كتاب ـ الإسلام والجمال ـ انجازاتهم لا تزال تبهر الدنيا، أربعة من أبرز الفلاسفة المسلمين حملوا على كاهلهم مسئولية تأصيل علم الجمال

الخميس 18 شعبان 1423 هـ الموافق 24 أكتوبر 2002 يتميز هذا الكتاب بأنه مرجع بالغ الاهمية أو ان شئت الدقة فهو دراسة بذلت فيها المؤلفة جهداً كبيراً حتى تحلق إلى افاق مفهوم الجمال في الإسلام، بالمعنى العلمي لهذا المفهوم المستند إلى علم الجمال الحديث مع القاء أضواء على جانبيه النظري والجوهري الكامن في أعماق الابداعات الاسلامية المختلفة التي ملأت آفاق الدنيا من شبه جزيرة ايبيريا إلى الصين. بهذا المعنى تعد هذه الدراسة في احد ابعادها ابحاراً في ذاكرة الفلاسفة الموسوعيين المسلمين الأوائل الذين وضوعوا علماً خاصاً بذاته يسمى علم الجمال في الاسلام، يدهشنا التقارب الشديد بين العديد من جوانبه مع علم الجمال الحديث وخاصة في أبعاده الطاهراتية، فمن ابن حزم إلى ابن سينا إلى ابن رشد إلى ابن الهيثم مضت المؤلفة تغوض في أعماق أفكار هؤلاء الفلاسفة العظام وتتجول في ثمار عقولهم، وتنقب عن بنات أفكارهم لكي تضع ما وصلوا إليه في هذا الجانب على وجه التحديد بين دفتي هذاالكتاب، في جهد فريد من نوعه لاحقاً. ويتميز هذا الكتاب أيضاً بأنه يقدم لنا جانبا يكاد يكون خافياً أو غير مرئي بالنسبة للكثيرين وهو الدور الذي لعبه المسلمون الأوائل في الاضافة إلى مختلف العلوم، ومن بينها الطب والهندسة التي كانوا روادها ردحاً من الزمان. ويتعرض الكتاب أيضاً للقصصص القرآني الرائع، وخاصة قصة سيدنا سليمان، ويقوم بتفسيرها من الناحية الجمالية ملقياً الضوء على ما فيها من دلالات تتعلق بالقيم الجمالية في اطار الرؤية الاسلامية للكون والوجود، فكأن المؤلفة ترى بعين بلقيس ملكة سبأ أحياناً، وأحياناً أخرى كانت تشعرنا بأنها دخلت بنفسها قصر نبي الله سليمان وحكت لنا ما شاهدته هناك من ابداعات فنية لا تزال محل بحث ودراسة حتى الآن. ولا تهتم المؤلفة بالاشكال الجمالية والفنية الاسلامية فحسب لكونها تتناول أيضاً الحروف والارقام وما تقدمه من اضافة جمالية. ويقع الكتاب في 134 صفحة، وينقسم إلى خمسة فصول حددت فيها المؤلفة ملامح الموضوع الذي نناقشه حيث تناول الفصل الأول الجمال والممارسة الجمالية في الفكر العربي التقليدي، والفصل الثاني بعنوان جماليات سورة سليمان في القرآن الكريم، والفصل الثالث بعنوان محاولة فهم جماليات قصر الحمراء، وتناول الفصل الرابع العلوم الهندسية والجماليات التي أضافتها على قصر الحمراء أما الفصل الخامس والاخير فإنه يتناول النسق الجمالي للفن الاسلامي. مع الاربعة الكبار وتحت عنوان «علم الجمال في الفكر العربي التقليدي» يبدأ الكتاب، بالفصل الأول ويتناول ملامح الجمال والقبح عند الفلاسفة العرب، فهما فكرتان عالميتان مهمتان، في مجال علم الجمال الذي بدأت انطلاقته في الفلسفة اليونانية مع أفلاطون وأرسطو. وتركز المؤلفة في هذا البحث على أربعة من أشهر فلاسفة العرب وهم على التوالي ابن حزم، وابن سينا، وابن رشد، وابن الهيثم. وعن ابن حزم تقول المؤلفة في معرض التعريف انه أبو محمد علي احمد بن سعيد ابن حزم (4546ه/ 