تجسس على مئات الألوف من البريطانيين، عيون جهاز الـ «ام. آي. 5» في كل ركن من بريطانيا

السبت 20 شعبان 1423 هـ الموافق 26 أكتوبر 2002 كان الجواسيس على الدوام يجسدون سحراً للبريطانيين، ذلك السحر الذي أفرزته أفلام جيمس بوند وجورج سمايلي، أما الجواسيس الروس فكانوا أقل رومانسية، بشكل يشير إلى الامكانية الواسعة التي كانت متاحة أمام السينما لتحويل الجانب الفني الاسود لهذه المهنة بطريقة خبيثة بين العدو في الخارج والعدو في الداخل. اننا نعرف الآن ان جهاز الـ «ام اي 5» البريطاني العتيد للاستخبارات الداخلية قد أبقى عيونه مفتوحة على من أسماهم بـ «المخربين» في الداخل طوال الحرب الباردة، لكن باعتبار اننا نحن من انتصر في هذه الحرب والسوفييت هم من خسروا، فقد كانت المخابرات الألمانية الشرقية (ستاسي) وليس وكالة استخباراتنا الداخلية نحن في بريطانيا، هي من وجدت نفسها مجبرة على كشف أسرارها عمن تجسست عليهم وكيف. لكن الآن، وبصراحة غير معتادة، قرر جهاز الـ «ام اي 5» ان يتعاون مع تحقيق حول كيفية تجسسه على مئات الألوف من البريطانيين وقد يتساءل المرء، بالنظر للطبيعة السرية جداً التي يعمل بها عادة، ما الذي يجعله يسمح لعملائه بالحديث بهذه الصراحة الآن، ويقول بيتر تايلور الذي يعد برنامجاً لتلفزيون بي بي سي بعنوان «جواسيس حقيقيون» عن الدافع: «يشعرون ان لديهم قصصاً ممتعة ليرووها». والبرنامج ممتع ليس بمعايير التفاصيل الغنية التي يقدمها فحسب، بل ولكونه يقدم أيضاً الاشباح إلى جانب الملائكة، فقد عرفنا الآن ان عميلاً نائماً للجهاز اكتشف مؤامرة من جانب اليمين المتطرف لاغتيال الوزيرة كلير شورت بعملية تفجير، وبعملية أقرب للشيطانية وأبعد عن الملائكية، تحدث عنها العملاء رغم معارضة الحرس القديم في ام اي 5، ان الجواسيس الاشباح تجسسوا على سيدتين أصبحتا لاحقاً وزيرتين، وهما باتريشيا هيويت وهارين هارمان، بل ان الجهاز أرسل أيضاً ضابطاً سرياً من فرع العمليات الخاصة ليصادق ويخون بيتر هاين الذي أصبح الآن وزيراً أوروبياً. أما السخرية والعبث فقوامهما أن الاشباح لم يوفروا في تجسسهم حتى النشطاء المسالمين، مثل أفراد حملة مناهضة لاستخدام الاسبستوس في البناء، وقد أدان الممثل ريكي توملنسون فعلاً ام اي 5 بعد ان تبين احتفاظه بملف عنه على الرغم من انه بالكاد عاد بمقدوره المشاركة في مثل هذا النشاط بعد ان دخل السجن وصنف على انه «نذل سياسي» وهي عبارة «ام اي 5» حاول الاضرار بالصناعة البريطانية في السبعينيات لمناهضة الاسبستوس. ومن غير المفاجئ ان هذا البرنامج قد بدأ يثير جدلاً داخلياً، خصوصاً وان ستيلا ريمنغتون الرئيسة السابقة لجهاز ام آي 5 قد اعترفت في لقاء معها ان مؤسستها كانت «متطرفة».لكن السؤال عن درجة تطرف المؤسسة التي يجب ان تراقب متطرفين سؤال محير، فقد كانت شورت من المنتقدين الشديدين لفرع العمليات الخاصة، إلا انها تدين بحياتها لليد الخفية ذاتها التي كانت تكرهها، فقد كان «ستيف» عميلاً ذا ميول يمينية استطاع اختراق مجموعة من متطرفي الجبهة القومية في برمنجهام أواخر الثمانينيات، وخطط هؤلاء الذين أغضبتهم خطابات شورت المؤيدة للهجرة لزرع قنبلة مفخخة تحت منصة كان يفترض ان تقف عليها «خلاطة الاعراق» لتتحدث. وفيما كانت المحاولة تتقدم، تبين ان المجموعة تخطط ايضاً لنسف مكتبة الحزب الشيوعي في المدينة. وقد نبه ستيف ام.