كتاب ـ الجيل الشامخ منتصب القامة (3) ـ الأجيال تتناقل نصوص الذاكرة الوحشية، ثلاثة عناصر تمنح عملية أوسلو قيمتها رغم عيوبها

الثلاثاء 16 شعبان 1423 هـ الموافق 22 أكتوبر 2002 من وجهة نظر دولية، فإن أحداث الحرب العالمية الثانية أدت إلى تغيير كبير في مكانة الصهيونية في الدول الغربية، كما أحدثت تغييراً آخر على الوضع الجيوسياسي في الشرق الأوسط بشكل هائل. فقد نجم عن كارثة يهود أوروبا التعاطف الواضح العلني مع الصهيونية، الذي جعل الحكومات والشعوب الأوروبية تنظر إلى الصهيونية على أنها ممثل سياسي وحيد لليهود ومستقبلهم، والدعم السياسي الجديد للحركة الصهيونية كان بمثابة كتاب تحرر وانعتاق بالنسبة لأوروبا من اتهامات الماضي، وصعود الحركة الصهيونية كقوة سياسية واضحة فتح المجال أمام أوروبا للتوجه لمساعدة هذه الحركة، بضمير مرتاح مما دفع بالوكالة اليهودية للعمل على تهجير مئات الألوف اليهود إلى فلسطين، مستغلة التعاون البريطاني وإن لم يكن كاملا، فقد فرضت السلطات البريطانية قيودا على المهاجرين اليهود غير القانونيين، ولكن قيادة الإستيطان اليهودي استطاعت تخطيها والإلتفاف عليها بنجاح. كما كانت الحال مع القيود الأخرى المتعلقة بالتسليح والتنظيم العسكري، وتمكنت الحركة في أعوام الأربعينيات من القيام بتسليح ضخم واستيطان كبير. وفي المقابل، كانت ردود الفعل الفلسطينية على تعاظم الصهيونية على الساحتين الدولية والإقليمية، بطيئة وهزيلة، ذلك أن إيمانهم بالعدل التاريخي المسلم به شجّعهم على تجاهل لعبة القوى الجيوسياسية المحيطة بهم. فالقيادة الفلسطينية بزعامة الحاج أمين الحسيني، والتي رفضت بقوة وبالمطلق كل اقتراح بشأن تسوية اقليمية مع الصهيونية، اعتبرت سياستها أمراً طبيعيا. وعقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، تبلورت في كل من مصر وسوريا والأردن ولبنان والعراق دول مستقلة، ضمن عملية تركت آثاراً كبيرة على الأجواء السائدة لدى الشعب الفلسطيني، بل على قرارات قيادته. فالفلسطينيون لم يكن لديهم أي سبب للتفكير والإعتقاد بأن مستقبلهم الوطني أو القومي سوف يكون مختلفاً عن مستقبل جيرانهم العرب. وفي خضم أحداث عامي 1947 و1948، كانت حياة الفلسطينيين مغلفة بالأمن الوهمي، وكأن مستقبلهم سيكون امتداداً لماضيهم، كان هذا هو العالم الحضاري والسياسي للجيل الفلسطيني الذي أصبح بين عشية وضحاها الضحية المأساوية. ومن جانب آخر، فإن مشروع التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة في أواخر عام 1947 خصص لدولة اليهود أراضي معظمها في مناطق ذات أغلبية يهودية، كما أنه في المنطقة المخصصة لدولة اليهود، كان يسكن في حينه خمسمائة وعشرون ألف يهودي، وإلى جانبهم وبينهم ثلاثمائة وعشرون ألف فلسطيني. وكان واضحاً بأنه على سائر أراضي فلسطين ـ أرض إسرائيل الغربية- كما يسمونها ـ سوف تقوم دولة عربية دون اتفاق مسبق حول طبيعتها، إذ أن الدولة البريطانية كانت تود منحها للهاشميين الواقعين تحت