ثمن رصاصة الكلاشنكوف ارتفع إلى 14 ضعفا، الاسرائيليون يشترون الوقت السياسي بوسائل عسكرية دموية

الاثنين 15 شعبان 1423 هـ الموافق 21 أكتوبر 2002 ثمن رصاصة الكلاشينكوف ارتفع في الفترة الاخيرة في غزة الى 14 شيكلا، مقابل شيكل واحد او اثنين قبل عدة اشهر من منظور قائد المنطقة الجنوبية وقائد الوحدة في القطاع، هذا ليس معطى آخر عن وضع الاقتصاد الفلسطيني، بل هذا معطى ميداني يدل على انهما يسيران بالاتجاه الصحيح وفق وجهة نظرهما وانهما ينجحان حتى الان في تنفيذ المهمة المركزية التي كلفهما بها المستوى السياسي - كسب قليل من الوقت السياسي بوسائل عسكرية. النشاطات القاسية للجيش الاسرائيلي في القطاع - ضد التهريب، ضد قواعد انتاج الوسائل القتالية وضد رجال «فتح» في هذا المجال - تعطي أُكلها، حيث اتضح في المواجهات الاخيرة بأن المرة الاولى التي اطلق فيها الفلسطينيون النار بالسلاح الذي معهم كانت في المواجهة نفسها، الرصاص غال جدا ولا يضيعونه على التدريبات. من ناحية القادة الميدانيين هذا معطى استخباري مهم ذلك لان معظم الفلسطينين الذين واجهونهم مؤخرا ابدوا ثقة متدنية بالنفس وقدرة قتالية اقل مستوى، هذا بالضبط ما حصل في بداية الاسبوع الماضي مع رجال الاحتياط الذين صادفوا في الحدود المصرية رجلين من فتح، كان الاثنان، من اعضاء الجناح المنشق التابع لابو الريش، قد خرجا من جنوب القطاع، واجتازا الحدود المصرية - التي من السهل اختراقها - ودخلا الى الحدود الاسرائيلية في محاولة لتنفيذ عملية داخل مستوطنة - حيث قتلا على يد جنود الاحتياط ولكن من الواضح انهما لو أبديا مقاومة لكانت المواجهة ستنتهي على نحو آخر. الاجتياحات العميقة داخل قطاع غزة بدأت في فبراير الماضي ولكن الموجة الاكبر - 35 اجتياحا بريا، بحجم كتائب والويه - الى جانب عشرات الهجمات من البحر بما في ذلك الانزال في العمق الفلسطيني المأهول - تم في ابريل ومايو على طول عملية «السور الواقي» وكان الميل هو اطفاء، بوابل من نيران المدفعية وقوات المشاه، موجة العنف التي خُططت لها للخروج من غزة لمساعدة الاخوة في الضفة. حقا تمت الحيلولة دون موجة العنف مما ادى الى صدور ادعاءات صعبة في الضفة ازاء رجال القطاع: اين كنتم حين دخل الجيش وخرج من مخيمات اللاجئين ومدننا؟ وهذا الضغط على رجال القطاع، بفعل شيء، اجبرهم على استخدام اسلوب تكتيكي اعتبر في نظرهم سلاحا ردعيا: صواريخ قسام على نمط صواريخ الكاتيوشا لحزب الله في الشمال. منذ ابريل اطلق 31 صاروخا قساميا بدون أي أثر حاسم، وأهدر الفلسطينيون الردع، حيث بدأوا بقسام - 1 مع رأس متفجر صغير بمدى اقل من كيلو متر، وانتقلوا الى قسام - 2، مع رأس 90 ملليمترا بمدى 5 - 6 كم ومؤخرا استخدموا قسام - 3 برأس 140ميليمتر ومدى 6كم، والاستخدام غير الناجح بهذا السلاح، قضى على عنصر الردع. لا يقال ان اطلاق قسام يأتي بدافع اقتصادي غير بسيط وليس فقط ايديولوجي او استراتيجي، حيث ان كل من يستخدم هذا السلاح يحصل