كتاب ـ مواطنون اختاروا الوطن ـ (2) ـ ما الذي جرى في الدفرسوار؟، توقيت فتح النيران أُبلغ للوحدات على الدراجات البخارية إمعانا في السرية

الاحد 21 شعبان 1423 هـ الموافق 27 أكتوبر 2002 يتذكر الشاهد الثاني حسن علي أحمد، قهوجي، أحداث السويس المجيدة: فيقول: «كنا اكثر من 5 آلاف نفس عايشين هنا في الخندق، كل الناس كانت يداً واحدة، مفيش حاجة اسمها مسلم ومسيحي، العيال هنا كانوا جدعان قوي، مفيش مياه، ومفيش اكل كفاية، المهندس علاء الخولي مدير التموين عمل حل كويس، فتح المجمعات، ووزع اللي فيها على الناس، اصل كان فيه حوالي 20 الف من العساكر هنا، هياكلوا منين، مئة يوم، لكن كانت اياماً حلوة، لان الناس كلها كانت يداً واحدة، وبيحبوا بعض، والكل كان على استعداد للموت والشهادة». ويرحل الشاهد الثالث مسعد القفاص، مصور فوتوغرافي، بالذاكرة عبر السنين، ويقول: كنا خمسة آلاف غير جنود القوات المسلحة، أو ما يسموا بالمتأخرات، وكانت هناك جملة واحدة ـ في الحوار ـ تدور بين المدنيين والعسكريين: «إذا ماكنتوش عاوزين تحاربوا، اعطونا أسلحتكم واحنا نحارب». «كنت في غرفة عمليات المحافظة، استقبل الاشارات، وقد استلمت ذخيرة يوم 25 اكتوبر ووزعتها على الناس، كان من الممكن أن يهرب الناس ـ من الجوع ـ ويروحوا لليهود، لكن المصري السويسي فضل انه يتعامل مع عيش الفراخ، ينشفه على النار ويأكله»!. الشيخ حافظ سلامة اعلن من ميكروفون مسجد الشهداء: «مش هانسلم، الناس طبعا كانت مستعدة للصمود، علشان السنين الستة اللي عشناها، أيام عمليات الاستنزاف في الصمود». «الله اكبر».. «كانت بتخلى أجسامنا ترتعش ونصمد ونقاوم الخوف والجوع والعطش والحصار»! «الحاج مندور الحلواني.. كان باقي عنده شوية دقيق وشوية سكر، عمل بسبوسة ووزعها علينا كل واحد حتة»! «اليهود تصوروا يوم 24 أن المدينة بها أكمنة، ومستعدة للمقاومة بعدما خسروا 32 دبابة واعتقل لهم 33 عسكرياً.. فانسحبوا». عم عطية عارف العجلاتي، وعم حسن يوسف بتاع الجرائد، كل واحد كان بيقدر يعمل حاجة، كان بيعملها من غير تردد، كلنا كنا يداً واحدة، وتقدر تقول: كلنا كنا واحد»!! الغريب أن المستشفى الأميري كان مكدساً بالجرحى.. لكن مافيش وباء فيه».. والدكتور محمد أيوب عمل المستحيل لمدة 100 يوم في المستشفى.. وفي اليوم 101 جاءته طلقة.. واستشهد!!. الممرضة «فلة الجريجية» قالت للمحافظ قبل الحصار بيوم «مش هاأسيب السويس، هنا بابا وماما مدفونين.. مش هاأسيب السويس»!!. ونجية بلله الممرضة كانت بتداوي الجرحى وتجمع الذخيرة وتناولها للرجالة. «الناس ربطت يهوديا على عامود النور يوم 24 اكتوبر». الشهادات تتوالى الشاهد الرابع اسماعيل ابوجبل عامل بالمحافظة يدلي بدلوه في حديث الذكريات يوم 6 اكتوبر، كنا قاعدين في المحافظة وكان معانا موظف في اللاسلكي سمعنا ذبذبة، صاحبنا قال هايحصل ضرب، واحنا طالعين، وكانت الساعة اثنين وشوية، لقينا أول طلعة، كانوا ست طيارات، ثلاثة، ثلاثة، المحافظ يوم 6 اكتوبر كان في مصر رجع آخر النهار، روحنا المعنوية كانت عالية جداً، فرحانين، لأننا كنا منتصرين». «كنا ـ كلنا ـ أسرة واحدة في حرب الاستنزاف، الاكل