لماذا الآن على وجه التحديد؟، علامات استفهام شائكة تثيرها طفرة الذهب الأسود في غرب افريقيا

الاثنين 22 شعبان 1423 هـ الموافق 28 أكتوبر 2002 لسنوات طويلة لم تشهد جزيرة مالابو الاستوائية الهادئة تغيراً يذكر. انها عاصمة غينيا الاستوائية، ذلك البلد الافريقي الصغير الذي لا يتجاوز تعداد سكانه نصف مليون نسمة، ولم يكن في المدينة اشياء تثير الاهتمام سوى بعض الابنية البالية من ايام الاستعمار الاسباني، وبضع ساحات عامة مسورة بأشجار النخيل وبلدات الاكواخ المتراصة التي تطوق المستوطنات الافريقية وكان مدخلها الوحيد الى الشهرة الروائي فريدريك فورسايت، الذي عاش هناك اثناء تأليفه لروايته المثيرة «كلاب الحرب» لكن خلال السنوات الثلاث الماضية شهدت مالابو تحولاً جذرياً، المباني التجارية الحديثة تطاولت عالياً في الافق، وافتتحت الفنادق والبنوك، والاجانب الذين كانوا شيئاً جديداً غير مألوف في مالابو اصبحوا الآن يملأون المطاعم الفاخرة الجديدة القليلة في البلدة، هناك كثافة كبيرة في اعمال الانشاء والتعمير حتى ان السكان المحليين يقولون على سبيل المزاح انك اذا فتحت فمك واخرجت لسانك منه، فسيأتي احدهم ويبني شيئاً ما عليه. واذا تساءلت عن مصدر هذا الازدهار الاقتصادي المفاجئ فهو مدفون في اعماق المحيط القريب على مدى العقد المنصرم، عثرت شركات النفط الأجنبية على ما لا يقل عن 500 مليون برميل من النفط الخام عالي الجودة في المياه الاقليمية للبلد وقفز الانتاج من 17 ألف برميل باليوم في عام 1996 الى اكثر من 220 ألف برميل وقد يزداد بنسبة 50 بالمئة في غضون ثلاثة اعوام ولقد غذت هذه الطفرة النفطية نمواً اقتصادياً خيالياً ـ بلغ معدله 65 بالمئة العام الماضي ويتوقع هبوطه الى 25 بالمئة هذه السنة ـ ورفعت اجمالي الناتج المحلي السنوي للفرد من 800 دولار قبل سبعة اعوام الى اكثر من 2000 دولار اليوم. والحظ السعيد الذي اصاب غينيا الاستوائية يتكرر الآن في انحاء المنطقة في غرب افريقيا وقريباً سوف تبدأ تشاد احدى افقر بلدان العالم في ضخ اكثر من 200 ألف برميل نفط في اليوم عبر خط انابيب بطول ألف كيلومتر وتكلفة 37 مليارات دولار اضخم مشروع بنية تحتية في تاريخ افريقيا يقطع عرض اراضي الكاميرون وصولاً الى المحيط. بلد افريقي صغير آخر هو جزيرة ساو تومي وبرينسيبي ينام ايضاً على حوالي اربعة مليارات برميل نفط وبدأ الآن يجتذب رجال النفط الاجانب. هذه البلدان تنضم الى عمالقة كبار مثل نيجيريا، التي تعتزم زيادة انتاجها من 19 مليون برميل في اليوم الى اكثر من ثلاثة ملايين برميل، وانغولا التي تريد مضاعفة انتاجها اليومي، الذي يبلغ الآن حوالي مليون برميل، والغابون التي تشجع على مزيد من التنقيب في اعماق مياهها لتقوية انتاجها المتراجع كل هذه النشاطات تجعل من مياه المحيط قبالة سواحل غرب افريقيا احد اسخن الاماكن للتنقيب عن النفط في العالم قد تبدو الارقام متواضعة على المستوى العالمي فإجمالي احتياطيات النفط المكتشفة في خليج غينيا يقدر بـ 40 مليار برميل اي اقل من سدس احتياطي المملكة العربية السعودية الذي يقدر بـ 126 مليار برميل لكنها البداية فقط بالنسبة لافريقيا حديثة العهد بالنفط ويقول آل سنانتون، وهو محلل متخصص في شئون النفط مستقر في العاصمة الاسكتلندية ادنبره، ان «فرص التوسع في استثمار النفط الافريقي هائلة». وما يدفع هذه الفورة النفطية الى الامام هو