آي 5 لهذه الخطط وبدأ الجهاز يستعد للقبض على العصابة دون اثارة الشكوك حول ستيف.وبعد كثير من الجدل اتخذ القرار بالانتظار حتى تصل العصابة الى المكتبة مجهزة بقنبلتها، وحينها اندفع رجال الشرطة لمنع الجريمة شورت كانت تعلم انها مقززة بالنسبة لليمين المتطرف، لكنها حتى الآن ما كانت تعرض الى أي حد وصلت تلك الكراهية. يقول تايلور: «انها قصة مهمة تظهر ان هؤلاء ما كانوا يلعبون، وان شورت كانت محظوظة». غير ان الـ «ام.آي 5» يخرج من قصة هاين أقل بطولية، فهذا الوزير الناعم اليوم كان أكثر نشاطا وأكثر راديكالية ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا وشارك في حملة شرطة لمنع منتخب الرجبي الانجليزي من القيام بجولة رياضية صيفية في جنوب افريقيا. وفيما يعتبر العداء للابارتيد اليوم هو الموقف الصحيح ليتخذه المرء، فقد كان الأمر مختلفاً في السبعينيات حينما اعتبر هاين لفعله ذلك مخرباً. وهكذا قرر الجهاز القاء نظرة عن قرب على نشاطاته.يقول تايلور: «كان فرع العمليات الخاصة يشغل عملاء له داخل الحملة المناهضة للابارتيد لنقل المعلومات الى الشرطة. وقد قرب هاين منه جداً احد هؤلاء العملاء دون ان يعرف انه يخونه. لقد أحس هاين بمفاجأة شديدة حين أخبرناه بالأمر. ومن المفاجيء الآن معرفة ان هارمان وهيويت وزير الصناعة كانتا تعتبران سابقاً أعداء للدولة نتيجة عملهما في المجلس القومي للحريات المدنية. بل ان هارمان كانت تخضع لمراقبة مزدوجة بسبب زوجها جاك درومي الزعيم النقابي والذي شارك في النزاع النقابي الشهير في جرونويك. وطوال الحرب الباردة كان ام.آي 5 يخصص مكتباً خاصاً يديره ضابط لكل مجموعة متطرفة. وكانت التعليمات لفرع العمليات الخاصة تقضي باختراق هذه الجماعات عبر عملاء غير معينين على كادر الجهاز. وهكذا، فيما تقاعد الكثير من العملاء وحصلوا على رواتب تقاعدية بعد انهيار جدار برلين أعيد ارسال غيرهم الى هذه الجماعات بدون أي جهد ليتظاهروا بحمل الافكار ذاتها التي يحملها من يتجسسون عليهم. ومثلما يمثل العمال الاشتراكي شيئاً كبيراً في الحركة المناهضة للعولمة فإن ظلالهم التي تلاحقهم هي كذلك في اجهزة الاستخبارات. ويقول تايلور: «بعض العملاء عاش حياة مزدوجة مذهلة طوال 25 عاماً، انها ليست مجرد حالة عادية من جنون العظمة، انها جنون مزمن، إذا ما كنت عضواً في حركة نزع التسلح النووي أو منظمة العفو الدولية أو منظمة اصدقاء الأرض فسيحتفظون بملف عنك». ومع أنه من السهل الآن انتقاد مثل هذه التدخلات غير المقبولة، إلا ان حركة نزع التسلح النووي كانت مفيدة للسوفييت. ويبدو ان تايلور متشكك في جدوى استهداف مثل هذه المنظمات، لكن لو ان الشيوعية لم تتداعى لربما كان لدينا الآن نظرة أقل تعاطفاً مع نشطاء السلام».الازدواجية نفسها يمكن ان تطال ردود فعلنا على علاقات ام.