بيكفي الكل، ساعة الغداء الكل بيأكل، وساعة الضرب، كله في الملاجيء. كان دائما تفكيري، هل ستعود السويس مرة ثانية بعد الحرب، زي ما كانت الأول. هل هاتتعمر، والناس ترجع ثاني!. كل اللي استشهدوا عزوا علي، لنا كلنا مع بعض حكايات، كلهم كانوا اخواتي أو أولادي حتى ولو لم تكن هناك رابطة دم. ويتأمل الشاهد الخامس صابر جاد، معمل تكرير البترول، الموقف بطريقته الخاصة: «مئة يوم من الحصار، لمدنيين، شكلوا بطولة جماعية، كان من تأثيره تغير مجرى تاريخ المحادثات والفصل بين القوات. تفاصيل كثيرة.. وصغيرة. لكنها تؤكد وعي الضمير المصري، والقدرة على الصمود، لقد رفض الناس ـ هنا ـ أن نشرب المياه الجوفية التي اكتشفوها.. واعطوها للجنود.. مشهد يؤكد الايثار، هذا في الوقت الذي حمى فيه المحاصرون ظهر الجيش الثالث. لقد اعتقدت اسرائيل ان السويس قلعة والحقيقة انه لم يكن بها ما يصد عربة جيب! السويس لم يكن بها وقود، ورفضت اسرائيل دخول وقود أو حتى (سبرتو) جاف، لذلك قام الناس بتقطيع الشجر، وعملوا منه وقود، علشان يخبزوا عليه العيش. مجموعة اطباء مستشفى السويس، عملوا بروح وبمنطق الطبيب المقاتل، كانوا يعملون في اليوم بجهد يومين، نتيجة حوادث الطيران، في جو مفيش فيه مواد طبية، وبعد ان ينتهوا من عملهم في الجراحة، كانوا يغسلون المستشفى بالماء المالح، وبأيديهم، وكان في مقدمة الأطباء د. محمد طلعت عز الدين، الذي يعمل الآن مديرا لمستشفى المنيرة بالقاهرة، والذي يربطه بالسويس ـ نتيجة الحصار ـ حب كبير، دفعه لأن يزور السويس كل اسبوعين ويجري عمليات جراحية لاهلها مجاناً. ما اثير حول المحافظ محمد بدوي الخولي باطل، فقد كان الرجل شجاعاً، ونحن الذين اقنعناه بأن يبقى داخل المدينة، ويترك مبنى المحافظة، لقد كان انسانا نشيطا، يباشر عمله يومياً بالمرور على الناس في مواقعها ومخابئها، لقد غير اسمه إلى «عبدالهادي» تمويهاً لاسرائيل، واقر انه ومعه مدير الامن كانا مع الناس في معركة الاربعين يوم 24 اكتوبر».ان يتحول الحصار إلى صمود لذلك معني، وان يتأمر الناس ليلاً، اذن هم غير متضايقين، وكونهم يلعبون الكرة نهاراً امام الطواريء الدولية.. فذلك دليل كاف على الصمود. حركة الناس اليومية، بما فيها من اعاشة، وحركة وطعمية وبسبوسة، وبليلة، هذه حركة ليست وليدة نفور، او غضب او خوف إنما دليل صمود. عناية الله كانت تحرس الناس، فلم يشعروا ببرد، الا بدخول قوات الطواريء، فاكتشفوا ان الشتاء قد حل! في وقت الازمات العصيبة، تظهر قدرة الرجال على الحركة والدليل في الموقف التمويني تحمل علاء الخولي مدير التموين ـ آنذاك ـ مسئولية فتح المجمعات الاستهلاكية وقام بتوزيع المواد التموينية على الصامدين مجاناً. قام عادل الحداد الذي كان مسئولا عن البنك الاهلي بتوزيع الفلوس على الناس شهريا، كل شخص خمسة جنيهات، وذلك بتنظيم حركة الاستهلاك، وذلك على مسئوليته ومن يفعل ذلك لا يكون خائفا! هيئة قناة السويس قامت بمد المياه من مصدرها من وابور المياه بالسويس على عوامات عبر القناة، لتصل المياه للجيش الثالث في سيناء، وكان ذلك على مسئولية القبطان الخولي. عربي، الشاب الكفيف، صاحب الصوت