شارع السلام يجسد امتزاج الثقافة الاوروبية والصينية

الجمعة 19 شعبان 1423 هـ الموافق 25 أكتوبر 2002 أول ما يميل الزوار الى ملاحظته هو غياب اسلاك الطاقة الكهربائية الممتدة بين اعمدة الكهرباء، والامر الثاني الذي يلاحظونه عندما يتنزهون في شارع بلدة تاهسي بمقاطعة تايوان الذي يحمل اسم شارع «هوبنج» وهي كلمة تعني «السلام»، والذي يمتد بطول 359 متراً، هو تلك المباني الفخمة المزخرفة بشكل بارز والتي تصطف على جانبي الشارع، ويلفت نظرهم ايضا ترتيب لافتات المحال التجارية بأحجام وانماط متناسبة بخلاف المجموعة غير المنتظمة من اللافتات التي تميّز معظم المناطق التجارية في تايوان. وارتشاف فنجان من الشاي في فناء أحد المنازل العتيقة المصانة بشكل جيد يكمل الشعور بالانتقال إلى الوراء في الزمن الى حقبة أكبر ارستقراطية وأكثر هدوءاً. يعود تاريخ بناء شارع السلام الى أواخر القرن الثامن عشر في وقت كانت تاهسي (الجدول الكبير)، وهي ميناء على نهر تاهان، مركزاً تجارياً مزدهراً. ففي عام 1919، قامت ادارة الاستعمار الياباني بتنفيذ مشروع لاعادة تطوير المدينة لاتزال آثاره بادية على واجهات العديد من المحال التجارية المواجهة للشارع. وقد تم تمويل عملية البناء من قبل اصحاب المحلات انفسهم، حيث يتنافس كل منها لاظهار ثرائه بتشييد بناء اكثر إثارة للاهتمام من البناء الخاص بجاره. وبعد أن امتلأ نهر تاهان بالطمي، واستحوذت طرق السكك الحديدية على الجانب الأكبر من حركة المواصلات، حوالي منتصف القرن الماضي، تراجعت التجارة في تاهسي وفقد شارع السلام جاذبية، ومع مرور الزمن، ازيلت بعض المباني القديمة في الشارع لافساح المجال امام تشييد مبان اكبر وأعلى، وفي ظل غياب اي قانون نافذ لحماية المعالم التاريخية، تم تدريجياً تجريد المنطقة من روائعها القديمة وتحولت الى مجرد موقع آخر مهمل في بلدة صغيرة نائية. ويقول شيو شوانغفو، مدير جمعية اعادة تطوير الشارع القديم في تاهسي، والتي أسست في عام 1996، من قبل مجموعة من سكان البلدة: «حتى سكان هذه المنازل لم يدركوا جمال منازلهم واهميتها التاريخية». وجاءت منظمة شيو تتويجاً لعودة الاهتمام بالكنوز الاثرية في البلدة والذي بدأ في السبعينيات من القرن الماضي عندما اكتشف الباحثون المتخصصون بتاريخ تايوان وثقافتها وهندستها المعمارية أنه لا يزال هناك الكثير مما يستحق الدراسة في تاهسي. ولحسن الحظ، فان شارع السلام ظل بعيداً عن المشروعات الانشائية العامة الكبيرة التي كان من الممكن ان تجلب معها تغيرات واسعة النطاق على مظهره. ولهذا، ظل أكثر من نصف الواجهات المزخرفة على الشارع بحاجة جيدة، وهي تمثل مزيجاً فريداً من العناصر المعمارية الاوروبية والصينية. وتوحي اشكالها النحتية الجريئة ورسومها الزخرفية المعقدة بالاسلوب الباروكي الذي ساد في أوروبا القرن السابع عشر. ويشرح شيو ذلك بقوله «لقد أعجب اليابانيون بالثقافة الاوروبية. واختاروا تاهسي لكي تكون أحد الاماكن في مستعمراتهم التي يجربون بها المباني المشيدة على الطراز الأوروبي». ولكن مع ذلك، تمت اضافة الصور والرموز الصينية التقليدية الى التصاميم مما جعل هذه الواجهات الجميلة ممثلة لفصل جديد بالاهتمام في تاريخ العمارة التايوانية. الاعجاب بالتراث وقرر بعض الباحثين الذين وقعوا بحب تاهسي في مسار عملهم الميداني أن ينقلوا اعجابهم بتراثها الثقافي الى ما وراء حدود بحثهم الاكاديمي وانتقلوا من بيت لآخر في الشارع لكي يتحدثوا الى سكانه بهدف زيادة وعيهم بالميراث الثمين الذي ورثوه عن آبائهم واجدادهم وحثهم على ضمان بقائه. ومن رحم هذه المناقشات، خرجت فكرة انشاء منظمة رسمية تعنى بتنفيذ مشروعات لا تهدف فقط الى الحفاظ على التميز الخاص بشارع السلام وانما تستهدف ايضا اغناءه. وجذب هذا الجهد اهتمام المجلس الحكومي للشئون الثقافية، الذي كان يرعى مشروعات التنمية على المستوى المحلي منذ منتصف التسعينيات من القرن الماضي. ووضع المجلس شارع السلام في قائمة الأولوية لديه بالنسبة للمساعدة. أول مشروع قامت به المنظمة هو اطلاق خطة لتوحيد نمط لافتات المحلات التجارية، وكان ذلك المشروع بمثابة اختيار للمنظمة على قدرتها في تشكيل اجماع في المجتمع خاصة وانه كان يتعين على اصحاب المحلات ان يدفعوا تكاليف اللافتات بانفسهم. وبالفعل نجحت في هذا المشروع، وهو ما دفعها الى الانتقال الى مشروعات اخرى تتعلق بترميم المنازل الواقعة على الشارع بحيث تتحمل العوامل الجوية في البلاد. وشمل المشروع كذلك بناء القناطر واخفاء الاسلاك الكهربائية بوضعها تحت الارض وتصميم وتركيب اسلوب مميز للاضاءة واشارات المرور والمقاعد العامة وغرف الهواتف العمومية وحتى حاويات الزبالة. وتوالت المشروعات الترميمية والتجميلية بعد ذلك، حتى باتت المدينة قبلة للسياح من داخل تايوان وخارجها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات