أعمال بارنيت نيومان تتألق في «التيت مودرن»

الجمعة 19 شعبان 1423 هـ الموافق 25 أكتوبر 2002 القطعة القماشية الضخمة تدعوك للتحديق بها حتى تندمج روحك بزرقتها المطلقة، فقد رسم بارنيت نيومان لوحته عوليس في عام 1952 بعد اخفاق اول معرضين فرديين له، وانتقاد لوحاته ووصفها بأنها تكاد تكون جوفاء، وخالية من التعبير. لكنه بدلا من جعل فنه اكثر انفتاحا وسهولة على المتلقي راح يمعن اكثر في التجريد. وهكذا نجد ان لوحة عوليس ومعها كل من لوحتي اليوم قبل الواحد و«بروميثوس مقيدا» 1952 تفاجيء الناظر بقوة بدائية غامضة يصعب تفسيرها. انها اعمال ابدعت لنشاهدها لن لنصدقها. وتقول آن ـ تيمكن في متحف فيلادلفيا الفني «ليس هناك بديل عن التجربة الشخصية لفهم هذه اللوحات او الاحساس بها». ويقدم معرض بارنيت نيومان الذي تشرف عليه تيمكين فرصة مواجهة كامل طاقة هذا الفنان الفذ. وهذا المشروع المشترك بين متحف فيلادلفيا الفني ومتحف التيت مودرن بلندن يعتبر اول معرض بارز مكرس لنيومان منذ عام 1972، ويستمر في متحف التيت اللندني حتى الخامس في يناير المقبل. عاش نيومان في قالب الفنان المكافح. فلقد ولد في نيويورك عام 1905 لوالدين مهاجرين في بولندا واضطر للتخلي عن طموحاته الفنية. لكن يكدح في ورشة خياطة اسسها والده. وفي عام 1937 باع نيومان ممتلكاته وعمل كمدرس فنون وكاتب حتى عام 1947، حين قرر الى تكريس كل وقته للرسم. وظلت اعماله مغمورة حتى آخر عقد في حياته. وبعد ان اصبحت المعارض التي اقامها في الصالات المرموقة مفتاح تقبله من قبل جيل الفنانين الاصغر سنا، توفي نيومان في عام 1970. ويعود تاريخ اقدم الأعمال المعروضة في التيت مودرن الى الاربعينيات وبأشكالها المتناسقة الملونة وعناوينها المثيرة مثل ذبح اوسيريس» و«وثني فارغ» لا تصور اعمال نيومان اي شيء يمكن ادراكه او تمييزه، لكنها تحتوي على ارضية او افق يتعلق بها الرائي. لكن في الحجرة التالية بالمعرض، والتي تزخر باللوحات القماشية في الفترة التي اوجد فيها نيومان رؤيته الخاصة، تعرّت اللوحات من ارضياتها وتركت الرائي معلقا يحدق في سطوح مطلية بألوان صاخبة تستند الى اعماق غير مقروءة. والمعالم البارزة الوحيدة في تلك الاعمال هي الخطوط العمودية التي اصبحت موضوعه الرئيسي. وفي لوحة «الكلمة الاولى» 1946 ينتشر اللون البني فوق الازرق الباهت يتخلله شعاع عمودي متوهج. وتعتبر اللوحة «وانمنت 3» نسخة من اللوحة التي رأى فيها نيومان انجازا شخصيا مهما وتتكون اللوحة القماشية الطويلة الضخمة من خط عمودي قرمزي اللون على خلفية معتمة مبهمة. ويحاكي المعرض الحالي اول معرض فردي اقامه نيومان في عام 1950 في صالة بيتي بارسونز. وكان الفنان الجامح قد ساعد القائمين على الصالة في تنظيم عروض للفن الاميركي الاصلي والفن المعاصر ولكن اعماله اربكت الجمهور والنقاد والاصدقاء الذين لم يكونوا قد تابعوا مسيرة نشوئه وتطوره الفني. وتقول تيمكين: «كان نيومان يعمل سرا ولم يكن احد من اصدقائه يعلم بأمر اللوحات. الجميع كان يعرفه ككاتب وتساءل كيف امتلك الجرأة والجسارة لحمل فرشاة الالوان». وما بين عامي 1951 و1958، لم يكن هناك عروض فردية ولم تظهر اعمال نيومان الا في معرض جماعي واحد. ولم تبدأ الامور بالتحسن حتى عام 1958 حين اقام نيومان معرضه الفردي الثالث. وتري تيمكين ان الاعمال التي انجزها نيومان بعد معارضه المبكرة عندما انطوى على نفسه للرسم تحت غطاء السرية هي الاعمال الاجمل في تشكيلته وفي عام 1955 كان نيومان في الخمسين من عمره وكانت اوضاعه المالية متزعزعة وفي ذلك الحين رسم لوحة ضخمة بعنوان «اوريل» تسودها خطوط عمودية على خلفية زرقاء زاهية. وبعد ذلك لم ينتج شيئا طيلة عامين. وبعد تعرضه لنوبة قلبية في عام 1957 عاد نيومان للعمل مجددا وبدأ برسم سلسلة اعمال استمرت حتى عام 1966 واطلق عليها في نهاية المطاف اسم المحطات كان قوام تلك اللوحات هو اللونان الابيض والاسود على قماش بسيط تتخلل سطحه الاصفر الشاحب رقطات قذرة في الحياكة وبقع ولطخات ونزيز في الطلاء الزيتي. وتقول تيمكين: كانت الرقة في استخدام اللون عاملا مهما في اعمال نيومان التي تفيض فيها دموع الطلاء الزيتي على خلفية تتخللها خدشات متوارية بين ثنايا قناع القماش. وكانت تلك التفاصيل تحمل شحنة عاطفية كامنة، اذ ليس من الصعب ان تجد المعنى في الدموع والخدوش والنزيف. وعندما عرضت تلك الاعمال في غوغنهايم في عام 1966، تساءل البعض عن مدى ملائمة الموضوع لعقلية فنان اميركي عصري. اعادة ابتكار وبعد سلسلة «المحطات» لمحطات كان نيومان بحاجة لاعادة ابتكار نفسه مرة اخرى فاتجه نحو استخدام الألوان الاكريليكية الجديدة الساطعة فأصبحت سطوحه اكثر كثافة وانتقل الى مرحلة اكثر ابتهاجا وحيوية. وعندما يقترب الرائي من لوحة «ضوء آنا» التي ينتشر فيها اللون القرمزي الصافي على طول ستة امتار يحيط به اطار في الطلاء الابيض يشعر بضبابية تفشي عينيه لعدم وجود اي شيء في اللوحة يركز عليه بصره. واللوحة كبيرة جدا وساكنة، وخالية من الملامح حتى انك لا تستطيع ان تحدد بصريا ما اذا كانت قريبة جدا ام بعيدة. وفي معرضه الذي اقيم في عام 1951 علق نيومان ملحوظة تطلب من الجمهور الوقوف قريبا من لوحاته الكبيرة، وتفسر تيمكين ذلك بقولها: «عندما تقف امام لوحة اكبر منك بعشرين مرة احيانا» فانك تشعر وكأنك تجلس على شاطيء محيط لا متناه. وتحس بصغرك امام ضخامته. كان نيومان يحاول استثارة هذا الاحساس ليس عن طريق رسم محيط، بل بالاعتماد على وسائل تجريدية صرفة».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات