ليست ارجنتين أخرى، لولا: اتركوا البرازيل تسوي شئونها بنفسها

الثلاثاء 16 شعبان 1423 هـ الموافق 22 أكتوبر 2002 لويس إيناسيو «لولا» داسليفا، مرشح حزب العمال اليساري لمنصب الرئاسة في البرازيل هو الفائز المرجح للجولة الحاسمة في الانتخابات في اواخر اكتوبر الجاري. وقد اجرى محرر «لوس انجلوس تايمز» مؤخراً حوارا مطولا مع لويس داسليفا تحدث فيه عن المشهد الاقتصادي المتردي في بلاده وتأثره بسياسات الولايات المتحدة، وسلط الضوء على البرنامج الاصلاحي الذي يحمله حزبه مؤكداً على ان البرازيل بلد كبير بامكانيات صناعية فكرية وعلمية كبيرة ولا ينبغي بحال من الاحوال التقليل من شأنها او مقارنتها بالارجنتين. وقال ان مفتاح الانتعاش الاقتصادي يكمن في احترام الذات واستقلالية البرازيل عن المؤثرات الخارجية. وفيما يلي نص الحوار كاملا: ـ برأيك، ما هي الأسباب التي تقف وراء تزعزع الاسواق في البرازيل؟ ـ ظن الناس ان قيام صندوق النقد الدولي بارسال المال لنا يعني تلقائيا ان اقتصادنا سيستقر ومشكلاتنا ستنتهي. لكن ذلك لم يحدث، وهناك العديد من العوامل التي علينا اخذها بعين الاعتبار لفهم ما يجري. اولا الاقتصاد الاميركي بحد ذاته ليس في افضل احواله والامور بشكل عام ليست رائعة كما اعتقدنا انها ستكون فالشركات الاميركية الصناعية العظيمة التي طالما حسدناها تمر بأوقات عسيرة جلبت التزعزع والتقلب للأسواق. ثانيا، من بين كل عشر كلمات تفوه بها الرئيس الأميركي، هناك تسع كلمات عن الحرب اي انه يحاول ايجاد عدو لتبرير الحاجة للحرب وهذا ايضا يؤدي الى انعدام الاستقرار في الاسواق. ثالثا، في شهر يونيو الماضي اصدرت الحكومة البرازيلية سندات دين بالقطع الاجنبي وهي الآن لا تريد اعادة شراء تلك السندات وهذا يعني ان الناس سوف يلهثون وراء الدولار لأن الطلب اكبر من العرض. كل هذه العوامل ادت الى الوضع المتردي الذي نواجهه اليوم. ان ناشري الشائعات كتلك القائلة ان البرازيل قد تصبح ارجنتين اخرى بسب الانتخابات، او ان الدولار سيشهد ارتفاعا مثيرا او ان اسواق البورصة في طريقها للانخفاض بسبب الانتخابات، سيرتد كيدهم في نحرهم. والقنبلة سوف تنفجر في حجر مروجي الاشاعات. نحن جميعاً نعرف ان اقتصادنا يمر بمرحلة ضعف، وهذا سبب آخر يستدعي منا عدم التلاعب به. البرازيل ليست جمهورية موز. وبلدنا لن يفلس. بمقدور البرازيل ان تتعافى من اعتلالها ان حظيت بحكومة تدرك انه ليس بوسع اي بلد في العالم القيام بوظيفته، اذا كان معدل فائدة المدفوعات الحكومية على شئونها الامنية الخاصة اقل من معدلات فوائد الاستثمارات في الشركات الكبرى. علينا ان نستثمر في الانتاج. علينا ان نجني المال من الانتاج وايجاد فرص العمل وتوليد الثروات. وعندما تقوم الحكومة برفع معدلات الفائدة بشكل مفاجيء، تبدأ عندها التكهنات والافتراضات، ونفقد تركيزنا على الانتاج ويظهر بذلك ضعفنا وقابليتنا للاضمحلال. هدفنا الاساسي هو البدء في النمو من جديد وايجاد فرص عمل اذ لا يمكننا الاستمرار مع تواصل نسب البطالة الحالية. لقد اصابنا الفقر والعجز من جراء ذلك. الاقتصاد البرازيلي اعتاد ان يكون اقتصاد نمو. وقد حققنا معدلات نمو كبيرة في الخمسينيات الى الثمانينيات ووصلت تلك المعدلات احيانا الى 10 بالمئة و11 بالمئة وخلال رئاسة جوسكلينو كوبيتشكه (1961ـ 1965) حققنا نموا بمعدل 7 بالمئة في السنة في حين كان معدل نمو الانتاج الصناعي 80 بالمئة في السنة ومعدل نمو الآليات والمعادن 380 