على مائة دولار للاطلاق، وثمة اليوم اقوال تتردد عن وجود اموال طائلة في غزة، بالمناسبة، كان المسئول عن موضوع السلاح الاستراتيجي هو محمد ضيف، قبل ان يخلف صلاح شحادة كقائد عسكري لحماس لقد ادار ضيف مشروعين استراتيجيين: الاول - صواريخ قسام، والثاني - خلايا عرب التي من المفروض ان تضرب وسط اسرائيل في الاوقات الحاسمة مثل الخلايا المقدسية التي تجولت ببطاقات هوية زرقاء وزرعت الدمار وكشف جهاز الشاباك، مؤخرا، الخلايا النائمة هذه في الرملة. في عمليات الجيش الاسرائيلي ضد البنى الانتاجية دمرت عشرات المشاغل وفُجرت حوالي 150 مخرطة ومنذ سبتمبر فقط دمر اكثر من 80 مخرطة وبعض اصحاب المخارط التي بقيت سالمة قاموا بنقلها الى اماكن اخرى، وبعضهم طرد من قبل اصحاب البيوت خوفا من ان يقصفوا البيت، والنتيجة هي انخفاض في حجم انتاج قذائف الهاون، قنابل ووسائل قتالية اخرى من انتاج ذاتي وبالتالي انخفاض في حجم اطلاق النار، اضافة الى ذلك اغلق الجيش الاسرائيلي مؤخرا اكثر من 30 نفقا لتهريب وسائل قتالية من رفح الى القطاع، كذلك هذا ما نشعر به على الارض. من الان يمكن القول ان نتائج تحرك القيادة الجنوبية اخرجت الشوكة من المطلب الذي يسمع في اسرائيل باحتلال القطاع بواسطة اربع فرق، من جهة ثانية فان الوقت الذي يكسبه الجيش لصالح المستوى السياسي، الوقت المرتبط به خطر على الحياة، لم يستغل، بكلمات اخرى: الانجازات العسكرية هي مؤقتة فقط، ذلك لان النفق الذي يتم اغلاقه يمكن اعادة حفره خلال ثلاثة - أربعة اسابيع فقط في بداية الاسبوع، في عملية رفح، تم كشف نفق هدم وأعُيد فتحه من جديد. نقل الجيش قطاع غزة الى وضع ما يسمى بـ «ارهاب محتمل» وزيادة الضغط لن يساهم جوهريا في الامن على الارض ولا يمكن تجاهل ضغوط الامريكيين بعدم اثارة ضجيج زائد: لقد دخلت المنطقة الى فترة انتقالية، واذا لم تستغل اللحظة المناسبة من قبل المستوى السياسي فانها ستختفي وسيعود الجيش في قابل الايام لاستخدام قوات كبيرة لا احد يعرف آخرها. يفهمون في الجيش الاسرائيلي ان الجميع ينتظر شيئا ما ولكن هذا الشيء هو مؤتمر حزب، حرب في العراق، الانتخابات - كل انواع المحطات التي يأمل السياسيون ان تؤدي الى انعطافة الانعطافة العسكرية الوحيدة المتوقع حدوثها في الاونة القريبة هي تحديدا في الجبهة الداخلية - الفلسطينية حسب المؤشرات ينوي محمد دحلان توجيه ضربة عسكرية الى حماس تعيدها الى مكانها الطبيعي كمعارضة محتملة للسلطة ورقم 2 بعد «فتح» في هذه اللحظة يستغل دحلان تصفية قائد قوات التدخل السريع في الشرطة الفلسطينية راجح ابو لحية على يد رجال حماس من اجل ان يوجه انذارا لحماس: تسليم الجناة، من الصعب بالنسبة لحماس ان تسلم قائد مخيمات الوسط، لذلك اذا لم تقم اسرائيل بخطوة على غرار تصفية شحادة، توحد الصف في الشارع الفلسطيني فان التقديرات هي ان المواجهة مسلحة بين حماس ورجال فتح والسلطة ستكون وشيكة. يقف الى جانب دحلان ألوف من رجال اجهزة الامن، الامن