لماذا صمتت واشنطن 12 يوما ؟، المراقبون : مبدأ بوش يواجه أصعب اختباراته بعد اعتراف بيونج يانج

الاحد 21 شعبان 1423 هـ الموافق 27 أكتوبر 2002 هل أصبح عالم الرئيس الأميركي جورج بوش اكثر تعقيداً بشكل مفاجئ؟ ام هل جاءت الاحداث المذهلة التي وقعت في الأيام القليلة الماضية لتقنعه بأنه كان محقاً على طول الخط؟ فعندما تسربت المعلومات بشأن برنامج كوريا الشمالية النووي السري، سارع منتقدو بوش الى الادعاء بأنه اصبح سجيناً لأفكاره. فكيف يمكن له ان يشن حرباً على الرئيس العراقي لأنه ربما يكون آخذ في تطوير أسلحة نووية بينما يذهب في الوقت نفسه للتفاوض مع الرئيس الكوري الشمالي الذي يعترف صراحة بأنه يملك تلك الأسلحة؟ فإذا كان كل طرف اما علينا او ضدنا، فماذا عسى بوش ان يفعل مع باكستان حليفنا في الحرب ضد الارهاب اذا كانت هي مصدر امداد كوريا الشمالية بالمعدات النووية؟ ولماذا الذهاب بحثاً عن المشكلات في الوقت الذي تبدو هذه المشكلات عازمة على المجيء والعثور علينا؟ فبشكل مفاجئ بدا ان شبكة القاعدة اصبحت في كل مكان، سواء في اندونيسيا او الكويت وربما في الفلبين، وحتى اذا صدق قول مدير الاستخبارات الاميركية جورج تينيت فإنها باتت على ابواب اميركا. وبعد ذلك هناك العراق الذي لا يزال يسيطر على ذهن بوش حتى في الوقت الذي تبدو فيه امور اخرى اكثر تهديداً فلدى توقيعه على قرار من الكونغرس يسمح له بشن حرب على العراق، هاجم بوش الرئيس العراقي قائلاً انه يسعى لامتلاك اسلحة نووية.. والآن اعترفت كوريا بتخليها عن كل تعهد اخذته على نفسها وبحيازة اسلحة دمار شامل. فهل اظهرت احداث الفترة القليلة الماضية معتقدات بوش على انها هشة للغاية ولا تستطيع التعامل مع العالم المتمرد؟ لا يمكن سماع مسئولي الادارة، وهم يقولون ذلك. فبدلاً من ذلك، جاءوا بأدلة جديدة على ان الارهاب والأسلحة النووية هما تهديدان متماثلان يواجهان العالم المتحضر وانه ما من شيء يمكن ان يحمينا الا رداً قوياً وشجاعاً. فأثناء توقيعه على قرار شن الحرب على العراق، اعلن بوش ان «هؤلاء الذين اختاروا ان يعيشوا في جو من الانكار والنفي ربما يجدون انفسهم في النهاية مضطرين لان يعيشوا في خوف» او يمكن التعبير عن الامر بعبارات اخرى مفادها ان كل من يشبه كلينتون ممن يقدمون على تصديق الأشياء بسهولة والذين قاموا بابرام صفقات مع كوريا الشمالية لارجاء برنامجها النووي والذين قاموا بالقاء بعض القنابل على العراق ثم ذهبوا بعيداً لم ينجحوا الا في تأجيل امور حدوثها امر حتمي، وهم بذلك تسببوا في ان تزداد المشكلات سوءاً فما تم التخلص منه بوضعه تحت السجادة، على حد قول صقور واشنطن، نحن نقوم باظهاره مرة اخرى ومواجهته بقدر قليل من الوقاية اذا امكن وبقدر اكبر من العلاج اذا اضطررنا الى ذلك. كان من الاسهل لبوش ان يصبر على دبلوماسيي بيونج يانج ويبدي امتعاضاً في مواجهته مع دبلوماسيي بغداد لو لم يكن قد وضع نفسه في اطار الشخص الحساس اخلاقياً الذي لا يمكنه ابرام صفقات مع الشيطان. غير انه لطالما عرفت الادارة الاميركية التمييز بين قوى الشر في المحور الذي رسمته لتلك القوى. فالكوريون اعترفوا بامتلاكهم لبرنامج نووي سري، وهو الامر الذي يدل على انهم لديهم الاستعداد على مواصلة المحادثات اما الرئيس العراقي فيواصل الانكار وهو ما يعني بالنسبة لبوش وانصاره ان القوة وحدها هي التي تفيد في هذا الشأن فقد قال بوب جيتس، المدير السابق للاستخبارات المركزية الاميركية: «ان كوريا الشمالية لا تمثل تهديداً وشيكاً على اي طرف فالكوريون لم يهاجموا احداً طوال 50 عاماً». خلافاً للعراق الذي يمكن ان يستخدم اسلحة نووية لتهديد المنطقة بأكملها، تلك المنطقة التي كانت حتى وقت قريب اكثر توتراً من آسيا. وقد استغرق الامر 12 يوماً من المسئولين الاميركيين قبل ان يقدموا على اعلان اعتراف كوريا الشمالية على الملأ، وهو ما يعني انهم اخذوا وقتاً في التفكير في التعقيدات المحتملة التي يمكن ان يتسبب فيها الاعلان عن هذا الامر وفي البيت الابيض سوف يفكر اصحاب المذهب المتشدد من الادارة بين انفسهم، قائلين: هل ينبغي لنا ان نقوم بعزل كوريا الشمالية، ام نكتفي بقصف منشآتها النووية؟ الاحتمال الاكبر هو ان يسود الرأي الاكثر اعتدالاً وينضم بوش الى كل من الصين واليابان لارغام بيونج يانج على اتفاقية للتخلي عن الاسلحة النووية مقابل تقديم مساعدات لها، ولكن لن يحدث هذا الا بعد مرور وقت كاف حتى لا يتهم احد المسئولين الذين يسيرون على نمط تشرشل بأنهم يبدون مثل تشمبرلين. ومهما حدث فإنهم يستطيعون القول بأن اسلوبهم المتشدد يسير في طريقه وأن الرسائل التي ترسل في اتجاه واحد تسمع في الاتجاه الآخر، ويفترض مسئولو الادارة ان بيونج يانج كان يساورها القلق من ان مبدأ بوش المتمثل في اتخاذ عمل احترازي واستباقي ضد الاخطار يمكن ان يوجه اليها في نهاية الامر. وخلال أغلب فترات العامين الماضيين، كان اصحاب الاتجاه المتشدد في الادارة الاميركية يرفضون حتى التحدث الى كوريا الشمالية، معتقدين ان سياسة التواصل التي كان يتبعها كلينتون لا تناسب الا المغفلين وبعد ان ادلوا باعترافهم، فإن الكوريين الآن يقيمون تحت ضغط دبلوماسي يقول جوزيف سيرينسيون من مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي: «هذه الادارة كانت عازمة على عدم الدخول في اي قنوات حوار معهم، وعندما دخلوا في حوار لأول مرة حققوا انجازاً». وبالنسبة لصقور واشنطن، فإن الدرس الحقيقي الذي يتعلمونه من موضوع كوريا الشمالية هو ان الاتفاقات والبيانات والحلول الوسط لا تفلح عندما يتم التعامل مع طرف سوف يكذب خلال حفل التوقيع نفسه الا اذا كنت انت تمسك ببندقية من يدك. ترجمة: حاتم حسين عن «تايم»

طباعة Email
تعليقات

تعليقات