وصايتها في حين أيدت دول عربية أخرى دولة فلسطينية مع الميل لجعل القدس تحت إدارة دولية. لكن رفض الفلسطينيين لمشروع التقسيم كان مطلقاً، ولا يزال يواكب الصراع الإسرائيلي الفلسطيني حتى يومنا هذا، وإن الكثيرين من الإسرائيليين لا يزالون يعتبرون الرفض الفلسطيني للتقسيم مبرراً كاملاً وعادلاً لحرب عام 1948 ولاحتلال مساحات واسعة خارج نطاق التقسيم، أما الفلسطينيون فلا يزالون يكررون القول والتذكير بحدود التقسيم كأساس ممكن للتفاوض حول تسوية إقليمية. جيل البقاء كان الاستيطان اليهودي منظماً من الناحية العسكرية والمدنية، ولم تكن أمامه طرق للانسحاب كما هي حال الفلسطينيين الذين توجهوا إلى الدول العربية المجاورة بشكل مؤقت، حسب ظنهم، خوفاً من تطور النجاحات العسكرية الإسرائيلية إلى تطهير عرقي مبرمج، فالهدف الإسرائيلي كان احتلال أكبر قدر من المساحات والأراضي، وبالفعل احتل الجيش الإسرائيلي في نهاية الحرب ما يقرب من تسعة الآف كيلومتر مربع، عدا عن المساحات المخصصة للدولة اليهودية سابقاً، وقد فاقت النتيجة توقعاتهم، ومن الجانب الفلسطيني تم طرد ثلاثة أرباع مليون لاجئ فلسطيني من أرض ظلت بعد الحرب تحت السيادة الإسرائيلية، بالإضافة إلى أكثر من أربعمائة قرية تم تدميرها وتخريبها، هذه هي محصلة النكبة ـ الكارثة الفلسطينية عام 1948، وقد بقي داخل حدود إسرائيل عند إنتهاء الحرب 160 ألف شخص ـ أقل من خمس السكان الأصليين الذين كانوا في البلاد عام 1947، يشار هنا إلى أن الطبقة المتوسطة المدنية تم محوها بالكامل تقريباً، فمعظم الباقين هم من القرويين قليلي الثقافة والعلم ومسلوبي الممتلكات. إنّ نصفهم كانوا مهجّرين داخلياً، أي تم تدمير مجتمعاتهم، فوجدوا أنفسهم بلا أملاك أو مكانة، لقد كان الشرخ الديموغرافي عميقاً جداً، وجيل عام 1948 الذي تلاشى تقريباً من الناحيتين الديموغرافية والجغرافية، أصبح جيل البقاء. وخلال الأعوام الأولى التي أعقبت الحرب، عمل الفلسطينيون في إسرائيل كما هو حال إخوانهم الذين تحولوا إلى لاجئين عبر الحدود - على البقاء الطبيعي، والصراع من أجل حل مشكلات يومية ملموسة، فقد تمزقت العائلات وفقدت أملاكها، بل فقدت العلاقة فيما بينها وانفصلت عن أماكن ولادتها. لقد عمل الفلسطينيون بشكل متواصل ومضن في أمور تتعلق بوجودهم، وكيف يمكن تجاوز فصل الشتاء القاسي والمثلج لعام 1950 (عام الثلجة) ضمن ظروف سكن مؤقتة، وكيفية إيجاد العمل وإطعام الأطفال، وانعدام الأمل في التوحد مع الأقارب، الذين أصبحت مصائرهم مجهولة. ولم يكن هؤلاء بقادرين على فهم وإدراك الأسباب والضربات التي انهالت عليهم من كل جانب. هذا بالإضافة إلى إنعدام الأمل الذي كان وحيداً لديهم ـ والمتمثل في وصول الدعم والمساعدة من العالم العربي-، وبالتالي أدركوا أن الحرب قد أسدلت أستارها واستقر الحال على النحو الذي أفرزته الحرب: فالذي خرج لاجئاً ربما سيبقى كذلك حتى نهاية العمر، والذي بقي وجد نفسه مواطناً في دولة جديدة مفروضة قسراً