الوقائي، الشرطة العسكرية والاستخبارات العسكرية في غزة: لقد كان ولا يزال الزعيم الابرز للحركة الوطنية، غير الاصولية في القطاع، والمواجهة مع حماس ستضعه في اختبار القوة التي سينمو منها كوريث شرعي لعرفات. دحلان ليس فقط يحافظ على مكانته السياسية - بعد ان استقال من منصبه كمستشار للامن القومي - ولكنه ايضا يحافظ على مكانته الاقتصادية قبل اسبوعين اجرى زيارة الى بلدية غزة وأجرى مع رئيس البلدية مباحثات حول توفير مواد البناء لمشروعات البنية التحتية، تم الاتفاق على ان تأخذ البلدية 60 في المائة من مواد البناء والباقي يذهب للمقاولين من القطاع الخاص.سؤال: ما علاقة دحلان بالبناء؟ جواب كرئيس الامن الوقائي، فانه يسيطر على نقل المواد الخام للبناء من اسرائيل عبر معبر كارني، وهو لا يزال يشد الخيوط حتى اليوم، ذلك لانه لا يمكن الحفاظ على القوة بدون اموال مع كل الاحترام للسياسة، يجب ان تكسب الرزق من شيء ما. النشطاء جدا في محاولات الوساطة بين حماس وفتح هم ممثلو البعث العراقي في القطاع الحركة الهامشية والنائمة في الشارع الفلسطيني والتي نشطت واستيقظت مجددا على ضوء المواجهة القريبة مع العراق. قبل ايام معدودة من هدم المقاطعة في سبتمبر الماضي وصلت الى اسرائيل معلومة عن ورقة عمل تسمى «خريطة الطرق» تتبلور في واشنطن وتفصل المراحل التي ستقود الى التسوية الدائمة والدولة الفلسطينية، ارسل المدير العام لمكتب رئيس الحكومة، دوف فيسغلس، في تلك الايام لاجراء عدة لقاءات في البيت الابيض من اجل ازالة أي سوء فهم في قضية المقاطعة ولكن طلب منه ايضا التأكد من ان الوثيقة المتبلورة لم تتجاوز التفاهمات التي احرزت خلال ست زيارات لشارون في الولايات المتحدة. والغريب هو ان «خريطة الطرق» التي خافوا منها في اسرائيل، تستند الى الافكار التي طرحها رئيس الحكومة شارون في واشنطن سابقا الافكار التي تضمنها ايضا خطاب بوش حول الحل في الشرق الاوسط مثلا، فكرة انجاز المسيرة السياسية على ثلاثة مراحل الواردة في «خريطة الطرق» الجديدة، هي بالاصل فكرة ارييل شارون. الفرق هو ان ما كان عموميا بدون اشارة لتواريخ محددة، في ورقة شارون، تحول لدى رجال البنتاغون الى ورقة حاسمة، تلزم ايضا اسرائيل بفعل شيء ما، وهذا امر مقلق لرئيس الحكومة: لذلك، عشية زيارة شارون الى الولايات المتحدة، مؤخرا، تم تجنيد رجال مجموعة الضغط اليهودية في الولايات المتحدة «ايفاك» من اجل تغيير تفاصيل في «الخريطة» غير مقبولة على اسرائيل.كان من المفروض ان تقدم الخطة لاسرائيل - لمطالعتها وابداء الملاحظات - في نهاية الشهر، ولهذا الغرض كان يجب ان يصل الى اسرائيل ثلاثة اشخاص: بليت اوفرت المسئول عن العملية السلمية في البيت الابيض، ومساعد وزير الخارجية وليام بيرنز ونائبه دافيد ساترفيلد وكان من المفروض ان يعرض الثلاثة الافكار ويتلقوا الردود، وان يبلغوا اللجنة الرباعية. في نهاية الامر قرر الاميركيون عرض «خريطة الطرق» في لقاء شارون مع مستشارة