سؤال يطرحه المراقبون في غياب البدائل، هل يصل مفهوم حل الدولتين إلى طريق مسدود ؟

الاثنين 15 شعبان 1423 هـ الموافق 21 أكتوبر 2002 هناك مفهوم جوهري وأساسي يحدد منذ سنوات الجهود المبذولة للتوصل للسلام بين الاسرائيليين والفلسطينيين، هذا المفهوم هو حل الدولتين. الاشخاص الذين شاركوا طوال سنوات في الجهود من اجل احلال السلام في الشرق الاوسط توصلوا في الآونة الاخيرة الى استنتاج ان أفضل وسيلة للجميع هي الحل القائم على دولتين سياديتين غربي نهر الاردن: اسرائيل وفلسطين. وأنا واحد من هؤلاء الاشخاص باعتباري كنت وسيطا ومساعدا في بلورة اتفاقات اوسلو عام 1993 وأصبحت اليوم منسقا خاصا للامم المتحدة لعملية السلام في الشرق الاوسط. انشاء الدولة الفلسطينية القادرة على الوجود الى جانب اسرائيل مازال مسألة ممكنة، ولكن ليس لفترة طويلة على ما يبدو، اذا أخذنا التوجهات التي نلمسها في يومنا هذا. الوضع الامني المتدهور والذي يتغذى من العنف واسع النطاق ضد المدنيين، اضافة الى الأزمة الانسانية التي لا يوجد لها مثيل في المناطق الفلسطينية، والتدمير التدريجي للسلطة الفلسطينية وتفشي المستوطنات. هذه الاتجاهات تطرح تساؤلين مقلقين جدا: هل يقترب حل الدولتين الذي كان أساسا لكل جهودنا من اجل التوصل للسلام من نهاية الطريق؟ واذا كان الجواب بالايجاب فهل يوجد لدينا استعداد لمواجهة النتائج؟. (اننا موجودون في مفترق حاسم فعلا، والامر الذي يجسد ذلك أكثر من أي شيء آخر هو الفجوة الكبيرة بين الجهود الدبلوماسية وبين الوضع الكارثي القائم على الارض. من الناحية الدبلوماسية قامت الرباعية الدولية (امريكا وروسيا والامم المتحدة واوروبا) ببلورة اجماع دولي لا سابق له حول السبل الموصلة الى السلام الشامل. والخارطة الارشادية المذكورة تقوم على امور منها اعتراف الجامعة العربية باسرائيل في الربيع وعلى خطاب بوش في يونيو المنصرمين، هذا الخطاب الذي حدد بوضوح تصوره حول الدولة الفلسطينية القائمة الى جانب اسرائيل. ولكن هذه الخطوات الدبلوماسية الواعدة تتصادم وجها لوجه مع الوضع الكارثي القائم في الضفة وغزة. وفي اوساط الجانبين المتخاصمين يوجد اشخاص بناؤون يؤمنون بحل الدولتين، وهناك ايضا الهدامون الذين يعملون على تدمير هذا الحل. البناؤون الاسرائيليون والفلسطينيون يعتقدون ان أفضل وسيلة لتوفير السلام والأمن والازدهار للمنطقة هي اقامة دولة فلسطينية ديمقراطية في الضفة وغزة. والهدامون الاسرائيليون والفلسطينيون يطمحون للسيطرة الكاملة على الارض على حساب الطرف الآخر. الاتجاهات الحالية القائمة تظهر ان الهدامين هم المسيطرون على القمة. أولا الألم والارتياب المتزايدان في الجانبين إثر مقتل أكثر من 600 اسرائيلي و2000 فلسطيني يصعبان الشروع في المفاوضات بدرجة كبيرة. وثانيا، هناك كارثة انسانية في الضفة وغزة بقدر لا يمكن تصوره. وثالثا، اسرائيل قامت بتدمير مؤسسات السلطة الفلسطينية الضرورية لاقامة الدولة المزدهرة والساعية للسلام. أما الاتجاه الرابع، وربما الأهم من كل الاتجاهات، فهو الانتشار المتواصل للمستوطنات. فالمستوطنات والشوارع والطرقات التي تخدمها قد تطوق القدس الشرقية وتعزلها عن الضفة التي ستقطع الى جزأين، كما ان شمال الضفة سيتقطع من خلال المستوطنات التي تحيط بيت لحم والخليل في الجنوب. هذه الاتجاهات سرعان ما ستحول اقامة الدولة الفلسطينية القادرة على البقاء الى مسألة غير ممكنة. ماذا يعني ذلك؟ اذا أبقت اسرائيل في يديها سيطرة شاملة على الضفة وغزة فاحدى الامكانيات هي ان يعيش الفلسطينيون في بنتوستانات تحت إمرة القادة العسكريين المحليين - وهو وضع لا يوفر لهم الحرية التي يتطلعون اليها ويضمن في الوقت ذاته تواصل المس بأمن اسرائيل. أما الخيار الثاني فهو الترانسفير (الترحيل الجماعي). حل الدولتين ما زال حيا يرزق، الا ان الامر سيتطلب بذل جهود فورية من قبل الاسرائيليين والفلسطينيين، وبدعم من الأسرة الدولية لحرفنا عن طريق الهدامين. وأنا أعتقد ان هذه المسألة ممكنة على أساس استطلاعين نظما في شهر أغسطس الماضي والقائلين ان أغلبية الاسرائيليين تؤيد اقامة دولة فلسطينية شريطة ان يتبنى الفلسطينيون سياسة اللاعنف، كما أظهرت نتائج الاستطلاعين ان اغلبية الفلسطينيين تؤيد استخدام الوسائل غير العنيفة. وأنا اسأل الشعب الاسرائيلي: هل يوجد لديكم استعداد للعودة الى طاولة المفاوضات فورا وايقاف كل الأنشطة الاستيطانية والعمل مع الفلسطينيين والأسرة الدولية على اقامة دولة فلسطينية قادرة على الوجود؟ واذا كان الجواب «لا»، فهل يوجد لديكم استعداد لتحمل النتائج؟ أما الشعب الفلسطيني فأسأله: هل أنتم مستعدون لايقاف كل أشكال العنف وليس الارهاب فحسب؟ وهل تدركون مثل الكثيرين من قادتكم الآن ان العنف لم يفعل الا ان ألحق الأذى بتطلعاتكم الوطنية؟. كما أقول للأسرة الدولية: ان هذا هو الوقت الملائم للعمل باصرار من اجل العودة الى عملية السلام المؤدية لحل الدولتين. واذا لم نفعل ذلك فان علينا ان نستعد لمواجهة نتائج وفاة هذا الحل. بقلم: ترياه لارسن عن «هآرتس»

طباعة Email
تعليقات

تعليقات