1064م) وهو مفكر وشاعر ومؤرخ من قرطبة عاش في أواخر ايام الأمويين وبداية عصر ملوك الطوائف، يعتمد منهجه على محاولة فهم النصوص المقدسة بمعناها الحرفي الظاهري. وعن ابن سينا كتبت تقول: انه علي الحسين عبدالله ابن سينا ولد في أفشانا بالقرب من بخارى، عام 370/980 ويعد واحداً من أهم رموز الافلاطونية المحدثة لما وراء الطبيعة، ومثل ابن حزم كان ابن سينا يشتغل بالسياسة في كثير من بلاطات الملوك في آسيا الوسطى وبلاد فارس وكلاهما من أصحاب النظريات العلمية المهمة وممارسي الطب. وعن ابن رشد وابن الهيثم كتبت المؤلفة تقول: انهما ينتميان إلى المدرسة العقلانية للفلاسفة. أما ابن حزم فهو الناطق بلسان ارسطو، ولد في قرطبة ومات في مراكش بعد ان عمل قاضياً لفترة ما وكذلك كطبيب وكان مشرعاً وعالماً فلكياً أيضاً. أما ابن الهيثم فهو عالم فيزيائي شهير ورائد من رواد علمي الحساب والفلك ولد عام 364/965 وتوفي عام 430ه/1039م وكمفكر يمكن ان نعتبره كما تقول المؤلفة ـ رائد علم الظاهريات حتى قبل ان يخرج هذا المصطلح إلى النور في اطاره الحديث، قضى معظم حياته في القاهرة الفاطمية وخدم خلال فترة حكم الخليفة الفاطمي السادس الحاكم بأمر الله. وتقول المؤلفة انه من خلال هؤلاء الفلاسفة الأربعة إلى جانب بعض الفلاسفةالمسلمين الآخرين في العصور الوسطى، ظهرت نظرية علم الجمال، كما ان افكارهم يجب ان نفهمها طبقاً لمفهوم العصور الوسطى للجمال، والتي تميزت بالاعتماد القوي على مجالات أخرى للمعرفة تظهر نفسها على الخصوص من خلال المشكلة المزودجة للجمال الطبيعي والجمال الإلهي، والادراك الحسي والادراك الداخلي. الجمال الظاهر للعيان ويرجع إلى أو يجب ان نفهمه بالعلاقة مع مفهوم الجمال الالهي ونتيجة لذلك فإن التجربة المرئية للجمال تتضمن بطريقة ما صدى روحي عن طريق ادراك عقلي لمما وراء الطبيعة. ويعد ابن حزم هو المفكر البارز في العصور الوسطى الذي سبق المفكرين في محاولتهم لعزل مسألة علم الجمال عن المفهوم الروحي للجمال، حيث دعا إلى ان ننظر اليه بمنظور علم الوجود البشري وبهذا المعنى فإنه يعد اول عالم جمال بالمعنى المطلق، وقد ساهم مع غيره من الفلاسفة على مختلف توجهاتهم الفلسفية في اثراء علم الجمال في العصور الوسطى. ومن منظوره فإن هذا العالم الذي نعيش فيه يكمن نموذج الجمال الاكثر تألقاً في المملكة البشرية اكثر عنه في الطبيعة وعلى الرغم من ان الجمال يتجسد في جسد حي، فإن الجسد المثالي والجسد المحبوب يكاد يكون مقصوراً على نوعيات طبيعية معينة. وعلى الرغم من عدم انكار جاذبيتها فإن هذه النوعيات تمثل قوة تقضي على القدرات السلبية. وفي حين أن الجمال يتكون من مجموعة من الصفات الاخلاقية والروحية والفكرية وحتى الطبيعية فإن هذه الصفات تتجسد جميعها في كيان واحد، او في انسان يسعى إلى الكمال. وطبقاً لتفكير ابن حزم فإن الانسان اذا ما جذبته الوجوه الجميلة وما إلى ذلك فقط فإن مثل هذا الجمال قد يكون مصحوباً بفساد وخلل في النظام، لأن ظروفا بعينها قد تسمح لهم بأن تسيطر عليهم الرغبات الحسية. ومن هذا المنطلق ومن مفهوم ابن حزم فإن القبح ـ على عكس الجمال الحقيقي ـ يتماشى مع غياب