الجميل، ومن اصدقاء كابتن غزالي، كان يحفظ معظم اغاني (ولاد الأرض). كان معه بعض اعضاء الفرقة، كل مساء يعملوا حفل سمر، اغانيهم كانت تحث على النضال والجهاد والصمود. الشيخ حافظ سلامة، له أيادٍ بيضاء.. الناس لجأت إلى مسجد الشهداء،.. كان يحث الناس على الصمود والجهاد. ناس ودبابات كنا مراقبين فقط للحرب، ساهمنا بقدر ما نعلم، او ما ندري إنما من كانوا في قلب المعركة، هم الذين شاهدوها، واداروها، وسقط منهم الشهداء فداء للوطن، وكرامة الارض. والعقيد عصام الجوهري «اللواء الآن سكرتير عام محافظة السويس السابق» كان واحداً من قادة حرب اكتوبر، ومن الحاصلين على نجمتها، ونوط التدريب ووسام الجمهورية، كان قائداً للمدفعية، وأحد الذين قادوا معركة الدبابات الشهيرة يوم 8 اكتوبر. الرجل به مسحة دينية خالصة، طيب القلب، وافق فور ان طلبت منه ان يحكي لنا تداعيات معركة الكرامة وتكلم الرجل دون «تزويق»، وكانت هذه التداعيات. ـ الحديث عن تداعيات الذاكرة، حول الرحلة العسكرية التي كلفت بمواقع متميزة، طوال تاريخك العسكري، منذ أن كنت ملازما حتى تركت الخدمة العسكرية، إلى هذا الموقع المدني (كسكرتير عام لمحافظة السويس).. هي بالقطع رحلة طويلة.. فلنبدأ بالبطاقة الشخصية. ـ بطاقتي تتضمن: اللواء عصام الدين رفعت الجوهري، من مواليد القاهرة عام 1931، من اسرة عسكرية، والدي اللواء رفعت الجوهري، وكان مديراً لسلاح المدفعية، وكان من الكتاب العسكريين خاصة في مجال الصحراء، تخرجت في يوليو 1953، تدرجت في جميع مناصب المدفعية من رتبة الملازم وحتى رتبة اللواء، وكانت اغلب خدمتي في جهة القتال، حضرت الحروب الثلاث (56، 67، 1973).. أؤمن: بالامانة، الواجب العمل، المصلحة العامة، اراعي في جميع قراراتي الله. لندخل ـ بداية ـ في تفاصيل قد تكون هامشية بالنسبة لحرب العام 1956، لنصل من خلال الرحلة إلى السنوات الست للاستنزاف.. وصولا إلى معركة السادس من اكتوبر المجيدة. عندما تخرجت كنت ملازما، وكان سني 21 سنة، التحقت بسلاح المدفعية، ومكثت ستة شهور، فيما يسمى «بميز الضباط» حتى نتدرب في هذا السلاح، وبعد التخرج التحقت بالآلاي الثالث الميداني، وكنت ضابط «تروب د».كان والدي دائماً يعلمني ويوجهني، وقد تحركت مع الآلاي إلى «أبو عجيلة» وهي على الحدود المصرية الاسرائيلية في سيناء، وعملت في منطقة «العوجة» وكان معنا اساتذة المدفعية، وقد ربيت على عملي وبيتي وربنا. في العام 1956 شهدت جزءا من معارك أبوعجيلة، ولم تكن هناك معركة حقيقية أو مواجهة حاسمة مع اليهود، لكن المدة التي قضيتها في الجبهة ـ في هذه المنطقة تحديدا ـ كانت كبيرة، وتعلمت منها الكثير، وبالتحديد الارتباط بجنودي وزملائي، كما يجب على الضابط أن يعتمد على المعلومات، وأن يكون دائماً مؤهلاً للتعايش مع المنطقة التي يعمل فيها. في العام 1967 كنت رائدا وقائدا لكتيبة من كتائب الاستطلاع الالكتروني، في نخيل، وتحركت منها إلى الكونتيلا، لم تحدث ايضاً المواجهة الحقيقية مع اليهود، وقد عدت ـ بناء على التعليمات ـ بوحدتي كاملة من الكونتيلا التي تبعد عن القناة بنحو 600 كيلو متر. كانت نصيحة والدي دائماً أن أتوخي الحذر من ممر «متلا» فقد كان الرجل صاحب تاريخ عسكري كبير، وممر «متلا» هو عبارة عن مقبرة، لذلك يجب أن تتحرك فيه ليلا، وقد استفدت من هذه النصيحة، وهي التي افادتني بالعودة بكتيبتي سالما، خاصة وان معدات الكتيبة كانت من اغلى معدات القوات المسلحة.