اسطنبول .. مدينة تعيش على الحافة

الجمعة 19 شعبان 1423 هـ الموافق 25 أكتوبر 2002 يتعالى هتاف الجمهور واستحسانهم لدى سماع صوت المغنية التركية الشهيرة بوركو جونيس تصدح بأغنية «تشيلي بولبولوم» التي تعني «البلبل الحزين» على انغام موسيقى الروك السريعة في احد النوادي الليلية بمدينة اسطنبول التركية. ويقول احد الشبان الذين يصغون بتفاعل واهتمام للاغنية بأن المغنية تسأل بلبلها لماذا ينبغي عليها ان تعاني هذا القدر من الحزن والمتاعب ولابد ان معظم اولئك الشبان الذين كانوا في النادي يسألون نفس السؤال فاسطنبول هذه الايام تعيش على الحافة: الحافة بين الشرق والغرب بين الحداثة ونمط القرون الوسطى، بين العلمانية والاصولية الاسلامية، بين زلزال مدمر والزلزال الذي يليه، وبين الرخاء والانهيار الاقتصادي. تسود الازدواجية الثقافية ربوع المدينة محدثة تعقيدا غنيا بقدر غنى الروائح التي تنبعث من سوق التوابل في المدينة وفي جادة الاستقلال في المدينة تسير النساء بالزي الاوروبي الحديث الى جانب نساء يرتدين الزي الاسلامي المحتشم في صورة تعكس التناقض الموجود في المجتمع، ويكافح الفلاحون القادمون من مناطق الاناضول الريفية من اجل الحفاظ على حميمية الحياة القروية بينما يعيشون في ظلال ناطحات السحاب التي تعج بسماسرة البورصة الطموحين الذين يقودون سيارات المرسيدس بنز المكشوفة. وفي خمس مرات في اليوم يدعو المؤذن المؤمنين الى الصلاة من مآذن منتشرة في انحاء المدينة غير انه وبعد منتصف الليل يخفق قلب اسطنبول بحياة ليلية صاخبة. والآن تعاني المدينة من اضطراب اقتصادي تترك اثرها على مختلف مناحي الحياة فيها فالعديد من الشبان الذين يرتادون النوادي الليلية في اسطنبول شاهدوا وظائفهم وهي تطير من بين ايديهم العام الماضي عندما اغرق تخفيض قيمة الليرة التركية البلاد في ركود اقتصادي اما اولئك الذين مازالوا يحتفظون بوظائفهم فيجدون ان القدرة الشرائية لرواتبهم قد انخفضت الى النصف تقريبا. الحافة التكتونية تشكل اسطنبول جسرا للحافة التكتونية بين اوروبا وآسيا وهي حافة يحددها مضيق البسفور ويعيش ثلثي سكان اسطنبول في اوروبا الى الغرب من المعبر المائي والباقي يعيشون الى الشرق منه في آسيا ويبدو ان الرحلة البحرية على طول الممر المائي الفاصل بين القارتين هي طريقة ملائمة لمشاهدة المدينة المقسمة من نواح عديدة. وبينما تشق المعديات التي تنقل الركاب يوميا بين شقي المدينة، تتكشف طبقات من تاريخ المدينة العريقة ولقد عرفت المدينة باسم بيزنطة لدى تأسيسها حوالي العام 660 قبل الميلاد ثم عرفت باسم القسطنطينية بعد نقل قسطنطين لعاصمة الامبراطورية الرومانية اليها في عام 330 للميلاد وبحلول الوقت الذي فتحها فيه القائد العثماني محمد الثاني في عام 1453 وجعلها عاصمة للامبراطورية العثمانية كانت معروفة على الصعيد المحلي باسم اسطنبول. ومن البسفور، يستطيع المرء ان يشاهد معالم اسطنبول التاريخية مثل حصن محمد والمسجد الازرق ومسجد ايا صوفيا وقصر توبكابي والمسجد السليماني الرائع. وفي كل يوم يعبر مضيق البسفور اكثر من 130 سفينة كبيرة، كثير منها يحمل نفطا خاما او مواداً كيماوية سامة مثل النشادر ويزداد باستمرار عدد السفن ومقدار الحمولة الخطيرة مما يزيد من احتمالات حدوث كارثة بيئية، خاصة في ظل التقلبات التي تشهدها مياه المضيق من فترة لاخرى. انزلاق الجليد ويقول جاهيد استقبال، ربان احدى السفن ان «ايقاف السفينة يحتاج الى مسافة سبعة اميال، فالامر اشبه ما يكون بالانزلاق على الجليد وانت لا تملك سيطرة جيدة ولا تعرف ما ستفعل بالضبط اذا ما صادقتك مشكلة ما، ومع الحمولات الخطرة، لايكون الخوف على نفسي فقط ففي اشد الحالات، كأن يحدث اصطدام مع ناقلة تحمل غاز النشادر فان الغاز قد يقتل الجميع في محيط 15 ميلا بكافة الاتجاهات. الحوادث من هذا القبيل ليست مستبعدة وهي قد حدثت بالفعل، ففي عام 1994 ادى اصطدام بين ناقلة وسفينة اخرى في المضيق الى مقتل 28 بحارا وتسريب 20 ألف طن من النفط الخام في مياه البسفور وفي حادثة اخرى، غرق 20 ألف رأس من الاغنام وهناك حوادث عديدة تصطدم فيها السفن بالمنازل والارصفة على طول الشاطيء. وبرغم الصورة الاقتصادية والمعيشية القاتمة التي تعكسها احوال الناس في اسطنبول، الا انهم يصرون على ان الحزن الذي تحدثت عنه الاغنية انما هو اختبار من الله وهو دورة لابد من المرور بها ومهما تحدث من اشياء سيئة فانها ستتحول في النهاية الى خير عميم فالربيع يخلف الشتاء دائما. واذا ما صدق البلبل، فان شتاء الحزن القاسي الذي تعيشه اسطنبول لابد وان ينتهي قريبا ليأتي من بعده ربيع الازدهار والرخاء ليعود لهذه المدينة العريقة مجدها ورونقها. ضرار عمير

طباعة Email
تعليقات

تعليقات