الاخلاق ومع الغرائز المنفلتة من عقالها والجهل بحقيقة الدين، وبذلك يمكن ان ننتهي إلى أن مفهوم الجمال عند الفلاسفة الاندلسيين يكمن في الاخلاق الفاضلة. ومع ذلك فإن الربط بين مفهوم الجمال مع الوجود الارضي يعد من الصفات البشرية خاصة كحافز للاتحاد مع الحب، ويفهم كهدف جمالي نهائي يمكن ان يكون ممكنا فقط عن طريق الفضيلة الآلهية. وعلى عكس ذلك فإن علم الجمال الميتافيزيقي الذي ينتهجه القائلون بالافلاطونية المحدثة مثل الفارابي وابن سينا في شرق العالم الاسلامي وابن طفيل وابن باجة في الاندلس ينظر إلى الجمال بطريقة مختلفة اكثر تشدداً. فطبقاً للافكار الافلاطونية المحدثة، فإن قيمة الجمال التي يدافع عنها هؤلاء المفكرون يمكن ادراكها في ضوء روحي فقط باكثر مما يمكن ادراكها في ضوء علم الكونيات المنبثق عن الفلسفة اليونانية واللاتينية. وطبقاً لنظرية ابن الهيثم فإن الجمال الكامن بوضوح في كل الاشياء قد يكون متعلقاً بالفرد في تعقيداته الكاملة، عندما تتضح قدرته على الادراك ويحسن من خلال ممارساته واستخدامه بدءاً من الخبرة الأولية للطفل. ان التفكير العربي التقليدي يرى الجمال من عدة زوايا مختلفة من الحب السامي في الانسان، ومقروناً بالاخلاق كما هي الحال في نظرية ابن حزم إلى الجمال المصنف والمعدل طبقاً لعلم الظواهر (نظرية ابن الهيثم) إلى المجال المتناقض بين الفكري والمتلألئ من المصدر الالهي (نظرية ابن سينا) إلى النظام الهيكلي للجمال للعالم المادي كما هو الحال عند ابن رشد. قصة سليمان يقول الامام الغزالي ما معناه ان العين تدرك سطح الاشياء وشكلها الخارجي وليس جوهرها الداخلي، وتدرك فقط أشكالها وانماطها وليس طبيعتها الحقيقية. وفي هذا الفصل من الكتاب تتعرض المؤلفة لفكرة الفن في القرآن من خلال جوانب دقيقة وجديرة بالتأمل في قصة نبي الله سليمان والتي نجد لمحات منها في سورة النمل (الآيات من 2744) التي تصف قصة زيارة ملكة سبأ لنبي الله سليمان. ففي نهاية هذه القصة يدعو سيدنا سليمان الملكة لدخول قصره الذي كانت أرضيته مصنوعة من الزجاج ، وقد أخطأت الملكة واعتقدت ان هذا الصرح الممرد ليس إلا ماءً، فرفعت ثيابها حتى لا تبتل فصحح لها سليمان خطأها، وقال لها انه صرح ممرد، وعندئذ أدركت ملكة سبأ انها على خطأ وآمنت برب سليمان «قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجةَ وكشفت عن ساقيها قال انه صرح ممرد من قوارير قالت رب اني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين» (النمل آية 44). وتقدم لنا هذه السورة الكريمة عنصراً جمالياً موضوعياً وهو الخبرة الشخصية لأحد طرفي أو بطلي القصة، وتشمل هذه الخبرة الادراك البصري الخاطئ لملكة سبأ عندما حسبت الزجاج انه ماء في قصر نبي الله سليمان. وهذه السورة الكريمة تقدم أيضاً سبباً كافياً لكي نعتقد انه إلى جانب الرسالة الروحية فإنها تتناول نظرية الجمال، والمقصود بنظرية الجمال هنا على وجه الدقة نوع المعرفة التي كانت معزولة في الغرب نتيجة للعلم الحديث باعتبارها مجالاً محدداً بمعنى انها كان تهدف للتفكير لما تحمل من علم وجود ومبادئ ومنطق خاص بها. وكما هو مفهوم بالمعنى