بالمئة في حين نما متوسط دخل الفرد البرازيلي بمعدل يساوي ثلاثة اضعاف معدل نمو دخل الفرد في اي بلد لاتيني آخر. لذلك فأنا متفائل نحن نمر في مرحلة انتقالية ونتأثر بضعف الاقتصاد العالمي والتكهنات حول الحرب المحتملة ضد العراق واذا بدأنا نؤمن في انتاجنا مرة اخرى اذا استخدمنا مواردنا لتوليد الثروات وفرص العمل سوف نجتذب المستثمرين بدون شك لقد قدمت الحكومة الحالية للمستثمرين الموجودات العامة باسعار متدنية ومعدلات فائدة مرتفعة اما نحن فنريد ان نقدم البنية التحتية، نريد ان نقدم العمالة الماهرة نريد ان نقدم الاسواق وفي النهاية هذا ما يرغب به اي مستثمر اجنبي. ـ يجاول الاقتصاديون في حزب العمال بان الهدف الذي حددته الحكومة الحالية لنفسها للوصول الى معدل تضخم يتراوح بين 3 و4 بالمئة هو هدف غير واقعي ويتوقع من ادارتكم ان نرفع الهدف لجعله منسجما مع النمو لكن صندوق النقد الدولي لا يحبذ معدلات التضخم العالية مارأيك في هذا اذا اخذت بعين الاعتبار الاتفاق الحالي مع صندوق النقد الدولي؟ ـ ان الحكومة الحالية لم تف بتعهداتها الخاصة بالتضخم، الوضع المثالي لاي بلد هو انخفاض معدل التضخم الى ادنى مستوى ممكن لكن السيطرة على التضخم لايمكن ان تبرر عدم نمو الاقتصاد منذ ثماني سنوات واذا كان علينا ان نختار بين بلوغ معدل تضخم قدره 3 او 3.5 او 4 بالمئة وتحقيق نمو اقتصادي ينبغي لنا ان نختار صيغة توازن تضمن ان تعود بالفائدة على الأغلبية لايماني بالتعامل مع الاقتصاد على انه علم محض، ولا تستطيع اليوم تحديد الهدف الأمثل الذي يجب بلوغه بالنسبة لمعدل التضخم في شهر ديسمبر، لأن الأمور لا تسير بهذا الشكل. ما يمكنك فعله هو الإعلان عن النتيجة المثلى المرجوة، وتطبيق آليات تسعى لبلوغ أدنى معدل تضخم ممكن. برغم كل شيء فإن الاشخاص الأكثر تضرراً من التضخم هم العمال ذوو الرواتب والعاطلون عن العمل الذين ليس لديهم حسابات متضمنة فوائد للتعويض عن التضخم. وإذا فزنا في الانتخابات، سوف نعمل من أجل خفض معدل التخضم الى أدنى مستوى ممكن، ولن أعطي أرقاماً محددة لكي لا أجد نفسي في نفس وضع الحكومة الحالية التي فشلت في بلوغ الأهداف التي حددتها لنفسها. لكن استطيع القول اننا عندما نتحدث مع صندوق النقد الدولي سوف نوضح لهم اننا نريد استقلالاً ذاتياً لنقرر بأنفسنا ما سنفعله محلياً.أعود وأكرر انني لن أقبل بمعاملة البرازيل وكأنها بلد تافه هزيل. انه بلد كبير يمتلك قاعدة صناعية وفكرية وتكنولوجية ضخمة. ونحن لسنا بحاجة لمن يخبرنا ماذا نفعل، تماماً كما اننا لم نعتد التدخل في الاقتصادات الاخرى. لم أسمع قط أحداً يعطي الولايات المتحدة نصائح عن الموازنات العامة المزورة التي تلفقها شركاتها الكبرى. لكن هنا يستطيع كل من هب ودب ان يتدخل ويثير الشكوك حول اقتصادنا. وإذا كنا نتمتع بقدر كاف من احترام الذات، يجب ألا نسمح بذلك. لذلك فإننا نحتاج لقدر كبير من احترام الذات. نحن بلد راشد، لدينا مقاولون واتحادات عمال واتحادات طلبة، وجميعهم منشغلون بالهم البرازيلي. ولا يمكننا استنساخ نماذج أو صفات اقتصادية معدة مسبقاً في الخارج. وإذا كان الأمر كذلك، لأمكننا استئجار عشرة اقتصاديين حائزين على جائزة نوبل لادارة اقتصادنا، وستحل المشكلة. طريقنا الوحيد الى التقدم هو استئناف نمونا، ينبغي لاقتصادنا ان يبدأ بالنمو من جديد. ولقد أظهرت زراعتنا السنة الماضية امكانياتها الاستثنائية، حيث تمخضت عن فائض تجاري قدره 18.5 مليار دولار. سيكون بمقدورنا فعل ما هو أكثر من ذلك عندما نبدأ في رفع قيمة المنتجات التي نصدرها. لماذا لا نصدر دقيق الصويا عوضاً عن فول الصويا؟ والقهوة المطحونة الجاهزة بدلاً من حبوب البن؟ والاحذية والحقائب بدلاً من الجلد الأولي. وهذا سيجعلنا أكثر منافسة في هذا العالم المعولم. ـ كيف يمكن الموازنة بين متطلبات الديمقراطية والسياسة المالية الصارمة التي يطالب بها صندوق النقد الدولي؟ ـ السياسة المالية الجيدة تساعدك على العمل باتجاه العدالة الاجتماعية.. كيف يمكننا القيام بذلك؟ من خلال الحوار العريض المفتوح. المجتمع المدني والادارة يجب ان يناقشا المقترحات قبل ارسالها الى المجلس التشريعي، وينبغي للمجتمع المدني ان يخبر ممثليه ما يريد منهم فعله. واذا فزت بالانتخابات الرئاسية ارغب في دخول التاريخ بأن اصبح اول رئيس يوجد عقدا اجتماعيا جديدا في هذا البلد ولقد بدأنا بالفعل العمل في هذا الاتجاه وحاليا لدينا فريق يتحادث مع وكالة البنية التحتية البرازيلية لمناقشة المشكلات المتعلقة بالبنية التحتية ولدينا لجنة في سوق الاسهم تناقش الدور الجديد لاسواق المال في ظل حكومتنا وكذلك فريق يعمل مع اتحاد مسئولي المصارف لمناقشة النظام المالي لا احد يعرف كل الاجابات ولا احد يمتلك الحقيقة كاملة لا حزبنا ولا اي حزب آخر. ويجب بناء الحلول بما ينسجم مع المصالح الوطنية. ـ هل لك ان تشرح لنا افكارك حول نظام جمع الضرائب ومدخرات التقاعد، وكيف ستساعد الاقتصاد البرازيلي؟ ـ هناك شيئان اريد القيام بهما. اننا بحاجة للمال، ونحن بلد رأسمالي تعاني الرأسمالية فيه من العجز عمليا لانه يلزم تخصيص 28 من اجمالي ناتجنا القومي لتغطية الديون والالتزامات القانونية ولا يبقى لنا سوى 17 بالمئة للمدخرات الداخلية لذلك علينا دعم انشاء صناديق تقاعد لكافة فئات العمال. نريد ايضا انشاء اتحادات تسليف لنزيد الاموال المتداولة وكذلك فاننا نعتزم القيام باصلاحات في انظمة التقاعد الخاصة. ومع اتجاه الاقتصاد البرازيلي نحو الانتعاش سنشهد ازدياد اقبال انضمام العمال الى القطاع الرسمي من الاقتصاد وهذا بالتأكيد سيفضي الى تقليص العجز في ميزانيات التقاعد الخاصة. وتحتاج الدولة ايضا لجمع اموال الضرائب ليس فقط لتغطية نفقاتها بل ايضا لتستطيع القيام بالعمل الاجتماعي، لدينا 43 مليون شخص جائع، لايتاح لهم تناول الكميات الضرورية من السعرات الحرارية والبروتينات في البرازيل لا يحب الناس دفع الضرائب لانهم لايرون الضرائب تعود اليهم على شكل اعانات ومزايا. ان خدمات المدارس والرعاية الصحية العامة غير كافية، لذلك يضطر الناس إلى تحمل تكاليف المدارس والرعاية الصحية الخاصة ثم يتهربون من الضرائب. انا مقتنع ان بامكاننا تقليص اعباء الضرائب وفي الوقت ذاته زيادة المبالغ المجموعة من الضرائب وانا لا املك عصى سحرية لذلك اريد اشراك المجتمع المدني في الحوار. ـ ما الذي يمكن فعله لزيادة الانتاجية وتوليد ثروات جديدة في البرازيل؟ ـ تحتاج لبرازيل لفحص دقيق شامل دعني اعطيك مثالا: المزارعون الذين يربون الماشية ويستثمرون في التكنولوجيا الحديثة ينتجون رؤوس ماشية بمواصفات وجودة افضل. بالطبع هم ينفقون اكثر لكن عندما يبيعون لحوم ماشيتهم لمصانع معالجة اللحوم فان السعر الذي يحصلون عليه هو نفس السعر الذي يحصل عليه اصحاب قطعان الماشية متدنية الجودة والمصابة بالحشرات وينطبق الشيء نفسه على الجلود لذلك يجب تعديل وضبط الانظمة ويجب ان يجتمع اصحاب مزارع المواشي ومصانع معالجة اللحوم ليتوصلوا سويا الى سياسة تسمح للناس بالحصول على مردود مادي مقابل الاستثمارات التي يقومون بها. واعتقد ان هذا هو السبب الذي يقف وراء فشل الاشتراكية فاذا كان العامل الذي ينتج عشر قطع يتقاضى نفس الاجر الذي يتقاضاه العامل الذي ينتج مئة قطعة. في النهاية ستجد ان جميع العمال اصبحوا ينتجون عشر قطع فقط بسبب غياب الحافز لزيادة انتاجهم لذلك اعتقد اننا يجب ان نكافيء الاستثمارات في التكنولوجيا ونكافيء الجودة لكي نشجع عليها. ونحن نعتزم تبني خطة لتخفيف اعباء تكلفة الانتاج ولتسهيل تأسيس المشاريع الشخصية الصغيرة وعلينا ازالة العراقيل والمعوقات لان هذا اقتصاد رأسمالي يجب تحريره من القيود والاصفاد حتى يعمل بفعالية يوفر للناس البيئة المناسبة لاقامة المشاريع والاستثمارات ولابد لنا من التخلص من البروتين البيروقراطي الفظيع. ـ ماذا سيكون موقفكم من مواصلة العمل على منطقة التجارة الحرة للاميركيين (فتا)؟ ـ في 15 يناير المقبل سيكون على البرازيل ان تجلس وتتفاوض ماهي نقاط الخلاف الاربع؟ اولا اعتقد ان افضل نموذج دمج للبرازيل كان يمكن ان يكمن في ايجاد مؤسسات متعددة الاطراف منذ فترة التوقيع على اول بروتوكول وبذلك كان يمكن لنا ان نصل الى عام 2005 بوضع متماسك الى درجة معينة. الاتحاد الاوروبي استغرق وقتا اطول لكي يتماسك، لكنهم هناك اوجدوا مؤسسات اقتصادية تعاونية منذ عقود وتقدموا بعد ذلك نحو البرلمان الاوروبي والبنك الاوروبي المركزي. ـ كنا نتمنى ان تكون كتلة التجارة اللاتينية المعروفة بـ «الميركوسور» في وضع افضل الآن بحيث يمكننا ان نتفاوض مع الـ «فتا» ككتلة موحدة ماهي المشاكل التي سوف نواجهها؟ ـ الولايات المتحدة هي البلد الوحيد الذي يمتلك استرتيجيات بعيد المدى، فهي تفكر مليا في الامور، ولها رؤية للمستقبل وتحسب كل خطوة تخطوها لدرجة اننا قبل ان نبدأ في مفاوضات ال«فتا» في فبراير كانت الولايات المتحدة قد وسعت قائمة منتجاتها الحساسة لتشمل 510 منتجات ـ اي المنتجات التي يمكن للبرازيل ان تكون اكثر منافسة فيها كما وافقت الحكومة على رصد 196 مليار دولار على مدى ثمانية اعوام كاعانات حكومية للزراعة الاميركية. لذلك علينا ان نتوخى الحذر فالبرازيل هي ثاني اكبر اقتصاد في نصف الكرة الشمالي، لدينا صناعات ونريد لها ان تبقى، لدينا زراعة ونريد لها ان تبقى، لذلك علينا ان ندخل هذه المفاوضات مرفوعي الرأس، لا احد سيحترمك اذا لم تحترم نفسك. نحن نؤيد التجارة الحرة طالما هناك مساواة عملية وفعالة في المناظرات بين الاطراف اذ هناك عشرين منتجا من صادراتنا الرئيسية تواجه تعرفة جمركية قدرها 40 بالمئة في الولايات المتحدة وفي المقابل فاننا نفرض تعرفة جمركية بقيمة 13 بالمئة فقط على العشرين منتج الاساسي التي نستوردها. عندما تناولت العشاء مع السفيرة الاميركية سألتني: «ماذا بوسعي ان اخبر الحكومة الاميركية لكي لايخافوا منك؟» اجبتها اخبريهم انه لايوجد مسوغ للخوف مني كل ما اريد فعله هو نفس ما يفعلونه هم من اجل الشعب الاميركي. اولا وقبل كل شيء سوف ادافع عن مصالح الشعب البرازيلي. عندها فقط يمكننا التحدث عن مصالح الشعوب الاخرى هذا ما يفعله الالمان والايطاليون والبريطانيون والاميركيون فقط في اميركيا اللاتينية التي تسودها فئات حاكمة بعقليات كولونيالية، نعتقد اننا اذ كنا لطفاء وكرماء مع الاخرين، سوف يعاملوننا بالمثل. خدمة «لوس انجلوس تايمز» خاص لـ «البيان»

طباعة Email
تعليقات

تعليقات