لابد من الاصغاء للصوت الفلسطيني، ثلاثة تفسيرات لعملية تفجير الباص في الخضيرة

الاحد 21 شعبان 1423 هـ الموافق 27 أكتوبر 2002 ثمة ثلاثة تفسيرات فورية للعملية التي جرت في الباص في مفترق كركور وقتل 14 اسرائيليا مؤخرا: خط التماس لا يزال مخترقاً، وكانت هناك تسهيلات في منع التجول، البنية (الارهابية) ترُمم بسرعة، السلطة الفلسطينية واجهزتها تهمل في نشاطها ضد هذه القاعدة.هذه التفسيرات تُسمع بعد كل عملية - من خلال ذكر عدد الاحباطات وايام الهدوء. هذا الهدوء احرز، يقولون في اجهزة الامن، بفضل العملية المتواصلة للجيش الاسرائيلي في المدن، في مخيمات اللاجئين والقرى الفلسطينية. كلما فرض منع التجول لايام اكثر وساعات اكثر في الضفة الغربية، كثرت أيام الهدوء في اسرائيل. وكلما كثرت أيام الهدوء، قل الخوف. في اسرائيل يتحدثون عن «تسهيلات»، فتأتي العملية التالية، بكل رعبها، والتفسيرات لها ثم الخطوات المتخذة ردا عليها.هذا توجه ثان لاعادة الهدوء وطمس الخوف. ولكن ليس ثمة مبرر لطمس الخوف، اذا فحصنا عن كثب الواقع مثلما يعيشه الفلسطينيون. صحيح ان خط الفصل لم يعبأ بعد «بجدار الفصل» الذي يشمل فضلا عن السور الاسمنتي قطاعاً امنياً واسعاً، فيه أسيجة وقنوات عميقة وطرق لتقصي الاثر. ولكن الجيش الاسرائيلي يواصل الطوق المشدد حول كل مكان يقيم فيه فلسطيني في الضفة الغربية، بدون تسهيلات وبدون تخفيف الحواجز، الكمائن، الابواب الحديدية التي تغلق المدن، الدوريات، تسوية الارض واعادة كل ساتر ترابي يزال. لا يوجد طريق مرور للمياه، الطلاب يتأخرون عن المدارس، الكتب الدراسية لا تصل الى القرى، مرضى مزمنين يدخلون المستشفى في وضع صعب لانه بسبب الاغلاق لا توجد الادوية في الوقت المناسب، او لان العائلات الفقيرة تقتصد في شراء الادوية. الحياة المدنية المشلولة تدل على نجاعة الاغلاق امام كل السكان المدنيين ولكن ليس أمام من قرر تفجير نفسه وقتل مواطنين اسرائيليين. لم يكن عليه سوى ان يمر عدة حواجز واغلاقات ليصل الى «خط التماس المخترق» حقا، مخزون الجاهزين لتنفيذ عمليات انتحارية يمتليء مرارا وتكرارا. صحيح ان المنظمات الاسلامية تخطط للعمليات في اطار استراتيجية دينية ـ سياسية شاملة، ولكن الذين ينضمون اليهم لم يولدوا ضائعين وهم ليسوا مجبرين على التجنيد. انهم متطوعون، لذلك يجب ان لا نوهم أنفسنا، بأن الترميم هي عملية «فنية» فقط لتجديد الصلة بين القرى المنفصلة، او ان هذا الترميم جاء ميل بالقتل موروث لدى الفلسطينيين. صحيح ان الاوساط الفلسطينية مفصولة عن بعضها البعض. ولكن، الراديو، التلفزيون والصحافة تشارك كل الفلسطينيين في وصف دقيق لما يحدث في كل لواء مفصول: كيف قتلت بقذيفة اسرائيلية الطفلة شيماء ابو شمالة في رفح وجارتها سلمى ابو جزر، (72 عاما) وكيف حرق مستوطنون اسرائيليون مزارع من شرقي رام الله وكيف اجتاز عريسان القناة والسواتر الترابية وما هي نسبة الاطفال المصابين بفقر الدم لان عائلاتهم عاطلة عن العمل بسبب الاغلاق وقلصت من مستوى تغذيتهم.المتطوعون في تنفيذ العمليات الانتحارية يعيشون هذا الواقع ويشعرون بأنهم يمثلون مجموع الجمهور بعجزه وغضبه.وبخ شيمون بيريز امس السلطة الفلسطينية لانها لا تعمل ضد مخططي العمليات. ربما هو ـ وآخرون ـ يتوقعون من رجال الشرطة الفلسطينية (العاطلين عن العمل) مرافقة الجيش، الذي يسيطر عمليا على كل المنطقة وان يشيروا لهم الى مكان اختفاء رجل حماس والجهاد الاسلامي. لا يوافق افراد الشرطة الفلسطينية ولا المجتمع الذي يعيشون فيه، على ذلك، حتى في غزة، التي يسيطر الجيش حول التجمعات السكانية فيها وليس في داخلها، لا تلاحق اجهزة الامن الفلسطينية كل خلية تطلق صاروخ قسام. يقول كبار اجهزة الامن الفلسطيني هناك أنه عندما يقتل الجيش كل اسبوع مواطنين فلسطينيين في خانيوس فانهم لا يستطيعون استخدام الوسائل الشرطية والاعتقال ضد نشطاء المنظمات الاسلامية. يقول هذا قادة هم من كبار «فتح»: هذه الطبقة الاجتماعية ـ السياسية التي تمقت حماس لانها ترى بها كمن تسحب منها الريادة في الصراع، وتعمل منذ سنوات على تقويض السلطة الفلسطينية والاستيلاء على السلطة، وتتلقى الاوامر من اوساط معادية لمنظمة التحرير الفلسطينية وتخدم اسرائيل. عندما يقولون انهم لا يستطيعون العمل ضدها يجب ان نصغي اليهم: لاسباب أمنية. ان حماس والجهاد الاسلامي، اللتين لا تمثلان سياسيا اغلبية السكان، مقتنعتان بان أغلبية السكان تدعمهما وترى بنشاطهما ردا فقط على وحشية سلطة الاحتلال. ستخاطر اجهزة الامن الفلسطينية المستندة على الحركة الخصم، فتح، بباقي ما تبقى لها من مكانة وفرص للسيطرة على المستقبل، اذا عملت كذراع للجيش وفي الوقت الذي لا يوجد فيه أي مستقبل سياسي لاستقلال فلسطين. هكذا، فان التشويش المطلق للحياة المدنية الفلسطينية كوسيلة عسكرية ميدانية، يواصل تحقيق العكس من زاوية نظر أمنية اسرائيلية. بقلم: عميرة هاس عن «هآرتس»

طباعة Email
تعليقات

تعليقات