الحديث فإن علم الجمال يشمل الفنون بشكل عام، وكذلك الاعمال الحسية المدركة لكي تكون في الحال جميلة ومدركة ومعبرة. وفي سياق هذا التفكير فإن علم الجمال بالنسبة للأشكال المدركة يمتلك وضعاً معيناً، ذلك لأنه يهتم بالعالم المادي، ويتضمن أيضاً ظاهرة خاصة تتعلق بالادراك البصري. وسوف نصل إلى هذه القضية إلى جانب ثلاثة تساؤلات أخرى. التساؤل الأول: النظر إلى مضمون هذه السورة على ضوء أقاصيص نبي الله سليمان عموما، والتي عن طريقها نتعرف على ما تتضمنه هذه السورة الكريمة التي على ضوئها يمكن تقويم تقاليد الفن الاسلامي. التساؤل الثاني: تعريف الشروط الشكلية للجمال المدرك عن طريق تفسير هذه السورة الكريمة والتي من خلالها سنتعرف على أرضية قصر سليمان المصنوعة من الزجاج والتي تنتمي بلا شك إلى ما نطلق عليه «الأعمال الفنية». ثالثاً: سوف نقدم دليلاً على ان الادراك الجمالي لهذه السورة الكريمة يتضمن تطبيقاً عملياً حقيقياً. كذلك فإن هذه المناقشة تستهدف شيئاً أكبر وأوسع، وهو تحقيق فهم أفضل للابداع الفني الاسلامي. تشكل قصة نبي الله سليمان نموذجاً فنياً قوياً في العصور الوسطى كما هي الحال في العصور الحديثة، حيث ان سليمان يمثل الراعي للفنون والهندسة المعمارية وللحضارة عموماً. وفي الاقاصيص التي تحكيها لنا المصادر الاسلامية نجد حديثاً عن عدة قصور، مثل قصر تدمر في بادية الشام وقصر بير سيبوليس في ايران، وقصر كابول في أفغانستان إلى جانب بعض المدن الخيالية، مثل مدينة النحاس التي تتألق أمامنا في «ألف ليلة وليلة». وباختصار تمثل قصة سيدنا سليمان ليس فقط الفنان كفرد، والتي تتواءم مع المفهوم الغربي الحديث ولكن تمثل ذلك الانسان الذي يبتكر ابداعاً فنياً ويعرفه ويحدده بالتأكيد على قيمه الجمالية والاخلاقية من خلال عالمية المعرفة. ويعتمد العرض الجمالي على عنصرين تم وصفهما بدقة في الخطاب القرآني: الأول الهندسة المعمارية الخاصة بقصر سيدنا سليمان والثاني هو الفصل الذي يتكون من التعرض لهذه الهندسة المعمارية عندما دخلت ملكة سبأ إلى القصر «قيل لها ادخلي الصرح» وهذا الصرح يمكن ان يكون قصراً أو برجاً أو حجرة أو مجرد فناء، وبالتالي فإن كلمة «صرح» موضع للمناقشة المفتوحة. وتشتمل سورة النمل (الآيات 2744) على دليل كاف على ان لهذه الآيات وظيفة جمالية، ولها تأثيرها على الفن الاسلامي والهندسة المعمارية الاسلامية. في قصر الحمراء في هذا الكتاب نحن على موعد مع تفسير جديد لمفهوم الجمال لما يسمى صالة أو قاعة السفراء في قصر الحمراء، وهي قاعة مزخرفة تماماً متوجة بقبة مصنوعة من الخشب، كانت تستخدم في حفلات الاستقبال، ويكمن هذا التفسير في مشكلة معينة تتعلق بهذا القصر الفريد وهي مشكلة التصوير أو التجسيد. ومناقشتنا تؤكد انه لا يوجد تجسيد مباشر في قصر الحمراء فيما عدا رسومات جدارية رمزية تشكل عناصر ثانوية فيما يتعلق بالصورة المرئية للزخارف الهندسية البحتة بدلاً من ان تتكون جماليات قصر الحمراء من نظام ديناميكي وأشكال نصية ناشئة من تصميم مجرد، فإنها تتكون من نسق يشترط ممارسة البناء على المستويين الحسي والمدرك. تعتمد الدراسات الجمالية لقصر الحمراء