على وطنه وشعبه، وهي التي حولت الفلسطينيين في ومضة عين من أصحاب الأرض والوطن إلى أقلية محاصرة باسم (عرب إسرائيل). وتداول اليهود مفهوم (عرب). كاسم جماعي للفلسطينيين منذ بداية الحركة الصهيونية. تعبير (عرب إسرائيل) دخل القاموس العبري اليومي في الخمسينيات، والتغيير اللغوي لم يأت جزافاً، وإنما كان فعلاً سياسياً واضحاً حول الشعب الفلسطيني المرتبط بالأرض المحلية، بفضل حق الآباء وحقوق الولادة وتحولت إلى جماعة تفتقر إلى التاريخ. وفي غياب ذكر كونهم من مواليد المكان، فإن الإضافة اللغوية تطرح إسرائيل شرطاً للوجود الأساسي. وعدا عن الجانب اللغوي فالمصطلح ينطوي على إشكاليات بسبب تفضيله الابهام، أو الغموض الاقليمي على الخصوصية المحلية. فالعرب تسمية أضفت أسمها على مجموعات متنوعة تشمل مئات الملايين من سواحل المحيط الأطلسي وحتى وسط آسيا، وبالتالي فإن العرب هم أصحاب قاسم مشترك حضاري وليس إقليمياً، وكونهم هكذا لا يشكل تهديداً فعلياً للمشروع الاثنو إقليمي الإسرائيلي، لكن الفلسطينيين في المقابل هم جماعة ذات ارتباط واضح بأرض أقيمت عليها دولة إسرائيل، والتسمية تثير الإسرائيليين الذين يرفضون وبكل قوة وعناد تذكّر أن هذا المكان كان إلى ما قبل فترة وجيزة وطن شعب آخر، ومن ثم فإن تبني المصطلح الرسمي (عرب إسرائيل) وتناسي الفلسطينيين كان بمثابة خطوة واحدة ضمن عملية واسعة وشاملة ومخطط لها. من جانب آخر فإن مصطلح (جيل الباقين) لا يتطرق فقط إلى الواقع الديموغرافي الجديد لما نسبته 17% من الفلسطينيين الذين بقوا داخل إسرائيل (أصبحوا 19.3% حسب الإحصاء الأخير)، بل يعبر أيضاً عن ضياع قدرة هؤلاء على النضال من أجل نيل حقوقهم والحفاظ على كرامتهم. فالحالة التي أصبحوا عليها تمثل أزمة شخصية وعائلية ومجتمعية واقتصادية وثقافية، وهي أيضاً بمثابة صدمة عنيفة جداً ومأزقٍ حاد. صحيح أن إسرائيل منحت الفلسطينيين جنسية كاملة اعتيادية، وجعلتهم ضمن دائرة إحصاء السكان الأول، بالإضافة إلى منحهم حق الإنتخاب والترشيح في الكنيست، غير أنها في المقابل فرضت عليهم حكماً عسكرياً، بالإضافة إلى سلسلة من القيود تستند إلى قوانين الطوارئ، التي خلّفها الانتداب البريطاني، وهكذا حاصر الحكم العسكري الفلسطينيين في مناطق محدودة، كما أنه ركز معظم الصلاحيات المدنية بيد ضباط الجيش، فموافقة الحاكم العسكري كانت مطلوبة في تصاريح التنقل والعمل ورخص البناء، وكل المعاملات المرتبطة بالدوائر الرسمية، والتعاون بين الحكم العسكري والمؤسسة السياسية الحزبية، قلّل حتى الحد الأدنى من قدرة وإمكانية المواطنين الفلسطينيين على النضال من أجل حقوقهم. المغزى الواضح تلك كانت الظروف التي تبلورت خلالها أنماط العلاقة بين الأقلية الفلسطينية والدولة والأغلبية الإسرائيلية، وهو النمط الذي لا تزال معظم عناصره باقية حتى يومنا هذا. لقد شهد «الجيل الباقي» عمليات الاستيلاء العسكرية على الأراضي الفلسطينية، وقوانين الكنيست وعلى رأسها قانون أملاك الغائبين 