارهاب. حتى ذلك الوقت كانت الاجابة غير مقنعة. أما الآن بعد 11 سبتمبر بعد بالي، من الذي يستطيع أن يفند الزعم؟ ان الأوساط الاستخبارية على جانبي الاطلسي لابد وانها أكبر المنتصرين في عالم ما بعد 11 سبتمبر. وهكذا وجدنا السؤال يصبح: كم من الجاسوسية والمراقبة نحتاج لتتاح لنا فرصة معقولة للايقاع بالخلايا الارهابية «وبروفيسورات» اليوم؟ بيد ان الاجابة هي: كثير جداً. إن خطر تطور دولة بالغة القوة داخل الدولة بحجة مواجهة الارهاب، أصبح احتماله أكثر بسبب العنصر نفسه الذي يساعد الارهابيين: التطور التقني. ذلك ان تقنيات المراقبة المتوفرة اليوم تمثل حلماً وردياً لما كان يتوفر لمخابرات ألمانيا الشرقية. فأنظمة التنصت التي يوفرها النظام الاستخباراتي «ايشلون» اليوم تستطيع فعلاً تسجيل كل ما تتحدث به. وحين يحصل ام.آي5 على إذن قضائي، يستطيع قراءة كلما تتبادله من بريد الكتروني. وشاشة المراقبة عن بعد التي اخترعها أورويل في رواياته عام 1984، أصبحت اليوم واقعاً داخل بيت كل منا ـ على كمبيوتراتنا. هؤلاء يستطيعون فعل كل هذا إذا ما سمحنا لهم به. ولهذا فإن الأمر عائد لنا نحن الناخبين لنقرر شكل التوازن الذي نريده بين الحرية والأمن. فدائماً ما كانت هناك علاقة عكسية بينهما. حتى في العصر البرونزي التقني الذي ساد أيام الحرب الباردة، كنا في بعض الاوقات نسيء اقرار هذا التوازن. لقد كانت الخلاصة التي وضعها جورج سمايلي شخصية البطولة واستاذ الجاسوسية في فيلم «جون لوكير» هي: «قد تخلينا عن الكثير من حرياتنا حتى نكون أحراراً». والآن، بفعل التطور التقني أصبحت مخاطر، حظ التوازن على الجانبين أكبر. علينا في غمار الحرب ضد الارهاب، ان نحرص على الحرية. وأفضل مقاومة نستطيع ابداءها ضد عملاء عدم الحرية هي مواصلة العيش في مجتمعات حرة وحيوية ومنفتحة. إن أول ما يحبذه الارهابيون هو تحولنا الى دول قمعية ولن يمكن حتى لغزو سري شامل ضد خصوصياتنا ان يمنع ضربات الشبكات السرية. كما لن يتمكن من اجهاض خطر مهاجم وحيد. ففي واشنطن عقر دار أكبر مؤسسة استخبارية وعسكرية وأكثرها تطوراً في العالم، ظلت السلطات عاجزة فترة طويلة عن الايقاع بقناص واحد يتصيد ضحاياه حسب نزواته. غير انه يبدو لي ان الخطر الفعلي للارهاب الدولي على معظمنا لايزال خطراً صغيراً نسبياً. إن القرار التالي يتطلب اتخاذه المجازفة: حرية أكثر وأمن أقل. غير ان التوازن في هذا الخيار واضح. فالاهتمام بالجانب الآخر نكون قد ضحينا بالكثير من الحرية مقابل قيمة أمنية مضافة قليلة جداً. دعوني أضع خياري بصيغة أوضح: أفضل أن أتعرض لخطر القتل بانفجار باحتمال واحد من عشرة آلاف على ان أتعرض لخطر قراءة بريدي الالكتروني باحتمال واحد من عشرة. بقلم: تيموثي غارتون اش ترجمة: جلال الخليل _ عن «غارديان ويكلي»

طباعة Email
تعليقات

تعليقات