الثلاثاء 23 شعبان 1423 هـ الموافق 29 أكتوبر 2002 أنت في حل من ان ترتدي بدلة كاملة وتضع رباط عنق، وأنت في طريقك للقاء الوزير السابق عبدالمنعم عمارة محافظ الاسماعيلية الاسبق، فالرجل شاب رياضي، يهوى الفنون، على علاقة وثيقة بمعظم الفنانين والرياضيين الملتزمين. في مكتبه الفسيح الذي يغطيه اللون الأخضر، بل والذي يكاد يكون اللون المسيطر من خلال وفرة النباتات المنتشرة به، كانت بداية اللقاء، وان كان «ممنوع التدخين» في مكتبه، وليس هناك نصيب للمكيفات، مثل «الشاي والقهوة» يكفيك ـ فقط ـ قطعة «شيكولاتة» على سبيل التحية. أكملنا الحوار مع نادي الفيروز بالاسماعيلية، حيث كان مرتدياً «بدلة تدريب» ويتهيأ لكي يلعب المباراة الاسبوعية في الثانية بعد ظهر كل يوم جمعة، مع قدامى الرياضيين ولاعبي كرة القدم «علي أبو جريشة، العربي، يسرى طربوش».. الذين كانوا يوما نجوماً في كرة القدم، ليس على المستوى المصري فحسب، بل وعلى المستوى العربي والافريقي. كان الرجل صريحاً، واضحاً، لم يخجل من أي تساؤل، ولم يتحرج من الاجابة عن أي سؤال، فالموضوع مهم يتعلق بتراجيديا الانسان على شط القناة، حيث مسقط رأسه الاسماعيلية، وهو ابن أسرة متوسطة الحال، لذلك يبدو انحيازه الواضح لأبناء مدينته، بل يجد نفسه في حالة «ذوبان» دائم معهم. هو دارس للفلسفة، وكان عضواً بمجلس الشعب أثناء اكتوبر 1973 شغل منصبه كمحافظ منذ العام 1978 وحتى العام 1989 وحصل على درجة الماجستير في العلوم السياسية من جامعة القناة على موضوع مهم «قمة البحيرات المرة والسياسة الاميركية في الشرق الأوسط» ثم درجة الدكتوراه. وكان الحوار حول الانسان وذكريات الاستنزاف والأرض ومدينة المهرجانات، والمستقبل، بوصف الاسماعيلية فصلاً مهماً في كتاب البشر على شط القناة. تأثير عبقرية المكان ـ هناك تساؤل محوري، هو قاسم أعظم مشترك لما أبحث عنه في تراجيديا الانسان المصري على شط القناة، ذلك ان هذه المنطقة تتميز بخصوصية شديدة ، تتعلق بصمود الانسان المصري وقدرته على المقاومة، في تقديرك وتحليلك وأنت دارس لعلم النفس والفلسفة والعلوم السياسية، ما السبب في ذلك؟ ـ قال عبدالمنعم عمارة: يؤكد علماء السياسة والتاريخ وما يمكن ان نسميه «الجيوبولتيك» ان المكان والموقع لهما دور كبير في كل هذه التوجهات السياسية التي تتم في هذه المنطقة ـ تحديدا ـ أو في أي منطقة في العالم. وحيث ان منطقة الاسماعيلية تقع في منتصف قناة السويس، بكل معانيها وتاريخها، وكل ما تحمله من تراث، حدث له تراكم على مر التاريخ، منذ بدايتها وحتى الآن، فهي منطقة كان لها تأثيرها على مصر (في الأحداث الداخلية أو الخارجية) ولا أغالي إذا قلت انها هي ـ أي منطقة القناة ـ التي أدت إلى مرحلة التصنيع المتقدمة في أوروبا أو ما نسميه ما فوق التشبع في التصنيع الذي تم في العالم