وسط قرع طبول الحرب، الاولويات الحقيقية دخلت عالم النسيان أو التفت بالغموض

الاثنين 22 شعبان 1423 هـ الموافق 28 أكتوبر 2002 تتواصل الريبة أو تزداد مع الحرب «الحتمية» ضد العراق التي أضحت مناسبة انتخابية بينما تحدث اعتداءات جديدة في بالي باندونيسيا وفي موسكو وقبالة ساحل اليمن. وعلى الجبهة الأخرى فإن أزمة سوق القيم لا تتوقف حيث يحتبس الاستهلاك اثر التدمير الهائل للادخار وكما يقول مصارعو الثيران من الممكن ان تأتي الضربة القاضية على شكل عدوى للنظام المالي لأنه على الرغم من معدلات الفائدة المنخفضة في البلدان المركزية إلا ان الديون يظل وضعها كسابق عهده، بدون ان يكون الادخار الذي يدعمها كما كان. ويرى الآن بوضوح اكثر في النموذج الرأسمالي الشعبي المطبل له بهذا القدر ان الادخارات افتراضية وتضمحل بينما الديون حقيقية كما الحياة نفسها. في هذه البانوراما لا شيء يشير إلى ان الوضع آخذ بالتحسن وذلك من بين أشياء أخرى لأن الأولويات دخلت عالم النسيان أو يتم تجاهلها أو انها مموهة كما تفضلون. يبشرون بصراع اقليمي مع العراق في بداية عام 2003، بما في ذلك اختيار جنرال اميركي لتسلم السلطة فوراً مكان الرئيس العراقي، وماذا عن الخطوة التالية؟ ترى هل سيبقى هناك كما في افضل مراحل المغامرات الامبراطورية الأوروبية؟ وهل سيحل مكان هذا الجنرال احد ما من المنطقة مع دعم لا محدود من المجتمع الدولي كمحمية وهل ستشمل هذه الخطوة تغييرات حدودية لتصحيح أخطاء الاستعمار الفرنسي البريطاني؟ ويعلن المسئول الأعلى لصندوق النقد الدولي ان حرباً قصيرة ضد العراق كفيلة بأن تساعد على ازالة الريبة والتشكك وبأن تحسن وضع الازمة وبذلك يهرب باتجاه تكهنات خارج نطاقه تعبيرا عن عجزه عن القيام بالدور الملقى على عاتقه في البنية المالية، والسؤال هو: كم يبدو له زمن الحرب القصيرة هذه؟ هل يتحدث عن أسابيع ام عن أشهر؟ وكم من الضحايا يعتبر كافياً من أجل تغيير سمة الازمة بضع عشرات أم مئات الألوف من الارواح. أما قمة السبعة الكبار زائد واحد فإنها تعزينا برسالة مفادها ان المرحلة الاسوأ في الأزمة قد انقضت لكنها تقلقنا من تكرار الطرح القائل بأنه خلال العامين ونصف العام لانهيار سوق القيم لم يكن هناك أزمة ترى كيف مر الاسوأ في ما لم يوجد بعد؟ ويعاد انتاج الرعب بين خطوط شرح هذا الواقع العالمي الجديد بدون كبح وبدون سياسات واضحة في موضوع الأمن ولا في ميدان الازمة الاقتصادية العالمية. وتعيش البرازيل حالة الريبة التي يتغذى منها الموسومون بالخطر، مانعين بذلك لعبة ديمقراطية نظيفة ما سيولد خيبات أمل متزايدة في الرأي العام للبلدان الناشئة، فعلى سبيل المثال يبدو لهؤلاء ان «لولا» الرئيس البرازيلي يشكل تهديداً في الوقت الذي يباركون فيه الرئيس الباكستاني مع ان «لولا» لا يقاتل بشكل ديمقراطي ضد معارضيه الداخليين وحسب، وهو أمر منطقي، وإنما ضد المحنكين الجاحدين في المجتمع البرازيلي. أيضاً الذين يحاولون انطلاقاً من مراكز شرعية في السلطة ان يقرروا مصير ذلك الشعب أو ليس هذا مثالاً كبيراً على دعم تعزيز الديمقراطية التي يتشدقون بها في هذا العالم المهدد بالارهاب وبالازمة الاقتصادية؟ من فضلكم دعونا نستعيد الاولويات ولنفعل كل ما هو ممكن لكي تلعب المواطنية دورها مطالبة بمسئوليات ومشروعات محتملة من ممثليها، فهناك حاجة كبرى في البلدان المركزية بدءاً بالولايات المتحدة ومروراً بأوروبا لتيار كبير من أجل كبح جماح الهذيان الذي نغرق أنفسنا به لوقت أطول بكثير مما يتحسب له القادة. انني آسف لتكرار القول انه في مواجهة تهديد الارهاب العالمي، فإن الحرب التقليدية التي شرعنا بها البارحة ضد أفغانستان وغداً ضد العراق ودائماً ضد الشيشان هي أسوأ من انه غير ذات جدوى لأنها لن تقضي ولن تقلص التهديد الرئيسي وحسب، وإنما ستحفزه حيث ما زلنا بدون تعريف لهذا التهديد الموجود في كل مكان والذي لا يعتمد على الدول القومية والذي يتحرك في جميع الأراضي ويوجه لجميع الاراضي، كما لو كان منظمة غير حكومية لعنف بلا حدود. ما من شيء مرغوب فيه اكثر من رؤية الشعب العراقي محرراً من قيادته الحالية والا يخضع لمحنة جديدة ليس مسئولاً عنها مع حرب بلا مخرج منها في الافق المنظور. ما من شيء مرغوب فيه اكثر من رؤية الشعب الاميركي يتجاوز الكرب الدائم لمحنة الحادي عشر من سبتمبر داخل اراضيه وخارجها إلا رؤية كيف سيتمكن ضحايا «بالي» من فهم مصابهم، ومع ذلك أنا لا اعتقد ان الطريق المشروع فيه يمكن ان يكون فعالاً لبلوغ ذلك. انني لست ضمن التيار الرافض للولايات المتحدة الذي يتنامى كما حصل قبل 30 عاماً اثناء حرب فيتنام، بل على النقيض من ذلك، إذ اني على قناعة بأن التقليد الافضل للولايات المتحدة في القرن العشرين هو نقطة الانطلاق في نظام عالمي جديد، لكن ذلك التقليد يتصاهر مع مجتمع الامم ومع الأمم المتحدة اللذين انشئا ووضعا حيز التطبيق من قبل الولايات المتحدة نفسها اثر الحربين العالميتين للقرن المنصرم. فلقد تمثل هدف ذلك التقليد في الحد من أحادية القوى الأوروبية التي سببت النزاعات العالمية وهدف إلى القضاء على الحروب الوقائية التي تقر انطلاقاً من الميل إلى فردية مرضية لمنقذي أية حضارة لا أدري. لذلك يتعين علينا الاستعانة بذلك التقليد للحيلولة دون الانسياق مع التيار الحالي. الى ذلك يتعين تعزيز العمل المخابراتي وأنا أتحدث هنا عن الاستخبارات الخدماتية وليس تلك الخاصة بالحكام، إلى جانب تنسيق عدة بلدان صديقة لأنه لا الاسلحة التقليدية ولا الجيوش التي تجسدها هي التي ستحررنا من التهديد الارهابي العالمي. وأتذكر كذلك انه في المركز السطحي للزلزال الخاص بهذه التهديدات يتواصل صراع دموي بين الاسرائيليين والفلسطينيين حيث لن يفوز أحد بهذه الحرب من خلال الطريق المتصدى له إذ انه وضد الرؤية البسيطة بأنه في أي مواجهة هناك منتصرون ومنهزمون يلقن الواقع العنيد درساً مفاده انه توجد حروب يكون فيها الجميع خاسراً او اذا شئتم هناك حروب لا ينتصر فيها أي من الخصوم أو من حلفائهم الحقيقيين أو المزعومين. ان الازمة هي سياسية اكثر بكثير من كونها اقتصادية حيث يمكن للاقتصاديين الذين يلعبون دوراً وسيطروا على السياسات فارضين آراءهم الخاصة ضد الحقائق الاجتماعية ان يأخذوا فترة استراحة وان يبذلوا بشكل أو بآخر جهداً ما باتجاه التواضع. فعلى السياسة ان تستعيد دورها المنوط بها وعلى السياسة ان تنظم وتعطي معنى للحيز العام الذي نتقاسمه بدءًا بالمحلي حتى العالمي. ان الازمة هي أزمة حكم وتتفاقم يوماً بعد يوم إذ يستطيع صندوق النقد الدولي ان يفرض اقتراعاً على النواب الارجنتينيين وعلى الرغم من انه لا علاقة له بالازمة الاقتصادية لكنه لا يتمتع بمصداقية ليقدم دوره في العمارة الاقتصادية والمالية لهذا الاقتصاد المعولم في أزمته. أما الموسومون بالخطر بدون ان يتحملوا مسئولية أمام أحد فإنهم يقررون اكثر بكثير من المؤسسات التي خلقت لمواجهة الازمة التي تعج بعمليات حسابية شرسة؟ لقد دفع المدخرون جزءًا جوهرياً من الأزمة في البلدان المتطورة والمستهلكون في البلدان الناشئة، أما إذا جاء الدور على الكيانات المالية وعمقها وديمومتها فإن الأمر أشد وأقسى. ان الأولويات تستصرخ المسئولين الحكوميين بأن الامر يتعلق بالتهديد الارهابي وبالازمة الاقتصادية وهؤلاء المسئولين غافلون أو انهم يستغفلوننا، لذلك نسترعي انتباههم الى الواقع. بقلم: فيليبي جونزاليس ترجمة: باسل أبو حمدة عن «البايس» اسبانيا

طباعة Email
تعليقات

تعليقات