كتاب ـ مواطنون اختاروا الوطن ـ (1) ـ تجييش المدن الخطوة الأولى للرد على الهزيمة، أبناء السويس يسبقون صانع القرار بتنفيذ عمليات الاستنزاف

السبت 20 شعبان 1423 هـ الموافق 26 أكتوبر 2002 السويس مدينة مصرية خالصة، تحتضنها في جلال، جبال عتاقة من الغرب، شاهد عيان على هذه المدينة الصامدة، صاحبة ملحمة أبنائها الصامدين. وهي على أفق معبق بحضارة فرعونية أصيلة، على خليج السويس في رحلته إلى الجنوب، نبع الأصالة الافريقية، وتلتقي على أرضها الحضارات الإنسانية من خلال قناة السويس التي ربطت شمال العالم بجنوبه، كما التقت الأديان ـ على ترابها ـ وارتبط الكفاح المصري بالكفاح العربي والإسلامي. وكانت السويس على مدى تاريخها مسرحاً لأحداث ملأت سمع الدنيا، وبصلابة عودها، وصبر شعبها، استطاعت أن تتحمل، وتصمد، وتتخطى كل العقبات، وسجلت ما لا يقوى التاريخ على نسيانه وبقيت السويس هي السويس. عبقرية المكان امتازت السويس ـ في الجغرافيا ـ بأنها جمعت كثيراً من الخصائص النادرة، فكما أنها ميناء بحري على البحر الأحمر، فهي ـ أيضاً ـ ميناء بري على الصحراء، وقلعة عسكرية للدفاع عن الوطن، ثم هي كانت، ولا تزال، معبراً بشرياً لضيوف الرحمن في رحلة الحج إلى الأراضي الحجازية، وعلى عتبتها «انتهت» المغامرة الفاشلة لإسرائيل في العام 1973. والسويس «فاتحة» كتب التاريخ، والتي تحتل فصلاً مهماً من «كتاب الحرب» هي ذات موقع استراتيجي، ذي صبغة عسكرية عبر كتاب التاريخ، وأقوى حصون الحائط الملكي منذ عهد الفراعنة، ومسرح المعارك الفاصلة في تاريخ مصر، قديمه، وحديثه.وقد بدأ وجود السويس ـ كما يقول المؤرخ جيمس برستد ـ منذ فجر التاريخ، إذ أن الأسرتين الخامسة والسادسة من الدولة الفرعونية القديمة (2563 ـ 2300 ق.م) قد أقامتا استحكاماتهما في قلعة السويس لصد المغيرين، حيث سميت آنذاك «سيكوت» وذلك لكونها ميناء على برزخ السويس الممتد في هذه الفترة.وعندما اصبحت السويس عاصمة للاقليم الثامن من اقاليم الوجه البحري في العصر الفرعوني اطلق عليها «بيثوم» إبان حكم الاسرتين 19، 20. وقد اتخذ فرعون مصر آنذاك «يو ـ سفايس» منها قاعدة لعملياته الحربية، لتأمين مناجم سيناء، ويرجع ـ على الارجح ـ اسم المدينة إلى اسم هذا الفرعون. واثناء حكم اليونانيين لمصر، اطلقوا عليها «هيرو بوليس» ومعناها «مدينة الابطال» ثم تغير اسمها إلى «كليزما» ومعناها باليونانية «نهاية الطريق» وعندما حكمت كليو باترا مصر اطلقت عليها «كليوباتريس». وفي العصر الروماني، اطلق عليها «هيرو ـ أوي» أي «مدينة الشمس». وفي العصر البيزنطي اعيد اسمها «كليزما».. حتى جاء العرب وحرفوا هذا الاسم إلى «القلزم». في القرن التاسع الميلادي، اصدر خماروية بن أحمد بن طولون (864 ـ 895م) أمراً بالغاء الاسماء القديمة، واطلق عليها «السويس» الذي لا يزال اسم المدينة الصامدة إلى الآن. وفي القرن العاشر الميلادي، انشأ الفاطميون ضاحية جديدة جنوب غربي مدينة القلزم، اطلق عليها السويس، ما لبثت أن ضمت اليها القلزم القديمة، التي حلت محلها، واصبحت ميناء