الغربي. منطقة في مثل هذه الأهمية والحيوية لا شك في ان لها تأثيراتها في الاحداث العالمية التي تمت منذ الحربين العالميتين الأولى والثانية فضلاً عن نشأة اسرائيل. إذن المواطنون ـ هنا ـ هم نتاج الموقع، وأحداث الموقع لها تأثير كبير عليه، وبالتالي وجدوا أنفسهم وسط معارك تدور، سواء بارادتهم، وقد أدت هذه الأحداث ـ بطبيعة الحال ـ إلى صمود هذا المواطن، وإلى نضاله، وإلى قوة تحمله، إذ انه ما ان ينتهي من حرب من الحروب، ويبدأ في حياة جديدة سرعان ما يعود مرة أخرى ـ بعد هدوء الحال ـ في هذه المنطقة، إلى النضال من جديدة، أو المعاناة من جديد، كل هذه الأسباب تؤدي إلى تجذير روح المقاومة، وعدم الاستكانة لدى مواطني شط القناة ـ كما تسميهم ـ وبالطبع أبناء الاسماعيلية كتيبة متقدمة بينهم. ـ أبحث في منطقتكم التي تمتد مئتي كيلو متر (من السويس إلى بورسعيد وبينهما الاسماعيلية) عن الانسان في صراعه مع البيئة والاستعمار، عن تلك القصص الانسانية البسيطة للمواطن العادي، هنا يظهر التساؤل: على هذه الأرض التي ارتوت بالدماء والعرق والدموع سنوات طويلة، وجدت في النهاية ملحمة كبرى، هل يضم أرشيف ذاكرتك ـ وكنت واحداً من هؤلاء المواطنين حتى حرب اكتوبر ـ ابطالاً خلقوا هذه الملحمة، وتواصلوا ليرسموا تراجيديا الانساني في الاسماعيلية؟ ـ كما هي العادة، نحن لا نهتم بما نسميه «عملية التوثيق» وان كانت هناك ذكريات كثيرة عشناها، كأيام الاحتلال الانجليزي في عام 1951 وحروب 56، 67، 1973، لأنني كنت عشت عمري كله بالاسماعيلية، وشاهدت البطولات المختلفة، التي تجعلني ـ ومن خلال دراستي للفلسفة وعلم النفس والعلوم السياسية قادراً على التحليل المنطقي للأحداث، ومواجهة الناس لها في هذه المنطقة. في العام 1973 رأيت مشاهد انسانية كثيرة، لا يمكن نسيانها،لا أنسى ونحن في المستشفى ـ نساهم ـ في اسعاف جرحى اكتوبر ذلك «العسكري» الغارق في الدم، والذي كانت ستبتر ساقه، يصرخ عندما شاهدنا ـ ولا يعرفنا ـ قائلاً: أريد أن أعود فوراً لمحاربة اليهود أولاد ال... لا أستطيع ان أنسى ذلك، شاب يقطر دماً، ويأبى ان يبقى في المستشفى، ذلك هو المواطن المصري. وقد حكى لي اللواء فاروق حسن مساعد وزير الدفاع وقتها انه نزل أثناء المعركة ليشتري طعاماً، فرأته سيدة عجوز، فأسرع باحضار طعامها، وكان عبارة عن «فسيخ» وكانت الاسماعيلية في هذا الوقت مهجرة، لقد أكد لي اللواء فاروق ان ما أكله من يد هذه السيدة، هو أحلى ما أكله في حياته. وأتواصل مع عبدالمنعم عمارة قائلا له: ـ ما حال الناس في مدينة مهجرة قبل ان يأتي اكتوبر بأيام، وبعده بأيام، صحيح كان الانتصار قاب قوسين أو أدنى، الثغرة، كل ذلك يوجد نوعاً من العلاقة الخاصة.. ماهي؟ ما شكلها؟ وإن كان البقاء والاستبقاء في حد ذاته ملحمة. ـ في هذه الأيام، كنا مجموعة مقيمين في الاسماعيلية، حوالي أربعة آلاف منهم عدد من السيدات رفضن مغادرة الاسماعيلية وبعضهن عدن إليها سراً وعندما كنا نعمل على ابعادهن من المدينة لأنها تحت الخطر كن يصرخن «لن نترك بلدنا» وكانت المدينة تحت سيطرة مدفع يهودي ضخم اسمه «أبو جاموس» كان يمطرنا بقذائفه دوما، ومع ذلك لم تكن الناس «متضايقة أو خايفة»، لكن ما كان يضايق الجميع وكانت في مرحلة الاستنزاف ان نفتح راديو القاهرة فنسمع «يا دبلة الخطوبة» كما كنا نسمع عن «شارع الهرم» وعبثه ولهوه من خلال ملاهيه، وكنا نتصور ان شط القناة هو قضية مصر كلها، بل قضية العرب، وليست قضية من يعيشون فيه. كنا ـ تحت الخطر ـ وأذكر في هذه المرحلة في نهاية الستينيات انني كنت «خاطب زوجتي الحالية، وكانت ساقها في الجبس، وأثناء زيارتي لها كانت تحدث غارة، كنا نحملها لنضعها معنا في الخندق، ثم نفتح الراديو فنسمع أغاني ليس لها علاقة بما نعيشه، هذا لا يمنع ان نحارب ونغني لكن ما نوعية ما نغنيه.. تلك هي القضية. لكن مشهد اكتوبر 1973 كان رائعاً، طائرات اسرائيلية تسقط، ودبابات تحرق، وجنود يأسرون، كنا نمسك الطيارين الاسرائيليين بأيدينا، إذن هي الحقيقة، ووصلت المسألة إلى حد الاحتفاظ بقطعة من المظلة، أو قطعة من شظية. وأؤكد بايمان وبفخر انها كانت أجمل أيام عمري على الاطلاق، وأنا أرى أسطورة العدو الذي لا يهزم تتحطم أمام عيني، وأذكر ان الصديق د. عبدالحميد حسن وكان قد صدر في الايام الأولى للمعركة قرار بتعيينه نائباً لوزير الشباب، وقد اتصل بي وكنت أيامها عضواً بمجلس الأمة «الشعب» وقال انه سيزورنا ليساند شباب المقاومة. وقد جاء يوم 9 اكتوبر وركبنا وكان معنا الأخ مهدي شومان أمين الفلاحين قارباً مطاطياً في القناة، وجنح بنا القارب نتيجة للأمواج وقلت لهم مازحاً: سأترككم وأنتم لا تعرفون العوم وسأسبح، فقالا لي: ستموت من الألغام، وشاهدنا عدداً من الجنود بعدد من القوارب وأخرجونا من القناة، ونحن نهلل، بعدها بربع ساعة فقط كانت طائرة اسرائيلية تلقي بحمولتها.. إذن كان الفرق بين الموت والحياة ربع ساعة فقط، لكن سعادتنا أنستنا تقاليد الحرب. مسئولية من؟ ـ في كتاب الحروب، فصول لم تكتب بعد، أين تقع المسئولية في كتابة تراجيديا الانساني المصري على شط القناة، سواء في صراعه مع البيئة أو المستعمر؟ ـ مشكلة العالم الثالث، ومشكلة العالم العربي، بل ومشكلة مصر، عدم الاهتمام بالتوثيق، فمن ذلك الذي يوثق في مصلحة حكومية؟ أو في وزارة؟ أو محافظة؟ أخشى ان أقول قضية فطرية، أو قضية تربية، أو اننا لم نتعلم كيف نوثق، قد يكون كل ذلك مجتمعاً أو بعضه منفرداً، إننا نجد كل يوم أن القائد فلان كتب مذكراته وان عضو مجلس القيادة قد نشر كتاباً، كلهم يكتبون كلاماً متناقضاً، وكأن تاريخ مصر شيئا هلامياً، لا نعرف من نصدق ومن يكذب!! وإذا كنا قد عشنا جزءاً من هذا التاريخ، فالأجيال الجديدة لم تعش هذه الأيام، وبالتالي، فإن الحقيقة مفقودة عندها، وهذه تفرض ان تكون هناك لجان ثابتة لكتابة التاريخ، فلدينا عدد كبير من أقسام التاريخ في الجامعات المصرية، لتتولى هذا الأمر، ويكون لديها صلاحيات التعامل مع الوثائق والمستندات. أنا مثلاً أرغب رغبة شديدة في قراءة تاريخ المماليك في مصر، فكل المتوافر لدينا شجرة الدر، وانها ضربت «بالقبقاب» حتى ماتت. ـ ألا يفرض هذا الحوار وهذه الذكريات التي تحكيها لي وحكاها لي ناس شط القناة بحب شديد وكأن كل منكم يتذكر قصة حبه الأولى ان نقترح سوياً «مشروعاً» وأنت رجل عينك على المستقبل، وكثير من الماضي القريب.. ان يكلف عدد من المخلصين من أبناء الاسماعيلية وأصدقائهم كتابة تاريخها، من خلال حكايات الصمود، بحيث يكون مشروعاً تتبناه الاسماعيلية وصولاً إلى مصر؟ ـ كأنك تستقرئ ما بدأنا فيه، فقد اقترح أحد الاصدقاء هنا في الاسماعيلية ان نقوم بهذه المهمة، وكوّنا فريقاً يرأسه عميد كلية الآداب جامعة الزقازيق، حيث اختار مجموعة على درجة عالية من الاخلاص الوطني، والدقة في البحث والاخلاص في التوثيق والكتابة، حيث بدأت في كتابة تاريخ الاسماعيلية، وقد قطعنا شوطاً حتى وصلنا إلى العام 1967، وأؤكد انني لست صاحب الفكرة، إنما قمت بتبنيها، من خلال موقعي كمحافظ أولاً.. وواحد من أبناء الاسماعيلية ثانياً، وتقوم هذه اللجنة الآن بالتأريخ للمرحلة الثانية التي تبدأ في العام 1967، وصولاً إلى اليوم. ـ دعنا ننتقل نقلة نوعية في الحوار، ذلك انك طرحت شعاراً «ابتسم أنت في الاسماعيلية» هل تؤمن حقاً بأن الابتسام والبسمة واجبة هنا.. وكيف؟ ـ من الأمور التي أراها مهمة جداً في الحياة، وقد لا يأخذها بعين الاعتبار «آخرون» ان الابتسامة تفتح أبواباً كثيرة مغلقة، ومن شأنها ازالة الحواجز، وإذابة الحدود، إذن لماذا لا تستغل هذه الايماءة البسيطة التي تفتح الأبواب المغلقة، وقد رفعنا شعار «ادخال البسمة إلى كل بيت في الاسماعيلية» وهذا الشعار الذي أجده مهماً للغاية نظراً لمرورنا «بالتراجيديا» التي تبحث عنها هنا، لقد مر شعب الاسماعيلية بالهجرة، وبالتدمير، وبالحروب، وبالتشرد، وبالمعسكرات المختلطة، والحمامات الجماعية، فليس أقل من اشعار الناس ـ هنا ـ بأن البسمة في طريقها إلى قلوبهم، لقد لاحظ الكثير من ضيوف الاسماعيلية هذه «البسمة» بل ان احدهم قال لي: ان له ملاحظتين: الأولى ان الناس في الاسماعيلية ترتدي ثياباً نظيفة، وليس بالضرورة ان تكون غالية الثمن. ـ والثانية؟ ـ انها تبتسم، ذلك ـ أؤكده ـ ولك ان تلاحظه، وتسمعه، وتناقشه، ان هناك رضاءً داخلياً وسلاماً نفسيا لدى الناس ـ هنا ـ إذن لا أقل من ترجمة هذا الشعار لدى أبناء الاسماعيلية، طبعاً.. بشرط تلبية الحاجات الاساسية لدى الناس. ـ بالطبع.. أوافق.. لكن لا تكفي مسألة البسمة دون عوامل حقيقية لها .. وهي بنية أساسية، فرص عمل، استقرار اقتصادي، لأن الانسان المستريح، هو القادر على التفكير والحب، وهو بالطبع والقطع القادر على الابتسام. ـ يقول عبدالمنعم عمارة: وأنا أوافقك فالناحية الروحية ـ فقط ـ لا تهم الانسان، والعوامل المادية مهمة جداً، لذلك لو حصرنا المدارس التي أنشئت في الاسماعيلية خلال ال110 سنوات الماضية، وحصرنا المدارس التي اقيمت في السنوات العشر الاخيرة لاتضح ان الاخيرة ضعف الأولى مرة ونصف المرة فضلاً عن ان معدل الفصل الدراسي 23 تلميذاً فقط. بطبيعة الحال.. فإن تهيئة البنية الأساسية بالكامل.. اننا أول محافظة في مصر تكهرب قراها بالكامل منذ العام1980، ولدينا من الكهرباء بنية أساسية تكفينا سنين كثيرة مقبلة. أما عن الاسكان، فلن أقول تصريحاً انشائياً، اننا قضينا على أزمة الاسكان هنا، لكنني أقول: اننا عندما كنا نعلن عن ألف شقة منذ ثلاث سنوات، كان يتقدم خمسة آلاف مواطن، في حين أن آخر إعلان منذ شهور لم يتقدم للألف شقة سوى 1200 ، أكرر 1200 مواطن، إذن الأزمة في طريقها للحل!! لذلك أرى بوصفي مسئولاً ومواطناً، أن أهم ما يدرس في «ظرف الانسان» في سبيل حل مشكلاته لذلك أعود وأؤكد ان «البسمة هنا واجبة». ـ فكرة أي مسئول ان يكون «الاستقرار» هو شاغله الأول.. لكن ما يحدث في الاسماعيلية «هيصة ومهرجانات ورقص» التي قد ينظر إليها على انها مسببة للقلق.. والواضح انك كسياسي تراها ـ الاستقرار ـ من منظور آخر.. كيف؟ ـ معك حق في هذا التساؤل، فقد قيل لي من أجهزة الأمن في المهرجان الأول للفنون الشعبية منذ أربع سنوات هذا الكلام «الاستقرار» .. وساعتها قلت لن ولن ولا احتاج إلى عسكري واحد!! الناس ـ هنا ـ في الاسماعيلية هي التي ستحافظ على النظام، وسترعى هذا المهرجان. ونجح فعلاً المهرجان الأول الذي شجعنا على تطويره، والدليل ان مهرجان هذا العام (13 اكتوبر) سيشترك فيه 25 فرقة من 22 دولة من مختلف أنحاء العالم. وأؤكد ـ وأنت تعلم ـ ان الشعب المصري شعب فنان، يحب الفن الراقي، ويتبنى أي شيء جميل.. كلنا «بنشعشع» لما بنسمع عبدالوهاب القديم، و«ننتشي» لما نسمع أم كلثوم، و«نطرب» عندما نسمع موسيقى جميلة. تكليف من عبدالناصر في صباح 23 يوليو 1956 .. كلف الرئيس جمال عبدالناصر في سرية تامة حتى عن بعض وزراء حكومته ثلاثة من الرجال في مهمة عاجلة في منطقة القناة، وتحديداً في الاسماعيلية، وذلك لتنفيذ قرار سيصدره في مساء 26 يوليو، وكان الرجال مزودين بصلاحيات منها التدخل بعنف إذا لزم الامر! وفي مساء 26 يوليو 1956 أعلن عبدالناصر في مدينة الاسكندرية «تأميم شركة قناة السويس .. شركة مساهمة مصرية» وكان الرجال الثلاثة ومعهم معاونيهم قد انتهوا من وضع أيديهم على مقر الشركة بالاسماعيلية وفرعيها في السويس وبورسعيد دون اراقة دماء، ولم تستطع القوات