1950، وقانون مصادقة العمليات (التملك والتعويضات 1953)، بالإضافة إلى تفسيرات إسرائيلية جديدة للقوانين الانتدابية، أفرزت نظاماً قضائياً يعزز من طرق سلب أملاك الفلسطينيين، فقانون أملاك الغائبين على سبيل المثال، أوصد الباب في وجه حقوق وممتلكات ألوف اللاجئين الذين طردوا من بيوتهم وتوزعوا في الدول العربية، وألحق الأذى باللاجئين الداخليين الذين وجدوا لهم ملاذاً في أماكن أخرى داخل إسرائيل، ولكن تم تعريفهم بموجب القانون (كحاضرين غائبين)، وكثيرون منهم وقفوا عاجزين، وهم يرون كيف يتم تحويل ممتلكاتهم وأراضيهم إلى كيبوتسات وقرى تعاونية. كما يشار هنا إلى أن إسرائيل خلال الأعوام 1949 ـ 1953 قامت بنقل السكان البدو في منطقة النقب من أماكنهم عنوة، ورحلت قسماً منهم عبر الحدود إلى الأردن وجبل الخليل، وآخرين إلى منطقة المثلث بين بئر السبع وديمونا. وفي عام 1950 تم استكمال إبعاد السكان الفلسطينيين من المجدل في الجنوب، ومن كفر برعم في الشمال وعدد من القرى الأخرى. وكانت العلاقة بين إسرائيل والجيل الباقي، تمر بقناة المخاتير والمتعاونين مع السلطة. وبعض هؤلاء أصبحوا أثرياء من خلال صفقات مع الدولة، وهكذا فإن نمط الحياة اليومي تراوح بين الخنوع والإذعان بسب الضرورة الملحة للبقاء، وبين المرارة والتذمر المكبوتين. وقانون المواطنة (العودة) صدر في إسرائيل عام 1950 وهو بمثابة إجراء قانوني بسيط، لكنه ناجح، حيث ألغى في الواقع الحق الآلي في المواطنة النابع من كون الشخص مولوداً على هذه الأرض، ووضع بدائل أخرى، أحدها يعترف بحق الولادة للشخص كشرط أساسي للحصول على الجنسية مع إضافة شرط آخر هو الوجود المتواصل للشخص في منزله طيلة أيام الحرب، وعدم السكن في منطقة كانت خاضعة لقوة عارضت قيام الدولة ووجودها. والمغزى واضح، فمئات الألوف من اللاجئين الفلسطينيين من مواليد فلسطين قبل عام 1948 من حقهم الحصول على الجنسية في الوضع العادي الطبيعي، لكن هذا الشرط يسلبهم هذا الحق. بينما يحصل الإسرائيليون على الجنسية بطريقة سهلة، لا مثيل لها في العالم، بسبب كونهم يهوداً. وهكذا سلب المشروع الإسرائيلي الحق من الفلسطينيين ومنحه للإسرائيليين، وبالتالي فإن قانون العودة لا يزال يشكل العائق الرئيسي، في وجه اللاجئين الفلسطينيين الراغبين في الحصول على المواطنة في الدولة، التي قامت على أرض آبائهم وأجدادهم. وأبناء جيل عام 1948 الذين بقوا في إسرائيل، لم تكن لديهم ثقة بأجهزة النظام الإسرائيلي. ومنهم من امتنع عن التوجه إلى أجهزة الدولة من أجل الدفاع عن حقوقهم، وبدلاً من ذلك طوروا في الخفاء الأمل القائل إن هذه الظاهرة الغريبة المدعوة «إسرائيل» لن تدوم طويلاً، واكتفوا بألا تحمل السياسة العنصرية ضدهم طابعاً أكثر عدوانية، وظل الكثيرون منهم يعتقدون بأن الدول العربية والأمم المتحدة سوف تعتني بقضيتهم على عجل، وسوف يقوم ممثلو القانون الدولي بوضع حد لمعاناتهم. وعلى الصعيد المحلي، لم تكن أجهزة القضاء، منصفة في الدعاوى