مصر على البحر الأحمر. وفي 25 ابريل عام 1859 بدأ حفر قناة السويس، والتي سال فيها دماء 125 ألفا من المصريين، حيث دفنوا فيها بسياط السخرة، بلا أكفان إلى ان افتتحت في 17 نوفمبر 1868. وتاريخ السويس ـ فيما بعد ـ هو تاريخ مصر، وهي تمثل كتيبة متقدمة من كتائب النضال المصري، ولعل ما حدث في كفر أحمد عبده (طريق القاهرة ـ السويس) عند الكيلو 99، يعد شاهد عيان قوياً على تجبر القوى الاستعمارية، ممثلة في البريطانيين حينما دمروا «هذا الكفر» في العام 1951. نتيجة تصدي الفدائيين لارهاب الانجليز، فكان الجزاء التدمير الكامل. وفي اطار تتابع التاريخ، تدخل معركة السويس 1956، لتشكل فصلاً من كتاب الحرب والنضال للشعب المصري، وقد نظر المعتدون إلى السويس ـ نظرة مغايرة ـ في خططهم الحربية، اذ انها ـ اي السويس ـ قاعدة رئيسية لتموين حامية شرم الشيخ وجزر سنافر وتيران وميناء الطور، كما انها تزخر بمعامل تكرير البترول واستخراج مشتقاته.وبالاستيلاء على السويس، تصبح قاعدة للزحف إلى الغرب نحو القاهرة، لكن قذائف مدفعية السواحل المصرية كانت بالمرصاد للسفن المعادية، كما تصدت المدفعية المصرية لطائرات العدو، والمقاومة الشعبية جاهزة للقنص وفشلت القوى المعادية في الاستيلاء على المدينة، كما فشلت في حربها بشكل عام. وكان النصر، انطلاقة كبرى للشعب العربي في مصر، إلى ان جاء 5 يونيو الحزين. كابتن غزالي يحكي بحلول 5 يونيو من العام 1967، يبدأ فصل جديد، من كتاب الحرب، فقد كانت مصر «المتوهجة»، الماضية قدما في طريق البناء والتنمية، مصر عدم الانحياز، وحركات التحرر في آسيا وافريقيا واميركا اللاتينية، مصر الكتيبة المتقدمة في مواجهة صلف الامبريالية العالمية.. يأتي الخامس من يونيو ليوقف طلائع التقدم. والتساؤل.. كيف حال مدينتنا السويس؟ كيف حال شعبها وهي في قلب المعركة؟! وللاجابة على التساؤل، اقدم شخصية سويسية قلبا وقالبا، لا يمكن للمرء ان يزور السويس من دون ان يلتقي به، وإلا فاته كل شيء، رائحة التاريخ، روح المقاومة، امكانيات المبدع في مختلف المجالات، صديق السوايسة على اختلاف مشاربهم واعتقاداتهم ورؤاهم. الرجل اسمه كابتن غزالي وهو واحد ممن صنعوا روح المقاومة، وصاغوها فنا رفيع المستوى، حتى اصبح واحداً من الاسلحة المهمة في سنوات الصمود والاستنزاف (5 يونيو 1967 ـ 6 اكتوبر 1973» وان كان يبادرني: «أنا مواطن من المواطنين المصريين، شأنه شأن الملايين من ابناء الوطن الغالي، مجرد واحد من آلاف السوايسة، الذين لا يبخلون بما يعرفون ويعلمون، عندما يكون الوطن في حاجة إلى جهدهم.ويؤكد الرجل (70 سنة): «ما كنتش في يوم أحلم بنشان، ولا حتى يوم يبقى لي شأن، انما ما أؤمن به، واعتقد ان قيمة الانسان هي في قيمة دوره في الواقع، كما انه لا شيء في الدنيا يعوض عن قيمة «انك حي وعايش خصوصا اذا كنت سويسياً»! وغزالي ـ الذي يتنفس السويس ولا يستطيع ان يغادرها إلى اي مكان في الدنيا، لانه في ذلك مثل السمك، اذا خرج من الماء: مات!! ـ واسألة عن السويس صباح 5 يونيو 1967؟ ـ كانوا الناس قد علقوا الورود على رقاب المدافع، فضلا عن انهم كانوا يغنون للجيش المصري، مأخوذين في ذلك بالتصريحات التي اعلنت، لأن المسألة عبارة عن ساعات ونسمع صوت الراحل العظيم جمال عبدالناصر من تل أبيب!بهذا التفاؤل كان الناس عابثين، وفاتحين بيوتهم للجيش، تساعده، وتدعمه في كل شيء. لكن في ظهر يوم 5 يونيو، ولأن السويس الأقرب إلى سيناء، لا يفصلنا عنها سوى 110 أمتار هي عرض القناة.. فقد عرفنا قبل غيرنا، بالهزيمة الكاسحة! والسويس ـ والكلام مازال للغزالي ـ مدينة متفردة، حظ المواطن فيها كبير، لذلك شهدت سنوات الستينيات توهجا، افرز نشاطا ثقافيا وسياسيا واجتماعيا، فضلا عن «البسطة» في المعيشة، لذلك لا تجد هناك ازمات بطالة، 90% من اهلها يعملون في البحر، ويحتكون يوميا بالحضارة، كل ذلك جعلها ـ دائما ـ مدينة متوثبة، وقد تواصل ذلك مع تاريخها، انها مدينة في مقدمة المدن المصرية المعرضة دوماً للشرور الاستعماري. كابتن غزالي: ما حدث في ظهر يوم 5 يونيو 1967 في السويس، سوف يظل محل تقدير، وان كان يحتاج لدراسة، وتقييم، وتحليل ذلك ان تجربة السويس هي في الواقع تجربة شعب، وتجربة عمل وطني، اعتقد انه مازال صالحا لتطبيقه لدى كل الجماعات التي تحب الوطن. ـ هل اوضحت لنا، كيف استقبل شعب السويس الهزيمة؟ وماذا فعل الشباب السويسي ازاء ذلك؟ هل لطم الخدود ام تحرك في اتجاه ثان؟! ـ يقول: الناس في السويس ـ كانوا ـ مهيئين لرفض الاعتراف بالهزيمة، وبدأوا على الفور في التعامل مع الجيش، باعتبار انهم «اولادهم».. وانهم «خدعوا».. شأنهم في ذلك شأن الشعب المصري، وانه لم يقدر لهم انهم يحاربون، او يواجهون. وقد بدأت مجموعة من الشباب السوايسية تفكر بسرعة ـ في وقت تعطل فيه التفكير على المستوى الرسمي ـ كيف نعمل على الا تسيطر الهزيمة على الناس؟ اذن علينا ان نكون «مجموعة اعلامية ترمي كلام وسط الناس»، خصوصا وان هناك فرقاً كبيراً «بين النصر العالي الصوت، والهزيمة التي تراها العين»!! وكونا لجنة اخرى، بدأت تدعو إلى «تجييش» المدينة، وانطلقت مجموعات من الشباب تهييء المدارس لاستقبال «العساكر الشاردة» فضلا عن حمل المصابين إلى المستشفيات للعلاج. اذن لا بديل عن المقاومة، سيما وان معظمنا كانت له سابق ممارسة في حروب 48، 51، 56، فضلا عن تجربة السويس المريرة مع الاستعمار، حيث كان يسكنها في العام 1951 نحو سبعة آلاف اسرة بريطانية. بهذا الوعي انطلق كل الناس، في حالة من حالات الاصرار والاستماتة في الدفاع عن المدينة، ولم يكن امامنا سوى «تجييش» الناس، وفضلا عن اللجان السابقة، شكلت لجان تبحث عن العساكر الشاردة في تيه سيناء، وذلك من خلال شباب يعرف دروب سيناء جيداً وتسليمهم لوحداتهم. ظلال 5 يونيو كثيفة لذلك علينا ان نفكر بشكل استراتيجي لمعايشة هذه الظروف، لان الحرب لن تنتهي في يوم وليلة، اذن لابد من تدريب الناس على السلاح، لذلك كانت كل شوارع السويس في فترة وجيزة «مجيشة».. وفي مواجهة مع الاسرائيليين على طول ضفة القناة برغم آلياتهم وامكانياتهم.