آي 5 مع ديريك روبنسون «روبو الاحمر» المتطرف الذي تزعم لغطا كبيرا في مصنع شركة ليلاند البريطانية في برمنغهام في السبعينيات. وسيكشف البرنامج التلفزيوني بحلقاته الثلاث كيف لعب ام.آي 5 دوراً كبيراً في فصل روبنسون من عمله، وربما هذا سيملأ المشاهدين بالغضب، لكن حين النظر الى القضية من جهة ان روبنسون وحركته ساهما كثيراً في تراجع صناعة السيارات البريطانية، لربما وافقنا على ان ام.آي 5 فعل حسناً. وكلما اقترب عهد الاحداث كانت اكثر اثارة للجدل، إذ ان «جواسيس حقيقيون» سيكشف حين بثه عن ان ام.آي 5 كان لديه جاسوس مقرب جداً من آرثر سكارغيل خلال اضراب عمال المناجم عامي 1984 و1985 ووفر للشرطة معلومات مهمة لتتمكن من التعامل مع أعمال العنف. مثل هذا يمكن ان يعتبر انقلاباً عظيماً غير شكل الصناعة البريطانية، أو انه أكبر خيانة شهدتها الطبقة العاملة البريطانية. ومهما كانت المزايا التي يمكن الاشارة اليها في مراقبة عمال المناجم، فقد تبين ان حتى النشطاء من الطبقة الوسطى كانوا مستهدفين ايضاً. ويزعم تايلور ان الاحتجاجات ضد الطريق الالتفافي حول نيوبري، على سبيل المثال، قد أجهضت حينما كشف العملاء عن معلومات مهمة جداً وان هؤلاء العملاء انتقلوا بعد ذلك ليدخلوا اجتماعات حقوق الحيوان. وبالنظر للهجمات الشرسة التي تعرض لها العاملون في معهد هنتنغتون لعلوم الحياة الذي كان يجري تجارب على الحيوانات، فقد يتساءل المرء لو لم يتدخل ام.آي 5 ما إذا كانت ستحدث هجمات أكثر عنفاً. يقول تايلور: «ام.آي 5 يقول دوماً: ان لم تنظر فلن تعرف أبداً». والمشكلة مع العمل الاستخباراتي، بعكس القضاء، وهو ضرورة افتراض الادانة وليست البراءة حتى يثبت العكس. وقد يكون هذا مثيراً للسخط، لكن ام.آي 5 يحث الناس هنا على تذكر الخوف في حمأة الحرب الباردة. يقول تايلور: من هذا المنظور كانت جماعات مثل الحملة المناهضة للاسبستوس ناضجة للاختراق الخارجي، سيكون تبسيط شديد للأمور القول ان عصبة النازيين الجدد لم تكن سوى حزب عمال اشتراكي لأنها تضم اشخاصاً مثل نيل كينوك أو هاين، إلا انها كانت القوة الدافعة وراءها. كانت هذه هي المخاوف الحقيقية من التخريب». وربما كان أكثر أحداث البرنامج اثارة لتايلور المتخصص في التحقيقات بشئون الجيش الجمهوري الايرلندي هو علاقات أم.آي 5 بهيئة الاذاعة البريطانية بي.بي.سي. فحتى عقد مضى كان للجهاز ضابط برتبة بريجادير هو روني ستونهام في مقر الاذاعة لمراقبة موظفيها. وأي شخص يشتبه به كان ملفه يحصل على ختم «شجرة الميلاد». يقول تايلور: «كان هناك شخص رفيع المنصب جدا في بي.بي.سي حصل على وظيفته رغم وجود هذا الختم على ملفه. كان ناشطا في سنوات دراسته. ان شخصيته لن تكشف في البرنامج، لن يسمحوا لي بذلك. وفيما لا يتبادر لذهن أحد ان يكون مادة لملف في ادراج ضابط استخبارات، يبدو ان المخابرات البريطانية رحيمة جداً مع مواطني البلاد. فهل يعتبر تايلور جهاز ام.اي 5 خبيثاً؟ يقول: آه، لا أعتقد انه خبيث». غير ان سكارغيل لن يوافق على هذا الرأي. غير ان القصة بما فيها من اسبستوس وختم شجرة الميلاد، تبدو كوميدية أكثر منها درامية. بقلم: جاسبار جيرارد ترجمة: جلال الخليل عن «صنداي تايمز»

طباعة Email
تعليقات

تعليقات