البريطانية المنتشرة على شط القناة التدخل. واحد من هؤلاء الثلاثة هو بطل حوارنا التالي، واسمه المهندس محمد عزت عادل الوظيفة: رئيس مجلس ادارة هيئة قناة السويس (السابق) المقر: مدينة الاسماعيلية والمهندس عزت عادل يتمتع بذاكرة مرتبة، وبثقافة موسوعية متعمقة، هادئ الطبع، دقيق الملامح، سريع البديهة، واضح، وصريح وقاطع! وكان الحوار معه، سياحة مهمة، في تاريخ شط القناة، وقناتها، وناسها، بوصف ان «شق القناة» كان السبب فيما حدث طوال المئة وعشرين سنة الأخيرة! ـ يقولون في دنيا الاعمال.. ان للفكرة نصيباً في رأس المال، كما يتعاملون في العالم الاستعماري بمنطق السلب والنهب، دعني أسألك: أي المنطقين كان ينطبق على قناة السويس، وإلى أي مدى تدور ملكية مصر لها؟ ـ يقول المهندس عزت عادل في هدوء مركز، وفي تحليل منطقي: ملكية قناة السويس والمشاركة في الفكرة والملكية والعلاقة بينهما، مسألة تحتاج إلى الرجوع إلى التاريخ، والتاريخ هو الذي سيحكم، وفي العودة إلى التاريخ القديم جداً، أيام فراعنة مصر، ومحاولاتهم لربط البحر الاحمر بالبحر الابيض، عن طريق فروع النيل من آلاف السنين، وأسماء الفراعنة معروفة ومنقوشة على جدران المعابد، سنقول ان الفكرة قديمة قدم الدهر، والفكرة أصلاً نابعة من مصر ومن المصريين، واعتقد ان ذلك برهان دافع لا يقبل أي جدال ولا ينكره أي شخص «غاوي أفكار». ولو تركنا هذا الكلام وعدنا إلى العصر الاسلامي، ورأينا الآثار التي ما زالت باقية عن «قناة أمير المؤمنين» قرب السويس تأكيداً آخر على ان القناة وفكرة شقها، لا زلنا نؤكد تأكيداً جازماً على ان الفكرة هي فكرة المصريين ومصر والمسلمين في ذلك العصر. لو اقتربنا قليلاً من ديلسبس سنجد ان الساسامينيين في فرنسا، وكانوا رجال دين، هم الذين بدأوا الفكرة في العصر الحديث وحاولوا تنفيذها إنما لسبب أو لآخر لم يتمكنوا من تنفيذ فكرتهم. ثم جاء ديلسبس، وكلنا يعرف الاتصالات التي تمت بينه وبين سلاطين مصر لتنفيذ مشروع قناة السويس. من كل هذا السرد، يمكن ان نقول ان ديلسبس لم يخترع الفكرة، بل هناك من يفوق دور ديلسبس ـ في رأي ـ في فكرة شق القناة، في الظروف التي تمت فيها هذا العام 1859. على سبيل المثال مهندس اسمه لويجي ليجنرلي، هذا المهندس الذي تنازع على انتسابه كل من ايطاليا والنمسا، لأنه ولد في منطقة التيرول على الحدود الايطالية النمساوية، والمختلف عليها حتى الآن، هذا المهندس كان له فضل كبير على حسن تخطيط قناة السويس، ولذلك نحن نعترف بفضله. ونأتي إلى «حق الفكرة» في رأس المال، فهو يعود إلى المصريين، ليس ـ فقط ـ حق الفكرة، والحق الاقوى والاكبر، حق التنفيذ، حق التضحية، من خلال استشهاد 125 ألفاً من المصريين الذين حفروا القناة بدمائهم وسواعدهم و«بمقاطفهم» بالطريقة البدائية في ذلك الوقت، في مقابل ماذا؟ لا شيء أجور ضعيفة، رعاية صحية تكاد تكون منعدمة، تغذية أقل من الانسانية.. إذن هم أصحاب قناة السويس بالفعل. ولنأتي إذن إلى دور شعب مصر بعد حفر قناة السويس، هذا الشعب الذي كان من المفروض ان يجني ثمار هذا المشروع، الذي دفع من دعم أبنائه 125 ألف شهيد، كان من المفروض ان يشترك في «الغنائم».. ونعلم جيعاً انه كان يأخذ من أرباح شركة قناة السويس «المؤممة» ما يساوي 3 ملايين دولار في السنة.. في الوقت الحالي ـ ولفرض المقارنة ـ ايرادات قناة السويس في اليوم اكثر من 35 ملايين دولار. إذن لم يأخذ من الغنائم شيئاً، قبل التأميم، بل العكس ان شعب مصر الذي حفر قناة السويس والفكرة فكرته، دفع ثمن حريته، نتيجة وجود القناة، وكلنا نذكر ان انجلترا كانت في ذلك الوقت دولة عظمى، وكانت تعمل على تأمين مواصلاتها مع الهند والشرق الأقصى، فاحتلت مصر!! فدفع المصريون حريتهم ثمناً لوجود القناة!! ـ إذن ما معنى ملكية أو المشاركة في الملكية؟ ـ لنكمل القصة ـ والكلام لا يزال للمهندس عزت ـ لقد أمم جمال عبدالناصر «الله يرحمه» قناة السويس، التأميم ليس معناه المصادرة، لقد دفعت مصر قيمة كل الاسهم الخاصة بالقناة لحملة الاسهم الاجانب بالسعر المعلن في بورصة باريس في اليوم السابق للتأميم (25 يوليو 1956).إذن مصر دفعت كامل قيمة أسهم القناة لمستحقيها.. ولم تستول مصر على القناة التي حفرها أبناؤها بدمائهم! وستظل مصر والمصريون إلى أبد الدهر ان شاء الله ملاك قناة السويس. توفيق القرار ـ اتُهم عبدالناصر دوما بأن قراراته كانت انعكاساً لانفعالاته والدليل تلك القصص الملفقة التي تظهر من حين إلى آخر، إلى أي مدى كان قرار تأميم قناة السويس موفقاً، وهل كان عبدالناصر على حق في اتخاذ هذا القرار؟ ـ احقاقا للحق، كلنا نذكر ان فترة الامتياز التي منحت لشركة قناة السويس المؤممة، هي 99 سنة، كانت هذه الفترة ستنتهي في 17 نوفمبر 1968، لكن التأميم حدث في 26 يوليو 1956، أي الفرق 12 سنة قبل انتهاء الامتياز، والثابت تاريخياً ان عملية مد الامتياز فترة أخرى بدأت محاولاته في الاربعينيات وقد أشاعت ادارة الشركة ـ في ذلك الزمان ـ ان المصريين لن يستطيعوا ادارة قناة السويس، بعد نهاية الامتياز، وان مصالح العالم الاقتصادية متوقفة على هذه القناة، وبالتالي لا يمكن ترك مصالح العالم الاقتصادية في يد المصريين غير القادرين على ادارة مثل هذا المرفق. وحاولت بكل الوسائل تمديد فترة الامتياز ـ وكلنا نذكر ـ ان شعب مصر رفض رفضاً باتاً، عملية المد ومناوراته، ومع اني أشجب عملية القتل، إلا ان رئيس وزراء مصر قتل عندما أشارت الدلائل إلى انه ميال لمد فترة امتياز قناة السويس!! كانت هناك دراسات كثيرة لتأميم قناة السويس قبل اثارة موضوع البنك الدولي، ورفضه تمويل السد العالي، فضلاً عن وجود عدد من الكتب، منها كتاب كتبه المرحوم