بدأنا في نظام اعلامي، بشرط ان يكون للناس ـ هنا في السويس ـ دور المشارك في الحوار، شرحنا فيه ابعاد المسئوليات الملقاة على عاتقنا ـ والتي تحمله الايام المقبلة، وتدبرنا سويا مصير السويس، خصوصا وان الاعتداء الاسرائيلي كان يوميا على المدينة، سيما وانه لا توجد حدود بيننا وبينهم سوى عرض القناة، هنا، فإنه لا يوجد محل لصفارة الانذار لانه في ثانية واحدة كنا نجد الطائرات فوق رؤوسنا.لقد باتت المدينة كلها تحت الخطر، فكان لابد، وتبعا لذلك، ان يكون عملنا في هذا المستوى من المسئولية، لذلك فقد استجاب الناس لدعوتنا، بل اكثر من ذلك، فقد قام الشباب السويسي بعمليات فدائية على جانب كبير من الشجاعة والاقدام. مثلما فعل محمد عبد ربه، الذي سبح في القناة وابطل مسرحية اسرائيلية كانت تستهدف الاستيلاء على نصف القناة الشرقي، بأن ابطل قناديل كان قارب اسرائيلي يقوم من خلاله بتثبيت علامات، بل انه اسر الجنديين اللذين كانا يقومان بهذه المهمة. ولاد الأرض من الواضح يا كابتن غزالي ان اشكالا متعددة من المقاومة، قام بها الشباب بقيادتك، حدثنا اذن عن التجربة الابداعية والفنية التي صاحبت المقاومة، والتي استهدفت ـ بالأساس ـ تنمية عناصر المقاومة الذاتية عن طريق القن؟ بداية، معروف عن السويس أنها مدينة تغني، فضلا عن كونها مدينة فولكلورية، ولأن الفن واحد من الاسلحة الخطيرة جداً، في تنمية عناصر المقاومة الذاتية، لذلك كان يلزم استحداث اشكال من الابداع تعايش الناس، خاصة «الغنوة» بشرط ان تحمل مضامين تساعد الجندي على أن يعيش حياته كإنسان على أن تتحول الحبيبة إلى وطن وإلى كرامة. هذا فضلا عن دورنا في اعلام الوطن بكيفية او بأخرى، بالواقع الموجود في السويس، كنا نستهدف من تجربتنا الفنية «تجييش الوطن كله» لمواجهة هذا العار الذي فرض علينا. هنا ظهرت فرقة «ولاد الأرض» التي انتجت 483 نصا خلال ست سنوات، هي وثائق في السياسة، والعمل الوطني، فضلا عن انها كانت ظاهرة حقيقية للمقاومة، من خلال توظيف الادب الشعبي مستهدفة اعادة صياغة الوجدان المصري، من خلال رفض الهزيمة، وعدم الاعتراف بالامر الواقع. غنينا الذي يجب أن يكون.. وليس ما هو قائم: ما تقوليش ما تعدليش حل واحد غيره مفيش لأجل ولادنا الجايه تعيش الحرب الحرب .. وغيره مفيش قوة أميركا أمور بولتيكا حلف الأطلنطي ما يهزمنيش! من هنا كانت الاغنية هي الوسيلة المتاحة ـ كما يقول كابتن غزالي ـ بعد أن احتل الجيش المصري مواقعه، وجدد دماءه واصبح هناك «تراشق» بين الطرفين، او ما سمى بـ «حرب الاستنزاف». كان علينا ان نصبح في خدمة القوات المسلحة، وان نحرس المنشآت وان نغني.. أي ان الموقف كان يستلزم أن يكون لنا معايشة حضارية، نقرأ ونكتب ونرسم ونمثل ونغني ونرقص، فضلا عن اننا نحارب! وقد افرز هذا الابداع مسرح الخندق، وسينما الخندق، وغنوة ولاد الارض. وبماذا تفردت «ولاد الارض»؟ تفردت بالغنوة الجماعية، التي يمكن ترديدها بأي مجموعات، وبأي اصوات، فضلا عن انها كانت تقوم بنقل اخبار الاستنزاف من الجبهة إلى باقي الوطن عن طريق «الغنوة»!. بل لا أغالي ـ والكلام لغزالي ـ إذا قلت أن أغنية «ولاد الأرض» كانت عبارة عن «منشور سياسي» يحمل تعبيرات الناس، ولغتهم ومقولاتهم، ويحملها مضامين تدفع إلى الصمود والمقاومة الذاتية. فات الكتير وفي المشوار، مشوار الصمود على أرض السويس كانت أغنية ولاد الأرض، دافعة للصمود، متفائلة واثقة، تحلم بغد يحمل نصرا حتميا: فات الكثير يا بلدنا ما بقاش إلا القليل احنا ولادك يا مصر وعينيك السهرانين نصرك أصبح نشيدنا واللي يعادينا مين بينا يالا بينا نحرر أراضينا وعظم اخواتنا نلمه .. نلمه نسنه .. نسنه ونعمل منه مدافع وندافع ونجيب النصر هدية لمصر نكتب عليه أسامينا ــ كابتن غزالي: كنت أنت الشاعر والملحن والموزع والقائد، في تجربة ولاد الأرض.. هل هذا صحيح؟ كلنا تجمع واحد، متفاهم، أحلامه واحدة، وموقفه واحد، لذلك يمكن أن نقول أن «ولاد الأرض» كانت تجربة جماعية تماماً، أي واحد يمكن أن يؤلف، أو يكتب، أي واحد يمكن أن يلحن، والحقيقة الثابتة في هذه التجربة، التي انطلقت مع طلقات المدافع، أن الغنوة كانت تستلهم من الواقع، واكتبها كشاعر وأطرحها ـ في الخندق ـ للمناقشة.كما ان الظرف كان يملي علينا شكل الكتابة، وكان من حق كل واحد في الجبهة أن يقول (فرد في المقاومة ـ طبيب ـ عسكري ـ ضابط) من هنا خرجت التجربة بشكل ديمقراطي، ولم تكن الغنوة ـ هنا ـ تطريبية، إنما كانت تعبيرية، لبعث الهمة والحماس بين الناس. كانت سنوات ستاً عاشتها السويس تحارب وتغني، وأي شعب هذا الذي يغني النصر، وهو مهزوم، وأي شعب هذا الذي انتج اعظم انواع الادب والفن في سنين الهزيمة. هي ـ بالقطع ـ مقاومة ذاتية، نوع متفرد من الشجاعة، سيجله التاريخ حتما، ست سنوات «تحضير» لاكتوبر النصر. إنها الثغرة ربما كان أهم ما في تلك المرحلة مئة يوم كاملة من الانتظار، والحصار، والألفة، والحب حتى كاد الخمسة آلاف سويسي أن يكونوا الكل في واحد. مئة يوم من التراقب، الكل اطلق الشهادة، ليحدث ما يحدث، الجميع من الخفير إلى الوزير المحافظ لا يدرون ماذا تخبيء لهم الايام، واليهود!!لقد عاش السوايسة من قبل في الخندق، وفي مواجهة اليهود ست سنوات كاملة، يتعاونون، يستعدون، يستجمعون مقاومتهم الذاتية، يكتبون الشعر، ويقرأون ويغنون، كان ذلك من ظهر يوم 5 يونيو 1967، وحتى ظهر يوم 24 اكتوبر 1973. ومع ظهر يوم السادس من اكتوبر، انطلقت الحناجر: الله اكبر، عبرنا القناة، حطمنا خط بارليف، أنهينا اسطورة العدو الذي لا يهزم. استمرت الأفراح، مع طلقات المدافع، مع دم الشهداء، مع صلابة المقاومة، حتى فجر السادس عشر من اكتوبر. ـ ماذا حدث؟ ـ إنها الثغرة! وبدأ العدو في استجماع قوته وغدره وقواته، وولوا وجوههم صوب السويس، لعلهم يتخذون منها قاعدة، السويس تحديدا، شاهد المقاومة، في التاريخ المصري الحديث. طوقوا المدينة من كل ناحية، واستمروا أسبوعا، يحاصرونها، منعوا كل شيء، وأي شيء من دخول المدينة حتى جاء اليوم الرابع والعشرون، الذي ستكتب تفاصيله الخالدة بالدم، لكن كل شيء توقف!. ـ الدبابات الاسرائيلية الاثنتان والثلاثون حرقت! ـ مقتل عشرات الاسرائيليين! ـ خمسة آلاف سويسي في خندق محافظة السويس يكتمون أنفاسهم! ـ بضعة «أنفار» في الخارج يطلقون الرصاص! ـ فجأة الزحف توقف.. تصور اليهود أن المدينة ستنشق عن بواسل يخرجون للالتحام! ـ انطلقت التكبيرات من مسجد الشهداء «الله أكبر».. وصوت «عربي» ـ «مش هانسلم»!! ـ ربط اسرائيلي بالحبال على عمود كهربائي حتى الموت! ـ الهدوء يسود المدينة!! ـ ما التفاصيل؟ ـ ما الحكاية؟ ـ من الذي أوقف الزحف؟ ـ كيف عاش الناس مئة يوم كاملة في حصار من السادس والعشرين من اكتوبر 1973 حتى الاول من ابريل 1974 حتى فك الحصار، ومحادثات الكيلو 101؟. ـ ماذا كانوا يأكلون؟ ـ كيف كانوا يشربون؟ تفصيلات كثيرة في كتاب البشر، لمواطنين صمدوا، وصبروا، وثابروا، فكتبت لهم الحياة في تراجيديا الانسان المصري، وصراعه مع العدو الاسرائيلي!. في السويس، تذكروا، وان كانوا لم ينسوا هذه الايام، لكن للامانة الجميع لم يدع البطولة لكنهم تحسروا على ايام عظمت فيها قيمة العطاء والحب والتعاون، حتى صار «الكل في واحد». ونلتقى مع الشاهد الأول، سيد توفيق، مدير مكتب المحافظ «اثناء الحصار» ورئيس مدينة عتاقة «سابقا».من يوم 16 اكتوبر إلى فجر يوم 24، كان الجميع في حالة انتظار، والاحساس: خوف، رعب، تساءل بعضنا ماذا سيحدث عندما يأتون، أقصد اليهود!.الناس الذين يصل عددهم إلى خمسة آلاف متجمعون في «بدرون» المحافظة اقترح الجميع بل اصروا على أن يترك المحافظ ومدير الامن «الخندق» في مبنى المحافظة، إلى داخل المدينة «لأن المحافظ في هذه الحالة رمز» وكان بطلنا من قبل اليهود، الذين اعلنوا في «الميكروفونات» على المحافظ ان يسلم نفسه!. في فجر 24 اكتوبر، الناس مازالت في مواقعها، والطائرات الاسرائيلية تقصف المدينة بشكل محموم. الدبابات الاسرائيلية تتمشى في المدينة ظهر يوم 24 ثم اشتباكات، كيف حدثت، الله اعلم! لكن ما سمعته ان بعض شباب منظمة سيناء العربية والقناصة وأفراد من القوات المسلحة هي التي التحمت مع اليهود. المفاجأة انسحاب قوات العدو من المدينة في المساء إلى اطراف المدينة! الناس هدأت، لكننا ننتظر ماذا سيحدث في اليوم التالي. مازالت مدفعية العدو تطلق نيرانها بكثافة، ومازالت محاولاتهم لاقناع المحافظ «بالتسليم» مستمرة! الناس في قلق، حتى اعلن، ان المحافظ لن يسلم!! ومازال القصف مستمراً!!. في اليومين التاليين 25، 26 الناس متعاونة في اقتسام اللقمة، وشربة الماء، بعد ان تماسكوا، وسيطروا على اعصابهم، وبدأت قيادات المدينة في التحرك، مع عمل حساب المياه والوقود والطعام.الحصار مازال مستمرا، قوات الطواريء دخلت المدينة يوم 27 نوفمبر، بدأ تنظيم صرف المياه والطعام.. هذا في الوقت الذي اخذت فيه كل مجموعة تنظم حياتها (النوم، المأكل، المشرب) خصوصا وهي لا تعلم كم يوما سيبقى الحال على ما هو عليه. بدأت قوافل الطعام والمياه تصل من القاهرة وبدأت الحالة تتحسن نسبياً، لكن كلنا حريصون على ان يكون توزيع الطعام والمياه في اضيق الحدود، تحسباً لغدر العدو، الذي قد لا يسمح بدخول «المؤن إلى المدينة»!! المشاعر كلها متداخلة، والناس في تعاطف، لقد اعطاني