التي يتقدم بها الفلسطينيون، فكانت تجابهها بالرفض بشكل عام، مع الميل إلى قبول إدعاءات ومزاعم أجهزة السلطة، وبالذات تلك الصادرة عن وزارة الدفاع. وخلال العقود الأولى لقيام دولة إسرائيل، شارك الفلسطينيون في إنتخابات الكنيست والسلطات المحلية، بإذعان يدعو إلى الاستغراب، وكان «جيل الباقين» يتوجه إلى صناديق الاقتراع بنسب عالية وإلى جانب أحزاب السلطة، على أمل الحصول على فتات من الدولة وحكامها الجدد. وطبقت إسرائيل قوانين الطوارئ البريطانية الصادرة عام 1945، إلى جانب القانون الذي يمنع على العاملين في سلك التدريس المشاركة في أي نشاط سياسي، ولذلك اعتبر الفلسطينيون وزارة التعليم أداة لتجريدهم من هويتهم القومية التاريخية والحضارية، من منطلق أن إسرائيل تعمل على شطب هذا الجيل من على الخارطة. وغياب الناس منذ عام 1948 لا يزال يخيم بآثاره على مناطقهم. فالفلسطينيون الذين كتب عليهم التذكر، مع قلة يهودية ترفض أن تنسى، يتلمسون هذا الوجود، فالوجود الإنساني ليس تعرجات أو نتوءات أرضية، يمكن للجرافات محوها، وجيل عام 1948 يواصل البقاء كحلقة ترتبط بالتاريخ والهوية. وظل أبناء هذا الجيل يحملون معلم الوجود الفلسطيني، انهم نفائس المتاحف الشفوية، المحافظون على مفاتيح الحديد الكبرى للمنازل التي تم إغلاقها على عجل، وهم حملة أوراق الكوشانات بالتركية والعربية والعبرية والإنجليزية، ويحملون في دواخلهم دعاوى حق العودة ويرفضون بشدة أية محاولة لمحوهم من الوجود. استعادة الكرامة الضائعة لم تكن كارثة 1948 تمثل النهاية بالنسبة للفلسطينيين، بل كانت نقطة انطلاق نحو حياة جديدة مختلفة ملأى بالذكريات وخيبات الأمل، والكثيرون من أبناء الجيل الأول للنكبة، سواء كتب عليهم العيش لاجئين في إسرائيل أو خارجها، لا يزالون يحملون هوياتهم الشخصية التي تثبت أماكن ولادتهم، وكثير من العائلات تحمل أسماء المدن والقرى المدمرة مثل الداموني وميعاري ومجدلاوي وعكاوي. من جانب آخر فإن قدرة جيل البقاء على الانطلاق نحو النضال السياسي الفاعل كانت ضئيلة جداً، ومثلت حركة الأرض التجربة الأبرز في هذا السياق، والتي تم قمعها في نهاية الخمسينيات بسلسلة قرارات إدارية وأحكام تستهدف التقييد، حالت قوانين الحكم العسكري دون تبلور أية بنية تنظيمية للفلسطينيين، وقام الحزب الشيوعي فيما بعد بفعاليات ومبادرات على هذا الصعيد، وكذلك حركة أبناء البلد ولكن إسرائيل بقوة قمعها وقوانين الحكم العسكري خففت هذه النشاطات، وحالت دون تشكيل «نواة مقاومة سياسية فعلية» لكن الذي لا يمكن قمعه هو الأدب الذي يجسد مشاعر الضياع وحفظ الذاكرة الجماعية ورفع المعنويات القومية. ولو أن قوانين الحكم العسكري طالت هذا النشاط أيضاً، فقيّدت النشر مما اضطر شعراء أمثال توفيق زياد ومحمود درويش وأميل حبيبي واميل توما وراشد حسين وسميح القاسم وحنا أبو حنا، وآخرين إلى النشر في الخفاء، والكثير منهم تعرض للاعتقالات الإدارية والاعتقال لفترات طويلة. ومن السجون انطلق