هناك مصادر قلق أكثر أهمية، الاسرائيلون مطالبون بترك الأميركيين يتسلون باستراتيجيتهم العليا

الاثنين 22 شعبان 1423 هـ الموافق 28 أكتوبر 2002 المفاوضات المضنية التي تجريها الولايات المتحدة مع اعضاء مجلس الامن حول صيغة قرار بشأن العراق تثير حفيظة بعض الاسرائيليين بقدر لا يقل عن اثارتها لحفيظة الاميركيين: لماذا الاستمرار في المناكفات الدبلوماسية عندما يكون من المسلم به ان الرئيس بوش يعتزم شن الحرب، بمصادقة الامم المتحدة أو بدونها. فالاستعدادات جارية على قدم وساق، وقد تحددت الاهداف العسكرية والسياسية، بل ان الجمهور نفسه مستعد نفسيا - اذا فهيا الى المعركة- على ألا يذعر الاميركيون من النقد الموجه اليهم، في انه لا حق لدولة بشن الحرب بدون تفويض من الامم المتحدة، الا لغرض الدفاع الفوري عن النفس. لقد وصف الرئيس بوش الرئيس العراقي ونظامه بالتهديد المباشر على المصالح الحيوية للولايات المتحدة، والقوة العظمى الوحيدة ترى نفسها ذات صلاحية في العمل وفقا لمصالحها، وحدها عند الايجاب، أما اسرائيل، الملتصقة بظهر القوة العظمى، تندفع معها نحو المستقبل الوردي لشرق اوسط نقي من اسلحة الدمار الشامل، ديمقراطي ومستقر، والذي ستحل فيه القضية الفلسطينية بشكل سحري ايضا. وفي هذه الاثناء ينبغي دفع ثمن ما: كبح جماح ردود الفعل على عمليات القتل، والتظاهر بالتسهيلات للسكان الفلسطينيين، والامتناع عن التصريحات الحماسية عن الرد المناسب على هجوم بالصواريخ العراقية، واعداد الجبهة الداخلية. وما هذا مقابل استعداد الجمهور الاميركي، في أعقاب الحادي عشر من ايلول، لمكابدة خسارة ثلاثين ألف جندي قتيل في حرب ضد الرئيس العراقي؟. وبالفعل، فان العملية في البرجين التوأمين هي التي تحرك الاستراتيجية الاميركية، ولكن ليس لانه توجد صلة مباشرة بينها وبين الرئيس العراقي، أو بين الارهاب وبين اسلحة الدمار الشامل، بل لان رفض الشعب الاميركي مكابدة خسارة عشرات آلاف ضحايا الحرب - والذي منذ حرب فيتنام كبل يدي القوة العظمى وأملى عليها خطاها - قد تغير من حيث الأساس. فقد بات الاستراتيجيون الصقور قادرين الآن على التأثير على الرئيس بوش لتحقيق ادعاء الولايات المتحدة بالزعامة الدولية. وتصميم نظام عالمي يقوم على أساس احتكار القوة التي يحتفظ بها الاميركيون، ويمنع، حتى ولو بالقوة، صعود قوة عظمى عالمية أو حتى اقليمية. ويروج الاميركيون لعدد من «أهداف الحرب»: مكافحة العنف (الاسلامي)، تصفية اسلحة الدمار الشامل، الكفاح في سبيل الحرية والديمقراطية، احترام القرارات الدولية، منع صعود عامل لعدم الاستقرار الاقليمي. ومن السهل استبيان عدم الانسجام بين هذه الاهداف وبين العراق بالذات. فكثرة الذرائع تلمح بأنها جميعها تأتي لخدمة عقيدة عليا امبريالية، هدفها ضعضعة النظام القائم كما تبلور في السنوات الاخيرة ، فلا مزيد من التدخل في سيادة الدول فقط اذا ما قرر مجلس الامن بأن عدم الاستقرار الداخلي يعرض السلام العالمي للخطر، بل ضرب من طرف واحد من القوة العظمى للسيادة، وحتى عملية مبادرة لتغيير الأنظمة، اذا كانت هذه الاعمال تقوم على أساس حجة احباط تهديد محتمل على مصالح الولايات المتحدة. هذا النهج الامبريالي لا يطيب بالطبع للعديد من الدول، بمن فيهم القوى العظمى الاقليمية. ولكن الولايات المتحدة تعتمد أغلب الظن على ان التصميم والاستخدام العقلاني للقوة سيبلوران ائتلافا من المؤيدين، منذ البداية أو بأثر رجعي. لا مجال للمعرفة فيما اذا كانت هذه الاستراتيجية ستطبق في العراق في نهاية المطاف، ولكن لا ريب في ان تغيير نظام الرئيس العراقي سيكون له آثاره على الشرق الاوسط بأكمله. ولا يرى الاستراتيجيون الاميركيون في ذلك نتيجة غير متوقعة، وبالعكس، فان بعضهم يرى في الحرب ضد العراق، وفي نتائجها، وضعا يشبه الوضع الذي ساد في اوروبا في أعوام 1945 - 1947 وفرصة لبناء «منطقة سلام ديمقراطية»، تقوم في ظلها في البلدان العربية أنظمة ليبرالية - ديمقراطية ومعتدلة. ان الحرب ضد العراق ستحدث بلا ريب تغييرات جذرية في الشرق الاوسط، ولكن ليس بالضرورة تلك التغييرات التي يأمل بها الاميركيون. النتيجة ستكون شرقا اوسطيا يشبه جحر النمل الذي ضربه أحد ما بعصا غليظة. هناك من الاسرائيليين من يرى في ضعضعة الوضع القائم فرصة ذهبية لحل مشكلات اسرائيل الخارجية. ولكن هل حقا مثل هذا «الشرق الاوسط الجديد» سيحل المشكلات، أم سيحدث عدم استقرار يثقل على اسرائيل بالذات؟ ان الرئيس العراقي وحشي أقسم بأن يدمر اسرائيل، ولكن في الوضع القائم تراه عديم الحيلة ازاء ايقاع أي شر بها، واذا ما تجرأ على عمل شيء فانه سيضرب. فهل يعتقد أحد ما بأن نظاما بديلا في العراق سيوقع على اتفاق سلام فوري مع اسرائيل؟ أفلن يستغل مثل هذا النظام مكانته كي يضغط على اسرائيل؟ وهل لاسرائيل مصلحة في ان ترى انهيار المملكة الاردنية، والتي بلا ريب ستكون الضحية الاولى للحرب؟ وأي بشرى هناك لاسرائيل من الاطاحة بالأنظمة القائمة؟ فهل الجماهير التي ستحظى بأنظمة ديمقراطية تتوق بهذا القدر للسلام مع اسرائيل؟ وحتى حلم الترحيل للفلسطينيين الى الاردن في سياق الحرب ليس سوى حلم عابث. وعليه، فلندع الاميركيين يتسلون باستراتيجيتهم العليا. ويجمل بنا ان نُعنى بمصادر قلقنا بدل ان نركب ظهر الاميركيين. ويخيل لي انه سيكون هذا مريحا لهم ايضا. بقلم: ميرون بنفنستي عن «هآرتس»

طباعة Email
تعليقات

تعليقات