والحقيقة ان ما حدث في 1967 كنا شاعرين انه لا ذنب لنا فيما حدث، وفيما بين 67 إلى 1973، كانت هناك تدريبات عنيفة وقاسية، وفي هذه الفترة التي قضيتها بالجبهة، كنت قائد مدفعية اللواء السادس مشاه ميكانيكي في منطقة «الجفرة».. وهذه المنطقة من اسمها تتبين معالمها، لكن كنا نعيش معيشة الحرب، كان التدريب هو الاساس، كنا نعيش فيما يسمى «قفص القرود».. ولك أن تتخيل كيف يعيش القرود.كان علينا أن نعيد النظر في «العسكري» ما الفائدة من انك تملك معدات حديثة ومتطورة وعلى احدث مستوى، بدون لياقة عالية للفرد لذلك انصب اهتمامنا على الجندي، اغلب المعدات التي حاربنا بها في العام 1973 كانت هي المعدات التي كان يمتلكها الجيش في العام 1967. التطوير لم يكن في الجزء الاجنبي، انما في الجندي والضباط المصريين، فضلا عن معنويات الناس العالية جدا، حيث تجاوزنا فيما حدث في العام 1967، وكان الجميع يقولون: متى تأتي الحرب لكي نخلص؟ اما ان نحارب؟ وننتصر او نموت! العبور ـ تداعيات الذكريات خاصة العسكرية، وتفاصيل الاقتحام الكبير نحو النصر، استعادة للثقة بالنفس، كانت في الساعة 1405 من يوم السبت السادس من اكتوبر.. هل عبرت، وكيف.. اقصد ماذا حدث انسانيا؟! ـ يقول، وقد اكتسى وجهه بالزهو، نافضاً عنه اربعة وعشرين عاما من الزمان فضلا عن زحام عمل يوم كامل كنا قد التقينا في نهايته: بداية اود ان اؤكد اننا كقوات مسلحة كنا قد وصلنا إلى درجة عالية من الكفاءة العسكرية.. التي تؤهلنا للدخول في الحرب «أي حرب»، وشريط الاحداث مازال ماثلا في عقلي وامام عيني. وأود ان اسجل بداية ـ وليس مصادرة على ما حدث ـ انني حصلت على نجمة اكتوبر، وكنت ممن عبروا يوم 6 اكتوبر، في الموجة الثانية.. اي الساعة الثانية وعشر دقائق.. والمؤكد ان ربنا كان معنا تماما، وهناك مواقف كثيرة تؤكد توفيق الله، وقدرة المقاتل المصري على الحرب.. أول ما نزل في مياه القناة، في قارب مطاط، وكنت قائد مدفعية اللواء (112) في الفرقة (16) وكان قائد مدفعية الجيش «سيادة العميد محمد عبدالحليم أبوغزالة»، وكان قائد الجيش «سيادة اللواء سعد مأمون». واسمح لي أن اقول ماذا كان يحدث قبل الحرب باربعة او خمسة ايام، كان بيمر علينا قائدة «مدفعية الجيش وقائد مدفعية الفرقة أحيانا اخرى، كان الكل واحد بيستعد ان فيه حرب، وآخر يوم قالوا لي حرك مجموعتك لتتحرك من جبل مريم في الاسماعيلية حتى قبل الدفرسوار بقليل».. وكان معي في الفرقة ضباط برتب صغيرة، وقد حاربوا بشجاعة، واليوم هم رتب كبيرة في الجيش». «كنت اشعر بأننا سندخل المعركة، لكن متى.. لم اكن أعرف كان لنا مركز معلومات على المياه، ترصد منه التحركات، كنا قبل المعركة تحديدا بيومين في حالة قلق، او شعور بالمسئولية، كنت وانا نايم في الخندق بكامل ملابسي، أستيقظ فجأة وأسأل زميلي الرائد محمود عبدالرحمن وهو الآن لواء، ونائب رئيس التنظيم والادارة ومن أكفأ الرجال واشجعهم، كنت اقول له: هل اختبرت اجهزة اللاسلكي؟ يقول لي: أيوه يا أفندم.. حضرتك ارتاح!! اعود.. لاوقظ الرائد محمود: «اصح يا محمود.. أخبار الذخيرة ايه؟ يقوليه: «كله تمام يا افندم»!! اخبار الحملة ايه؟! تمام يا افندم.. ثم يعود محمود للنوم بضع دقائق. إلى ان دخلنا مواقعنا المتقدمة على شاطيء القناة التي سنهجم منها، ولم أكن أعلم انها الساعات الاخيرة التي ستعلن بعدها الحرب. وهناك ـ في القوات المسلحة ـ ما يسمى بـ «ساعة سين» أي اننا على اهبة الاستعداد، ولأن هذه «الجملة ساعة سين» لا يمكن ان توزعها عن طريق اللاسلكي، فقد يلتقطها العدو القابع على الشاطيء الشرقي للقناة، انما فوجئنا بأنها قد وصلتنا مع «موتوسيكل» وبدأنا نحسب متى نضرب وقبلها اختبرنا الاجهزة، لكن موتوسيكل تيقنت ان هذه المرة ليست ككل مرة، هذه المرة «جد». كان بيني وبين اليهود 110 امتار هي عرض القناة، كان مركز الملاحظة الخاصة بي عند نقطة اسمها «الدوليين»، عند «الشيخ حنيدق» في طريق الاسماعيلية، وهي النقطة التي سأعبر منها، كنت خايف اذا اخترت اللاسلكي خاصة ونحن في المدفعية لنا كلمة اسمها «بلغ عن الحاضر»، ومعناها «حانضرب» في هذه الحالة سينتبه العدو على الشاطيء الشرقي للقناة، ومع نقط ملاحظات ان هناك «شيئا ما». اذن: كيف اختبر هذه الاجهزة؟ وعند الضرب الذي سيبدأ من فايد إلى بورسعيد في وقت واحد. علينا جميعا ان نعلن «بلغ عن الحاضر»، كان هناك اتصالان.. احدهما لاسلكي والآخر خطي، قبل العبور، اساس العبور، لا تعتمد على الخط، بل اللاسلكي، وهناك طبعا اكثر من جهاز، فكرت، كيف أتأكد من عدم التقاط العدو «بلغ عن الحاضر» كان عندي خط تلفوني، قلت لهم (أي قادة الكتائب).. «أخذت تمام.. حاضر».. لكن إذا قلت في الأجهزة «بلغ عن الحاضر» سيسمعني الطرف الآخر، اي العدو، كما قلت من قبل لذلك قلت للقادة: أنا سوف افتح الراديو العادي على القرآن الكريم، من يسمع منكم يقول لي «حاضر» اعرف ان جهازه سليم! وكان ذلك بالطبع الهاماً وتوفيقا من الله لم يفهم العدو الرسالة. وبدأت المعركة بتمهيد من الطيران، ثم انفتحت المدفعية من فايد إلى بورسعيد، وفي الموجة الثانية ـ كما سبق وقلت ـ ركبت قارباً مطاطاً، وكان قد سبقنا مركز ملاحظة سراي المشاة والمدفعية، وبدأوا يؤمنون المشاة، وتحركنا، مبدأ المدفعية النيران باستمرار، وأنا في القارب المطاط، كل واحد له علامة، هذا السلم الذي يرتفع 14 متراً، وكان رقمي على السلم 54 وتسلقت السائر الترابي، وان كنت الآن لا استطيع تسلق 14 سنتيمتر!! بدأت أتولى «سلطة النيران» كقائد مدفعية، وبدأنا ندخل في العمق، وكان معي العميد عادل يسري (اللواء الآن) صاحب ما يسمى بـ «الساق المعلقة». عندما تحركنا سويا، أول مرة في حياتي أواجه اليهود، والحقيقة ـ التي لا استطيع اخفاءها ـ انني كانت لدي فكرة ان اليهود عدو لا يقهر لكن نظرت، عندما فتحنا النيران على عربة مجنزرة، ودبابة، وجدت انهما احترقنا، اذن ما حكاية العدو الذي لا يقهر؟ الآن المواجهة، ليس فيها ما يسمى بالذي لا يقهر، وان كانت الحرب النفسية قد اثرت في نفوسنا بعض الشيء، تلك هي المواجهة اذن بعد هذه السنين. وتحركنا إلى أن وصلنا إلى منطقة اسمها «أبو وقفة» على بعد 18 كيلو من القناة في العمق، وذلك سيرا على الاقدام وكان ذلك يوم 7 اكتوبر، كان معنا مجموعة مدفعية، ولواء مشاة مدعم، كان قائده عادل يسري، وبعد ذلك وجدنا نقطة قوية، فيها تبة عالية، من يلحق بها، سواء من القوات المصرية او الاسرائيلية يسيطر منها حتى القناة تقريباً!! كان من الضروري ان نحتل هذه «التبة» وكان قائد الفرقة وقتذاك سيادة الفريق عبدرب النبي حافظ، وكان معنا سيادة اللواء بكير محمد بكير مساعد الفرقة (الذي عمل بعد ذلك محافظاً للسويس). وحدثت مناوشات كثيرة لاحتلال هذه التبة، تتقدم السرايا، ثم تتقهقر، قال العميد عادل يسري، علينا أن نتقدم «شوية» في محاولة لاحتلال هذه التبة، وتقدمت معه، مع مجموعة ملاحظة صغيرة من ضباط المدفعية، ووصلنا إلى «ابو وقفة» عندما وصلنا، احتللنا هذه التبة (وكانت من اصعب المعارك).. كانوا هم يضغطون بالدبابات، بنحو 13 دبابة دفعة واحدة، في آخر ضوء، هجموا، المدفعية تضرب، المشاة تضرب، الدبابات تضرب. ضربنا، وأنهينا كل الدبابات، بخلاف دبابتين دخلتا ما يسمى «بالحد الامامي» كان هذا اليوم يوم حياة أو موت (شعرة قد تغير مصير معركة بالكامل، واتذكر «ربنا كان معنا بالكامل». دخلت واحدة منهما يمين والدبابة الاخرى دخلت شمال، دخلت الدبابة «اليمين» في وسطنا، كانوا يدوسون جنودنا بالجنازير، انا اقول الحقيقة بالكامل والله العظيم، كنا صامدين، وكان معي خريطة المدفعية من يحصل عليها، فيها كل حاجة، قمت بتمزيقها، شعرت ان الموت قد حل، وقد طوقنا، فإذا «مت» قد يحصلون على هذه الخريطة التي تتضمن «سر المعركة» بحثت عن عادل يسري، كان نايم في الارض يعطي اوامره، جاءت دبابة، كانت تضرب في اتجاه عادل، هناك عسكري مشاة ربنا آلهمه فضرب على هذه الدبابة بـ «آر بي جي» واقول ان هذه الطلقة غيرت سير المعركة ولعت الدبابة، وانطلقت من الحناجر «الله اكبر»، نط اليهود، مسكوهم عساكرنا. بعد حرق هذه الدبابة، الناس اخذت ثقة اكثر، واحتلينا التبة، الدنيا اصبحت ليل حوالي منتصف الليل، ظهرت مخلفات المعركة، دخان، رصاص، قتلى يهود، شهداء مصريين، أنين جرحى. كان على أن اعود إلى مركز ملاحظتي الاساسي الذي يبعد كيلو متراً و800 متر من القناة، ناديت على العميد عادل يسري، وعندما حاول القيام من على الأرض، فوجئت أنه اصبح «برجل واحدة» فقد بترت الثانية، لم اعرف احدا على الاطلاق من العساكر والضباط بأن قائد اللواء اصيب، لو عرفوا لاصيب اللواء بالكامل بالذعر. وعادل زميل دراسة قديم، ووالده كان زميلا لوالدي، كيف اذن نعود بعادل دون ان يعرف احد؟ حملناه إلى سيارة نصف جنزير، ووضع أحد الضباط الموثوق فيهم «رجله» بجانبه في السيارة، والرجل ينزف، كنا نضع رملاً عليه حتى يتوقف النزيف، احد العساكر خلع افروله وقطعه، وربط به رجل العميد عادل.