الدكتور مصطفى الحفناوي (عضو مجلس ادارة قناة السويس بعد التأميم ووزير الاسكان في بداية السبعينيات).. الموضوع كان حياً ومثار مناقشة ودراسة. وهذا الاتهام كان غير صحيح، اتهام الرئيس جمال بالانفعالية، لأن العملية كانت مدروسة، ومخططة، ولكن ساعة الصفر، فقط، هي التي كانت تتوقف على الاحداث الجارية. وأود ـ هنا ـ ان أذكر بعض الحقائق عن حال الشركة المؤممة، قبل التأميم: (1) لم يكن هناك مصري واحد في مستوى اتخاذ القرار في الشركة. (2) أعلنت ادارة الشركة بأن مصر ما دامت متمسكة بعملية انهاء الامتيازات في توقيته (1968).. إذن لا يجب ان تنتظر مصر من ادارة الشركة تطوير المرفق أو معداته، لأنها تبغي الربح، وبالتالي لا ينتظر منها ان تقوم بالانفاق على مشروع، سوف تسلمه بعد 12 سنة إلى الحكومة المصرية، أي انها إذا «انفقت» فهي مصاريف بلا مقابل! ـ يجب أن أشير هنا إلى فرضية بغرض المناقشة لو ان القناة لم تؤمم واستلمتها مصر في العام 1968 بعد انتهاء فترة الامتياز، ماذا سيكون الوضع إذن بعد التسلم؟ أولاً: عدم قدرة المصريين على ادارة مرفق القناة الذين لم يتحصلوا على خبرة كافية في ادارته، بمن في ذلك المرشدون المصريون العاملون في القناة، إذ انه في سنة التأميم 1956، كان يوجد 27 مرشداً مصرياً فقط حديثي التعيين فصلاً عن كبار المرشدين «أجانب»!! والمعلوم ان المرشد تتوقف كفاءته على طول مدة خدمته! ـ من حيث المرفق ـ ذاته ـ كانت مصر ستسلم مرفقاً متأخراً، ومتخلفاً، في معداته، ومجراه، عن التطور المستمر في النقل البحري العالمي، نظراً لتوقف عمليات الانفاق وبالتالي التطوير (12 سنة كاملة)! ـ إذن كان المصير المحتوم: ان مصر والمصريين سيفشلون في ادارة قناة السويس، كل ذلك بافتراض تسلم مصر القناة بعد انتهاء فترة الامتياز، مستبعدين بذلك قرار التأميم!! ـ اختيار التوقيت إذن ليس قراراً انفعالياً من جمال عبدالناصر، لقد كانت الفكرة موجودة، والتخطيط لها موجود والتنسيق لها موجود والتأميم جنب مصر الفشل في ادارة المرفق، بعد 12 سنة، لأننا كنا سنتسلمه «خردة». ـ والدلائل على هذا يدفعني لأن أقدم مثالين في التاريخ المعاصر: (1) شركة الترام في مصر كانت لها فترة امتياز، لم تؤممها مصر، استلمت الشركة بعد نهاية الامتياز «خردة» بدون قطع غيار، وقضبان غير مصانة، ووحدات تسيير «كهنة». ـ أما المثال الثاني، فهي شركة «لوبون» للغاز، الكلام نفسه، إذن لو ان مصر قد انتظرت إلى ما بعد انتهاء فترة امتياز القناة، لكانت استلمت القناة خردة! ولفشلت بالتالي في ادارتها. ـ إذن كان التأميم ـ من وجهة نظري ومن وجهة نظر أي منصف حتمية واجبة، ولم يكن قرار تأميمها قراراً انفعالياً، لذلك فإن الاهتمام خاصة لصاحب القرار، بأن يهدر قيمة الانسان المصري الذي فكر وخطط والذي توقع ماذا سيحدث في المستقبل! تأليف: محمد هيكل