أدب المقاومة، وفي غياب الأدوات السياسية الشرعية في الخمسينيات والستينيات، تحول النضال الأدبي إلى فعاليات سياسية. وعمل الناس في حياتهم اليومية على النضال من أجل البقاء، فقد كان العمل وتربية الأولاد وترميم المنازل والحفاظ على اللغة العربية بمثابة إعلان سياسي للنضال. وكان الشعار المطروح هو «تحسين الظروف» ولم يتحدث أحد على الإطلاق عن المساواة في الحقوق. وفي عام 1959 قبل أعوام من انتخابه من قبل الحزب الشيوعي، عضواً في الكنيست ورئيساً لبلدية الناصرة، كتب الشاعر المرحوم توفيق زياد باسم أولئك الذين كرسوا حياتهم للمحافظة على العهد. وأبناء الجيل الثالث من الفلسطينيين في إسرائيل، الذين قادوا أحداث الميدان في اكتوبر 2000 والانتخابات الخاصة برئاسة الحكومة التي فاز فيها شارون على ايهود باراك في فبراير 2001، ولدوا في يوم الأرض عام 1976، وقد وصلوا إلى ذروة النضج السياسي على خطين متوازيين: الإحباط من النضال المدني لنيل حقوقهم في إسرائيل، ونضوج الحركة الوطنية الفلسطينية في المناطق المحتلة والشتات. وفي الانتفاضة الأولى ظهرت الحركة الوطنية الفلسطينية في أفق حياتهم، هذه الانتفاضة التي أعادت للفلسطينيين كرامتهم الضائعة في نظر أنفسهم ونظر الشعوب العربية، كما ضمنت اعترافاً دولياً بمنظمة التحرير الفلسطينية ـ ولربما كان لتعاطف الفلسطينيين مع العراق في حرب الخليج عام 1991 دور في تأجيل مؤقت لهذه المسألة ـ، لكن عرفات كزعيم وطني محبوب إلى جانب القيادة الفلسطينية في الشتات استطاعوا الموافقة على المشاركة غير المباشرة في مؤتمر مدريد عام 1991، ودخول المسار، والذي قاد مباشرة لعملية أوسلو 1993م. ويعتقد الكثيرون ونحن منهم، بأن عملية أوسلو انطوت على عيب وخلل في الأساس، كما أن الجدوى التي عادت على الشعب الفلسطيني منها مشكوك في أمرها، ولكن على الرغم من جميع هذه العيوب فإن أوسلو تضمنت ثلاثة عناصر هي: تأكيد الدعم الدولي الجارف لمبدأ استقلالية سياسية فلسطينية بموافقة إسرائيلية، وعودة القيادة الوطنية إلى الضفة والقطاع، وإرساء عملية تحويل تدريجي لمساحات واسعة من الأرض المحتلة للسيادة الفلسطينية. إن أهداف الحركة الوطنية الفلسطينية بعيدة المنال والتحقيق، ولكن هذه الإنجازات بعد مرور ثمانين عاماً من التراجع المتواصل تعتبر محسوسة وواعدة، وعلى ضوئها يتبلور خيار القومية الفلسطينية كعنصر هوية مركزي بالنسبة للشباب الفلسطيني في إسرائيل، فالشعور الوطني المتنامي يتخطى الحدود الطبيعية الجغرافية والدينية، ويطرح أمامهم محوراً للتضامن، كما يوفر قاعدة صلبة لهوية شخصية متجددة. من جهة أخرى فإن النجاح النسبي للمشروع الوطني الفلسطيني في أعوام التسعينيات، كشف بشكل كبير قلة الإنجازات بواسطة النضال المدني ضد إسرائيل. ورويداً رويداً بدأ الكثير من الشباب الفلسطيني ينظر إلى النضال المدني(ومن ضمنه الكنيست) على أنه ساحة شاقة ومنافسة مريرة مهينة ومخزية، مقابل فتات من الكرامة، وهي غير قادرة أيضاً على تقديم