الامن القومي كونداليزا رايس فور وصوله الى واشنطن. تشكل «خريطة الطرق»، دمجا بين الميول في البنتاغون والميول في وزارة الخارجية حيث اكد البنتاغون على الاصلاحات وسط قوات الامن الفلسطينية بينما اولت وزارة الخارجية اهمية خاصة لسن الدستور الفلسطيني من اجل ابعاد عرفات عن القيادة عمليا وابقائه في وظائف رمزية: بصورة عامة تعبر الورقة عن موقف واضح للادارة الاميركية عرفات بقي «شخصية غير مرغوب بها». المرحلة الاولى من الخطة ستنفذ حتى منتصف 2003 في اطارها يجب اجراء اصلاحات في السلطة بما في ذلك اصلاحات دستورية على الفلسطينيين ان يوقفوا العنف وتظهر في الخارطة تفصيلا للخطوات التي عليهم اتخاذها، مع جدول زمني وهنا تكمن الشوكة في الوقت الذي تتحدث فيه اسرائيل عن وقف العنف كجزء من خطوة ما من جانبها، فان «خريطة الطرق» توجد تنسيقا بين الخطوات: في الوقت الذي يعمل الفلسطينيون لوقف العنف على اسرائيل ان تنفذ خطوات في المجال الانساني من خلال ازالة الاطواق ورفع منع التجول ومنح تسهيلات مختلفة. وهذه ليست المشكلة الوحيدة من ناحية شارون: حيث تتحدث «الخريطة» عن انسحاب على مرحلتين: الاولى الانسحاب من المدن والثانية التي ستنتهي حتى منتصف 2003، انسحاب الى حدود 28 سبتمبر - الامر الذي يمكن اجراء انتخابات في السلطة الفلسطينية بالنسبة للمستوطنات، تبنّى معدو الورقة صيغة ميتشل انهم لا يأخذون بعين الاعتبار ما يدعى «بالتكاثرالطبيعي» ويطالبون بالتجميد المطلق، لا شك، ان هذه احدى النقاط التي ستحاول اسرائيل تغييرها.الورقة الجديدة لم تظهر صدفة الان، انها تخدم جهدا دعائيا اميركيا امام العالم العربي، بهدف الظهور كوسيط نزيه وجاءت لبث رسالة بأن اسرائيل لا تتمتع بتغطية تلقائية، والمرحلة الاولى من الخطة ستنفذ بعد الهجوم على العراق، في حين ستنفذ المرحلة الثانية حتى نهاية 2003 بعد الانتخابات في السلطة يعقد مؤتمر دولي يبحث في اقامة دولة فلسطينية مع حدود مؤقتة وشارون حسب المؤشرات معني جدا بهذا المؤتمر حيث ان مجرد انعقاده عشية الانتخابات في اسرائيل سيظهره على انه صاحب خطة سياسية وهو يعمل على تحقيقها. المفاوضات عشية الدولة الفلسطينية المؤقتة ستنتهي في منتصف 2004 في هذه المرحلة ستطرح بالضرورة قضية المستوطنات وقضية التكتل الاستيطاني اليهودي المرحلة الثالثة هي المرحلة الدائمة التي ستنتهي حتى 2006 بتسوية سلمية واقامة دولة فلسطينية في حدود دائمة الى جانب اسرائيل هنا تبرز المشكلات الكبيرة: حق العودة والقدس، ليس ثمة فرصة لان تبدأ الخطة بالتدحرج بجدية قبل الهجوم ضد العراق وبذلك تستطيع اسرائيل ان تخوض معركة صبورة من اجل تغيير بعض الافكار الواردة فيها، من خلال استغلال النقاط التي ستحصل عليها بسبب سلوكها الحسن في الحرب ضد العراق، ولكن السوط يلوح بالجو، في اليوم الذي يلي العراق لن تترك اسرائيل فرصة لكسب الوقت على الساحة السياسية. بقلم: اليكس فيشمان عن «يديعوت أحرونوت»

طباعة Email
تعليقات

تعليقات