جاء ضابط صغير (استطلاع لواء) ومعه عسكري، تحرك العميد عادل، إلى أن اوصله إلى الفريق عبدرب النبي حافظ، وكان البلاغ الذي وصل القيادة ان: العميد عادل يسري استشهد، وان العقيد عصام الجوهري مفقود. واود ان اقول للتاريخ عن مدى عظمة العسكري المصري، عندما تحركنا كنا معنا جهازين لاسلكي، قلت للعسكري: بلغ عن حاضر، قال يا افندم الموقع لا يرد! قلت استخدم الجهاز الثاني، قال: البطارية سقطت مني! لكن عدنا للاتصال، ردوا علينا، معنى الكلام ده: قيمة العسكري، وقيمة المعدة، وهناك رباط قوي بين العسكري وقائده. اضافة إلى هذه الرابطة المعنوية والعاطفية الكبيرة التي كانت بين الجميع، بين صغارهم وكبارهم، بلا مزايدة! بدأت المعركة في الهدوء، كانت الساعة الواحدة صباحا، كانت «زمزمية مياهي» قد انتهت، كان بجواري ضابطاً صغيراً اسمه حسن،، كنت عطشان، وكان على شمالي الورداني قلت تعبت يا ورداني؟ قال لي انا يا افندم جاي من الخلف حضرتك يمكن ان ترجع، في هذا الوقت كان ضابط يبحث عن العقيد عصام الجوهري.. باعتباري مفقودا.. قالوا له: سيادة العقيد كويس، في الكتيبة التي في الوسط. لكن كان بين الجميع قلق، اليهود سيأتون من هنا، أو من هناك، هنا على القائد ان يتصرف لبعث الثقة. رأيت بعض الضوء، قلت لكل قائد سرية أن يضرب، كانت النتيجة أن الجميع اطمأن، ونحن في مواقعنا.المهم انا مازلت عطشان، قلت لواحد من الجنود، انا عطشان، وأنا بأقول ذلك بعد كل هذه السنين من الحرب، ناولني الزمزمية، قمت بهزها، لم اجد فيها ما يملأ غطاءها!! وكان العسكري عطشاناً، قلت له ضاحكا: من سيشرب انا ولا أنت؟!! قال: والله يا سيادة العقيد أنت ستشرب لأن سيادتك «مش لأنك العقيد» لكن علشان المدافع والذخيرة!شوف الرابطة القوية بين الجميع قلت لا أبدا، مسحت شفايفي بقطرة أو قطرتين وأعطيته الباقي ليشربه. سقوط الأسطورة ويطل العميد عصام يتذكر: بعد ان انتهيت من مهمتي، وفي يوم 9 اكتوبر وانا عائد إلى الحد الامامي للقناة، واعطيت ادارة النيران لقادة السرايا والكتائب، وكان ذلك في اول ضوء، وجدت الدبابتين اللتين احترقتا والتي حسمت بهما معركة 8 اكتوبر وجدنا واحد يهودي نازل من الدبابة وسلم نفسه وكان ملازم اول، النقيب عصام يوسف الآن عقيد وضع على عينيه غمامة واخذناه إلى مركز الملاحظة الرئيسي طبعا لن اقول ما حدث معه!! كان الاسرائيلي في حالة رعب وكان حساساً بل وقالوا انه ان المصريين ناس همج!! اللي هايقطع يده، او رجله! العساكر قالوا: ده مش راجل يا افندم.. لانه كان عامل خنفس!اخذته إلى مركز الملاحظة، اتلموا الناس يشوفوا اليهودي، راجل عادي جدا، مش حكاية الجيش الذي لا يقهر، هم عاملونا معاملة سيئة في 67، لكن تذكرت جيدا معاملة الاسير، قال لي انا عطشان، فأعطيته ماء!! قال مرة اخرى: «ابعد هؤلاء الناس عني، فأبعدتهم!! جلس بجابني، وسألني لماذا نحارب؟ قلت: أسألك أنت، قال مش عارف، قلت: أنا أحارب علشان بلدي، وارضي، وانتم اخذتم ارضي، وهذا هو الفارق بيني وبينكم. قال: انا لي طلب قلت: ما هو؟ قال: لا تتركني لهم، لقد شعرت بالامان معك. ثم قال: انا واحد من قادة السرية من الكتيبة التي هجمت عليكم عند التبة، وهدفنا الاساسي كان الوصول إلى معبر الدفرسوار، وعندما لم نستطع ان نصل له، هناك خطة تبادلية، ولانك عاملتني كويس سأقول لك ـ واؤكد انني لم اقل ذلك من قبل والكلام للواء عصام.