على مصدر واحد هو مضمون دلالة الألفاظ للرسومات الزخرفية التي تظهر بوضوح في المبنى شبيهة بتلك التي نراها في القصور الاسلامية بشكل عام، هذه الرسومات والملامح الهندسية موجودة بطريقة معينة تشكل النسق الجمالي للقصر كله. والنصوص التي نجدها في زخارف العصر تشمل آيات من القرآن الكريم وأبياتاً من الشعر وتعبيرات دينية بأشكال هندسية، وحتى الآن فإن العلماء لا يزالون يفسرون قصر الحمراء على انه صورة كونية تمثل السموات السبع حيث ان السقف الخشبي يمكن ان يكون نوعاً من الرسم التمثيلي للسموات في حين ان فكرة المملكة الأرضية يمكن ـ من الناحية الرمزية ـ ان تقام تحت هذا السقف المدعم بحوائط تتخللها فجوات. وهناك عنصران أساسيان أديا إلى هذا التفسير، العنصر الأول يتناول مضمون النقوش القرآنية والشعرية ذات العلاقة ببعض الصور المرئية التي تشكل العنصر الثاني. وكلا العنصرين يشكلان الابعاد الجمالية الموضوعية التي يرتبط كل منها بالآخر في علاقة حسية تمنح الشكل الهندسي معنى وتتضمن أنواعاً مختلفة للظواهر المدركة، في حين ان الاشياء التي نراها أو نقرأها أو على الاقل نتذكرها تنتج من الناحية المنطقية نوعية من المدركات: البصري والنصي. هذه اللغة الجمالية الخاصة يجب ان تكتشف أولاً من أجل ان نبين ان التفسير المذكور خاطئ، وثانياً لكي نضع بدلاً منه تفسيراً جديداً. العمارة المستحيلة في فصل بعنوان: علوم الهندسة في قصر الحمراء تقول المؤلفة إن هذا الفصل تم تخصيصه للحديث عن الهندسة في الفن الإسلامي مستعينة في ذلك مرة أخرى بقصر الحمراء كمثال بسبب الاستخدام المكثف الماهر للزينة الهندسية في تصميمه. هذه الدراسة سوف تسمح لنا بتطوير المناقشات السابقة، وفيما يتعلق بعلم الهندسة من حيث النظرية والتطبيق وعلاقته بالفن بأن هناك كتاباً مهماً من تأليف نيسيبوجلو توضح فيه نشأة الهندسة الفنية في اطار فكري للاسلام في العصور الوسطى حيث ركزت في كتابها على وجه الخصوص على الفن المعماري العباسي في بغداد الذي يتميز بالعلمية والفلسفية، كما تناولت المؤلفة الهندسة الاسلامية من زاوية مبتكرة هي زاوية الاعراض. وبفضل هذه الطريقة، فقد سلطت المؤلفة الضوء على ظاهرة جمالية مهمة هي ظاهرة السلالات والحكومات المختلفة قبل ظهور امبراطوريات حديثة كبرى مثل العثمانيين والمغول التي استخدمت الهندسة في تمثيلها السياسي، بحيث يستطيع اي شخص ان يميز اسلوبهم الفني المعماري في أي عصر وزمان. وعلى سبيل المثال فإن البنايات في أسبانيا الاسلامية أو المغرب أو ايران لا يمكن ان تخطئها العين أو تخلط بينها وبين البنايات الأخرى، حيث ان كل نمط أو نموذج معماري يتميز بصفات هندسية خاصة به دون غيره وله صفات ينفرد بها عن غيره. باختصار هذه البرامج الهندسية والزخارف كانت بمثابة شعار لسيادة المسلمين، بل كانت «ماركة مسجلة» وأي شخص يزور قصر الحمراء يجد نفسه للوهلة الأولى مغموراً بانطباع مرئي يراه بعينه عن الهندسة المتطورة في الفن المعماري ككل، هذا الانطباع له أسباب دقيقة لم تكن مفهومة من قبل ولا تزال تمثل تحدياً لكل من يراها. وقد كشفت العديد من الدراسات الهيكلية للزخارف الهندسية بقصر