بحث واشنطن عن موردي نفط موثوقين خارج الشرق الاوسط وهو بحث بات اكثر إلحاحاً في اعقاب تفجير ناقلة نفط فرنسية قبالة سواحل اليمن هذا الشهر. الشركات الاوروبية مثل «توتال فينا إيلف» و«رويال شل» الهولندية بسطت ايديها على المنطقة منذ زمن طويل، لكن الفورة الجديدة تقودها شركات أميركية عملاقة مثل «اكسون موبيل» و«شيفرون» وشركات مستقلة مثل «اميراداهيس» التي يقع مقرها في نيويورك وناضلت الشركات الاميركية كثيراً لخطب ود البلدان حديثة العهد في انتاج النفط مثل غينيا الاستوائية متسلحة بخبرتها الواسعة في الحفر في المياه العميقة في خليج المكسيك. يتميز النفط الافريقي بتدني مستويات الكبريت فيه، مما يسهل عملية تكريره ولأن معظم كميات النفط موجودة في البحر قبالة السواحل، فإن الشركات الاجنبية غير مضطرة للتعامل مع السكان المحليين باستثناء عدد قليل من المسئولين الحكوميين والعمال المستأجرين. المواصلات سهلة ايضاً، اذ يمكن للناقلات الموصول الى حقول النفط في رحلة مباشرة عبر الاطلسي من اوروبا او من الساحل الشرقي لأميركا دون الابحار المزعج في قناة السويس او الخليج. مع تلبية افريقيا لجزء اكبر من احتياجات اميركا النفطية يتوقع مركز ابحاث اميركي نمو حصة افريقيا في سوق النفط الاميركية من 15 بالمئة اليوم الى 25 بالمئة بحلول عام 2015. انتشرت شائعات قوية في واشنطن انكرت وزارة الخارجية صحتها بأن الولايات المتحدة سوف تبني قاعدة عسكرية في ساو تومي لحماية مصالحها المتنامية في المنطقة ويقلل المسئولون الاميركيون من شأن الاعتبارات الاستراتيجية في الاندفاع النشط نحو غرب افريقيا، برغم الاشارة في تقرير سياسة الطاقة الوطنية الصادر حديثاً عن نائب الرئيس ديك تشيني الى ان «منطقة غرب افريقيا هي احدى مصادر النفط والغاز الاسرع نمواً للسوق الاميركية» وجاء على لسان احد المسئولين الاميركيين: «ان الاقاويل الكثيرة التي تحدثت عن بعد استراتيجي للنفط الافريقي لا أساس لها من الصحة». لكن في حين ان نفط غرب افريقيا سيكون جيداً للولايات المتحدة، فهل سيكون مفيداً لغرب افريقيا؟ انصار شركات النفط يقولون ان بلدان المنطقة الفقيرة المعدمة سوف تجني مليارات الدولارات من النفط تستطيع انفاقها على تحسين الخدمات الصحية والتعليم والبنية التحتية، ويقول كارل تورسي من شركة اميرادا هاس: «امام السكان المحليين فرص خيالية لجمع الثروات» لكن ناشطي حقوق الانسان يقولون ان معظم اموال النفط تذهب في الغالب الى جيوب الحكومات الفاسدة وابرز مثال على ذلك نيجيريا التي انتجت نفطاً خاماً بقيمة 320 مليار دولار على مدى العقود الثلاثة الماضية لكن آثار هذه النعمة لم تظهر في الخدمات العامة باستثناء شق بعض الطرق والملاعب الرياضية التي تتعرض للتلف تدريجياً. ويعتقد ان احد حكام نيجيريا العسكريين السابقين وهو الجنرال ساني اباتشا الذي افضى موته في عام 1998 الى عودة الحكم الديمقراطي للبلد قد سرق اكثر من اربعة مليارات دولار، وقبل ايام قليلة فقط تسرب تقرير صادر عن صندوق النقد الدولي يفيد باختفاء اربعة مليارات دولار من ميزانية انغولا على مدى السنوات الخمس الماضية. وفي تشاد انفقت الحكومة 45 ملايين دولار من اصل دفعة اولى بقيمة 25 مليون دولار تلقتها من البنوك الدولية، على شراء الاسلحة لمواصلة الحرب ضد الانفصاليين الشماليين. ترجمة : علي محمد عن «تايم»

طباعة Email
تعليقات

تعليقات