يستطرد اللواء عصام: قال لي الضابط الاسرائيلي خللي بالك من الجانب اليسار للواء عرفت من الكلمتين دول احتمال هجوم من الناحية اليسار في اول ضوء، قلت لرئيس عمليات اللواء شوف هاتعمل ايه!! كان معي عبدالعاطي صائد الدبابات، وركزنا على الجانب اليسار للواء، كانت الساعة الثالثة صباحا، أبلغوني في ذلك الوقت ان هناك اصوات جنازير في الجانب الايمن، كم تقدر قوتهم؟ احتمال سرية مشاة، توقعت ان يكون الاسرائيلي كذاباً، واعطيت اوامر بالضرب المضيء، وضربنا، وتم صد الضرب، أفاجأ في اول ضوء، بأنهم يبلغوني باصوات جنازير على الجانب الايسر! كتيبة دبابات (زي ما قال لي الاسرائيلي). بدأت في التركيز بصواريخ «فهد»، مع الغام بدأوا في الاقتراب واود ان اتحدث عن «العمر».. فقد جاء لي ضابط قائد سرية وقال انا مش شايف الجانب الايمن، انقلني إلى الجانب الايسر وكان اول واحد يستشهد في هذا المكان. لما هجمت الدبابات تضرب، أوقفنا هذا الهجوم، لكن هناك دبابة «أفلتت» وكان داخل بسرعة شديد، قلت وأنا في حفرة رملية: أشهد أن لا إله إلا الله لقد دخلت الدبابة في المسافة الميتة للصواريخ، ضرب الصاروخ لا يفيد، انما «الولد عبدالعاطي ربنا يعطيه الصحة» يقولي يا أفندم هاضرب، وربنا هايوفقني!! تصور أرواح لواء بالكامل، الولد بدلا من أن يضرب في خط مباشر، ضرب بطريقة يسبق بها مدى المنطقة الميتة، وفعلا ضرب الدبابة، لذلك أقول لك «عسكري يغير سير معركة!! الله اكبر، الله اكبر!! وده يجعلك ترى «التدريب والرباط مع الله.. يغير معركة بالكامل».. جاء لي امر ثان يوم أن اتحرك من المحور الاوسط (معركة الدبابات) إلى منطقة اسمها «القرية الصينية» الحد الايمن داخل الفرقة (16)، وكان المفروض ان تخرج منها فرقة مدرعة للهجوم. ومهمتي ان ادعمها!! فتحركت عرضيا، حوالي 14 كيلو، وكان ذلك يوم 14 اكتوبر، حتى الدفرسوار وتل سلام، قال لي قائد الفرقة «بلغ عن حاضر» بعد ان اعطيته التمام (الذخيرة، عدد الجنود، البنزين) وقال لي مرة اخرى (سنهجم في اتجاه الطاسة) في العمق (30 كيلو متراً).. قلت له الناس تعبانة! جابوا الذخيرة، وفي اول ضوء بدأنا نضرب أول قذفة، هجمنا، وحصل ضغط، قال لي العميد أبوشادي فيه اربع دبابات، اشتبكنا، العسكري فتح جهاز تقدير المسافة، وضربنا، وقفت الدبابات، نظرت إلى العميد أبوشادي، وهو يراقب النيران، جاءت شظية فيه، وكانت (هذه النقطة أقوى نقطة لليهود في الشرق)، رجعت مرة ثانية إلى «أبو وقفة». الدفرسوار قالوا «العاصي واحد» على الجهاز، وكنت بوصفي قائدا للمدفعية، او العاصي واحد ان اتلقى الاشارة «شخصيا»، اخذت تعليمات ان اضرب على الدفرسوار، وكنا على عمق كبير، كنا نطولها، وهنا علينا ان نغير المدفعية (180 درجة). وكلمة ألف المدفع يأخذ وقت، الالتزام بالتعليمات وتنفيذ ما تعلمته، يا جماعة خذوا بالكم!. اعطيت تعليمات بأن يلفوا الدبابات بالكامل، وابلغتهم «العاصي حاضر»!! اضرب، بدأنا نضرب على الدفرسوار، بأقصى معدل، وعندما قلت على الجهاز العاصي يتكلم، رد على واحد وقال ابطل الضرب يا كذا!! عرفت ان اليهود دخلوا في الخط! قلت ارقام معينة، لم يعرفوا.. كان نفسهم أن اتكلم معهم! وكانت الثغرة! تأليف: محمد هيكل

طباعة Email
تعليقات

تعليقات