الحمراء ان نطاقاً واسعاً للأنظمة الحسابية يحكم تصميم هذا المبنى. يتكون هيكل المبنى من أجسام هندسية على شكل دوائر ومستطيلات بداخلها اكثر من فناء وحجرات عديدة، وعلى الرغم من ان العناصر التي تغطي هذه الوحدات الهندسية المصنوعة من الأرفف خشبية والقباب لها تأثير بصري وتدل على المهارة الهندسية، إلا انها من وجهة نظر التقنية البنائية لم تتطلب هذا القدر من التنظيم ويمكن تقسيم هندسيات قصر الحمراء إلى ثلاثة أقسام: الهندسة التخيلية ـ الهندسة الحركية أو الديناميكية ـ الهندسة الناجمة عن المفاهيم المجردة، وهذه الاقسام تتبع قواعد خاصة بالادراك الحسي ومنطق جمالي خاص يفرق بينها. وفي مبنى قصر الحمراء هناك ثلاثة أنواع عامة وشاملة تتوافق مع ثلاث لغات محددة لكنها أيضاً لها نفس الصفات والقدرات أو تتحد مع بعضها البعض لكي تشكل هندسة مهجنة ان جاز التعبير. أما فيما يتعلق بالهندسة التخيلية للقصر فإن هناك نقطة مهمة تتعلق بوظيفة أو مهمة هذا النوع من التعبير الهندسي، هذه المهمة يمكن ان تكون مفهومة حيث انها توفر بديلاً جاهزاً للتمثيل المباشر والتي كانت الثقافة والحضارة الاسلامية اكثر ميلاً إلى تطويرها. أما ما يتعلق بالهندسة الحركية أو الديناميكية فإن أهم مثال على هذا النوع من الهندسة هو الحمام الملكي، فهناك جداول أفقية عديدة أسفل الحوائط في الغرف وفي الارضيات.. جميعها طبقت عليها الهندسة الحركية. هذا النوع من الهندسة يتميز بوجود حركة جمالية موضوعية ودائمة تحول نفسها ـ في عين الناظر ـ إلى حركة تجريبية وظرفية. وفيما يتعلق بالهندسة ذات المفاهيم المجردة فإنها تمتد عبر جداول الخزف العديدة، وتظهر تطوراتها وحركاتها بطريقة زخرفية نادرة مثل جدران قاعة الشقيقتين وغيرها. ومصطلح «المفاهيم» يعني الخط الرئيسي الذي يحدد هذا النظام الهندسي الذي ليس حركة بالقطع وليس تشكيلياً وليس مجازياً لكن التعبير الجمالي لهذا النوع من الهندسة كهدف نموذجي ناجم عن تفكير حسابي وهي أسمى أشكال انتاجات العقل البشري. ومتى تم تحديد هوية أو شكل هذا النوع الهندسي فإن التحليل يمكن ان يتركز على نقطتين رئيستين: الأولى ترجع إلى فهم نظامها العددي مثلما تفهم الخطوط الهندسية والثانية تتعلق بالقيمة الفلسفية التي يحدثها المفهوم الهندسي عن طريق الوسائط الفنية أي الانعكاس على مفهوم الهندسة نفسه. هكذا نخلص إلى القول ان هذا القصر المشيد بعبقرية فذة يقدم نوعاً من الفهم الجمالي الذي يوفر للناظر إليه عدة أنواع من المتع البصرية تتعلق كل منها بالأخرى في اطار خبرات متعددة يمكن ان يدركها الناظر إليها ويفهمها دون أي اعاقة لفهم الشكل الجمالي النهائي المبهر. ومن هذا المنطلق فإن الشخص وهو ينظر إلى هذا المبنى الرائع يجد نفسه أمام أنواع حية عديدة ومشروعات فكرية وتخيلية رائعة وأفكار جديدة ومفاهيم لم يصادفها من قبل (مثل الهندسة القائمة على المفاهيم). واجمالا فإن هذا المبنى يحتفظ بشخصية مميزة من جميع الاشكال والزوايا ويؤكد في النهاية، وهو مثال حي على القوة الاسلامية التي يجسدها والتي تستحق ان ندرسها ونتعمق في جوهرها. تأليف: فاليري جونزاليس

طباعة Email
تعليقات

تعليقات