حلول لمسائل الهوية والانتماء. أخذ الوعي الوطني الفلسطيني يحل محل خيارات التضامن الأخرى التي توفرت لدى الفلسطينيين في إسرائيل، خلال العقود الماضية. فالقومية العربية بصيغتها الناصرية أثارت الكثيرين في الخمسينيات والستينيات، وظلت إلى فترة قصيرة مضت مجرد ذكرى فقط، وهناك مقاربات أخرى كنموذج البعث العراقي والسوري في الثمانينيات والتسعينيات، والذي انهار في حرب الخليج، ولا تزال علاقات الأنظمة العربية مع الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة غامضة، ولم يطرأ التحسن الذي كان متوقعاً على العلاقات بين مصر والعراق في نهاية العام 2000، بالإضافة إلى التناقض الذي يراه كثير من الفلسطينيين في علاقة التقارب بين عضو الكنيست الدكتور عزمي بشارة والقيادة السورية. كما أن العلاقات الفلسطينية السورية لم يطرأ عليها تحسن في سبتمبر 2001، وكل هذه العوامل تشير إلى صعوبة جعل القومية العربية بؤرة تضامن للفلسطينيين، وخيار التضامن الإسلامي غير موفق على ما يبدو في وضع المشروع الوطني الفلسطيني في الظل. وكما هي حال معظم دول العالم، فإن الساحة المحلية هي التي تطرح على جيل العولمة والإنترنت هوية تضامنية ومعنى ديناميكياً مقنعاً. والفلسطينيون ليسوا مختلفين عن سائر الشعوب والدول الأخرى الخاضعة للتناقضات، فعلى الرغم من تزايد العناصر شبه القومية والشمولية، فإن فكرة القومية لا تزال فاعلة على صعيد الهوية. والحركات الإسلامية في المناطق الفلسطينية وداخل إسرائيل لا تعكس عملية شبه قومية فعلية، كما لا تطرح بدائل للهوية القومية وإنما تستمد قوتها من خلال وضعها لنفسها كتعبير أكثر نجاعة وأكثر وضوحاً في إخراج الجدول اليومي القومي أو الوطني إلى حيز التنفيذ، وإنها الصيغة الأكثر مباشرة للرد على تعقيدات القمع والإهانات اليومية التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي. نصوص الذاكرة الوحشية شباب «الجيل الشامخ» يعرفون النكبة من خلال الشهادات المسموعة والمقروءة، إذ أن الأسر والجماعات تناقلت قصص عام 1948 كنصوص مقدسة، فمن جيل إلى جيل، أصبحت هذه النصوص ترمز إلى لب الاجماع الوطني والقيم الموحدة. وهذا الجيل يدرك جيداً معاناة الأجداد أو الجيل الباقي، كما أنهم شاهدوا بأم أعينهم عملية السحق التي تعرض لها آباؤهم، فهم شهود واعون وحساسون سياسياً. من جانب آخر فإن النضال المدني الذي استنزف الجيل السابق لهم جعلهم فارغي الصبر وهم في سن الشباب، وهم يدركون جيداً وتيرة الحياة المثيرة التي يعيشونها، حيث لا يملكون القوة والوقت لجولة فارغة من وعود السلطة التي لا قيمة لها. وخلافاً لآبائهم فإنهم واضحون يقظون، والوعود التي تقدمها أحزاب صهيونية وحكومات بمنح المساواة لا تجد صدى في نفوسهم، فهم قادرون على تحديد معايير التمييز والاجحاف بكل سهولة، والأمور التي قبل أباؤهم بابتلاعها تبعث في نفوسهم الغضب الكبير، والأساسيات عند أبناء وبنات الجيل الشامخ، هي النضال مع الدولة والصراع بين الأجيال