واحد (لا اعرف من) لان الظلام كان دامسا، قطعة من «بلحة».. وسمعت كل الافواه تمضغ! كان ذلك يوم 24 اكتوبر! والطريف في الحصار ان معلومات الشارع كانت اكثر من القيادات! لقد فوجيء المحافظ ومعه قيادات المدينة بأن اليهود وصلوا.. ودخلوا!! معجزة إلهية يسألني الاستاذ سيد توفيق.. أما كان في الامكان.. ان يرجع بالذاكرة مرة اخرى، ليتذكر بعض التفاصيل عن يوم 24 اكتوبر. قلت: تذكر كما شاء لك ان تتذكر.. ولن اعيد ترتيب الافكار، أو الايام.. لان مئة يوم من الترقب، تستحق ان ننشرها كما يحتويها شريط ذاكرتك!.يتذكر سيف توفيق (وهي اول مرة يتكلم عن هذه الايام): يوم 23 وفي الخامسة مساء، سمعنا الطلقات على اطراف المدينة، ابلغنا افراد الدفاع الشعبي الذين كانوا يعسكرون في مساكن شل، بأن اليهود وصلوا!.كان هدف اليهود تأمين ميناء الادبية، لتعزيز مواقعهم في الثغرة، فضلا عن امكانية حصار الجيش الثالث. سألت من غرفة العمليات معمل تكرير البترول، حيث رد علي فوزي يوسف، قائلاً: فيه دبابات، لكنها مصرية.. قلت له: بص كويس، قال: مصرية!. والحقيقة انها كانت فعلاً مصرية، لكن راكبيها كانوا يهوداً! بعدها بفترة بسيطة ومن الساعة 8.30 وحتى 9.10 مساء دارت المعركة، لا نعلم حقيقة الموقف لكننا تسلمنا برقية من القاهرة، كان نصها: «اصمدوا.. وحاربوا حرب المدينة» وهي موقعة من المشير أحمد اسماعيل، اذن لقد تم حصارنا. ماذا نفعل؟ تم الاتفاق ـ بناء على رأي الجميع ـ ان يغادر المحافظ ومدير الامن خندق مبنى المحافظة، إلى احد البيوت في قلب المدينة. استمرينا في مواقعنا، لا ننام، ولا نصحو انتظارا لما سيحدث في اليوم التالي (!!). مع اول ضوء في يوم 24 اكتوبر، بعض القوات الفدائية والكوماندوز عملوا متاريس على منافذ المدينة، وكانت قوات العدو تدك المدينة (بالطائرات) إذن هو ستار لدخول المدينة! في الظهر، سمعنا صوت مدرعات.. واشتباكات. المفاجأة: تم تدمير اثنتين وثلاثين دبابة ومدرعة، اي ان «القول الدباباتي» الذي تمشى في المدينة، نسف عن آخره!. حدث الانسحاب، تصور العدو ان هناك كمائن بالمدينة، ولن يستطيع ان يتصدى لحرب المدن. يوم 25 قضيناه في مسجد الشهداء، رفضنا تسليم المحافظ، مفيش مياه، طعام، وقود!. ومع ذلك الناس متماسكة، وبدأت تكيف ظروفها، لا ندري ما يحدث خارج المدينة، يبدو ان اتفاقا حدث!ان ما حدث يوم 24 كان معجزة إلهية، لا احد يزعم من الذي قاوم!. قوات العدو وصلت إلى قسم شرطة الاربعين، خرج الناس من المخبأ، حدث اطلاق نيران من بعض العمارات القريبة.. الجميع فر (اقصد اليهود)!! وقتل 33 يهوديا! تصور اليهود ان هناك مقاومة منظمة، ولم يمكن الامر كذلك! لذلك فقد «تشجع الناس»!. واقرر ان تصرف الناس كان خاضعا للظروف ذاتها، ومن حسن الحظ، انهم عاشوا حرب الاستنزاف، وقد جعل ذلك منهم، مجموعة متحابة، متآلفة، كانت تصرفاتهم مع بعضهم «عاطفية» في اكثر الاحيان.. واقرر ـ ايضاً ـ ان هذه المجموعة مازالت متحابة ومتآلفة، ومتماسكة، سيما الموجود منهم على قيد الحياة!. تأليف: محمد هيكل

طباعة Email
تعليقات

تعليقات