والإيديولوجيات والصراع الطبقي والصراع الديني والصراع التعريفي، وتقوم الكليات والجامعات في إسرائيل بلعب دور مثير في سلسلة الصراعات هذه وفي إطار العلاقات المعقدة. وقضية الجميع هي الوطنية الفلسطينية ومكانها في حياتهم الفردية والجماعية. فالميدان الجامعي الإسرائيلي يشكل موقعاً معقداً، يثير البلبلة للشباب الفلسطيني، فهو يمثل حلبة احتكاك يومية بين الإسرائيليين والفلسطينيين، كما أن الالتقاء بالمجتمع الإسرائيلي يعمق لديهم الشعور (بالصراع كأسلوب حياة لأقلية) فالكلية والجامعة لا تحاول دمجهم بالفعل، حيث تعتبرهم مجموعة مختلفة وبعيدة ومتكتلة ومتذمرة، وترفض الذوبان. من جهة أخرى فإنه من المستحيل أن تكون الساحة الجامعية، مكاناً ثنائياً خاضعاً لهيمنة صهيونية، وبعد هذا كله، فإن الشباب الفلسطيني ينظر إلى الجامعة كمؤسسة مهمة يأمل بمساعدتها على محو الفوارق وتحقيق المساواة. وعلى الصعيد الشخصي فإن التعليم العالي والحصول على مهنة قيمة، تشكل المفتاح لحياة أفضل، أما على الصعيد الجماعي، فإن موقع الجامعة في لب المشروع الحديث والعصري يثير توقعات وتطلعات لاجراء حضاري شامل يقود نحو تغيير اجتماعي وسياسي. لقد نظرت الأجيال المختلفة إلى الدراسة الجامعية نظرات متباينة، فالقلة من جيل البقاء الذين تمكنوا من الوصول إلى الجامعات مالوا إلى عدم التذمر، وتعاملوا مع ضائقتهم على أنها مشكلات شخصية، وأبناء وبنات الجيل المسحوق كانوا أكثر انتقاداً وتذمراً، وقد انعكس هذا الأمر في السبعينيات من خلال تأسيس لجان مستقلة للطلاب العرب، وبدأت الزعامات الطلابية في الموازاة بين المواجهة الشخصية للطلاب، وبين وضع الجمهور الفلسطيني في إسرائيل من نقطة إانطلاق مختلفة وضعيفة، وبعض هؤلاء هم اليوم أعضاء كنيست من قبل الأحزاب العربية. من جانب آخر، فإن عدداً من الأسئلة التي شغلت بال ذلك الجيل، لا تزال تقلق زعماء الطلاب أبناء الجيل الشامخ، فخلود بدوي رئيسة اتحاد الطلاب العرب بجامعة حيفا والتي تم انتخابها مؤخراً ـ رئيسة للجنة القطرية للطلاب العرب، تحدثت في بداية عام 2001 عن الاحساس بالتنكر الذي يشعر به الطلاب العرب الفلسطينيون في الجامعات الإسرائيلية، وقالت: «كل شيء غريب ومختلف، نصل إلى الكلية، وسرعان ما يتوجب علينا تعلم كيفية ترتيب أنفسنا في وسط جديد، ينطوي على تهديدات ومخاطر، فنحن لا نعرف كيف نقرأ الأمور واللغة أجنبية، فأنا مثلا ترعرعت في مدينة عربية، ولم أسمع تقريباً حديثاً يومياً باللغة العبرية، وجميع معلوماتي هي محصلة دراستي اللغة في المدرسة، وفي الجامعة أدرس العربية لكن لغة التدريس هي العبرية. والشعور بالغربة يزداد مع الزمن ومعه الشعور بالتنكر، وهذا كله يحدث بشكل عام، بعيداً عن الوضع الخاص للطالبات اللواتي يتعرضن لضغط أكبر، فهن مطالبات بالمحافظة على أنفسهن بموجب القيم والأعراف والتقاليد العربية بينما يتم إعفاء الشباب العربي من هذه الضغوط.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات