العشائر تندفع لملء الفراغ، حماس تخوض غمار مرحلة التحرك الكبير للسيطرة على الشارع الفلسطيني

السبت 13 شعبان 1423 هـ الموافق 19 أكتوبر 2002 الأذرع العسكرية التابعة لحماس أصدرت مؤخراً بيانا تعلن فيه عن مسئوليتها الهجوم في جنوب الخليل، ولكن البيان تضمن ايضا تهجما على السلطة الفلسطينية واتهاما لها بالتعاون مع اسرائيل. وجاء في البيان ان عملية الهجوم في الخليل جاءت ردا على مذبحة خانيونس الصهيونية وعلى المذبحة التي نفذتها السلطة ضد مواطنيها في مخيم النصيرات. الرسالة واضحة وصارخة وتقول ان حماس تخوض حربا على جبهتين، واحدة ضد اسرائيل والاخرى ضد السلطة الفلسطينية التي تقوم بذبح مواطنيها. هذا المنشور لم يكن خطأ ارتكبه أحد المسئولين الصغار في حماس. فمنذ اغتيال قائد قوة مكافحة الشغب العقيد راجح أبو لحية مؤخراً على يد نشطاء مقربين من حماس في وضح النهار في غزة، والقطاع يبدو كساحة حرب بين فتح وحماس. الأطراف الرسمية في الجانبين تدعو للتهدئة والى منع اندلاع حرب أهلية، ولكن تحت سطح الارض تدور حرب على المستوى الميداني بين الجانبين. موقف حماس الرسمي بصدد اغتيال أبو لحية هو انها عملية ثأر شخصية قام بها عماد عقل الذي قتل أحد أقاربه، يوسف عقل، بنيران عناصر أبو لحية خلال تظاهرات الجامعة الاسلامية إثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر. قوات السلطة فرقت المظاهرات في حينه، غير راغبة في ظهورها أمام العالم في ظل هجمات سبتمبر، فقتل ثلاثة وجرح المئات. ومؤخراً اندلعت المصادمات مجددا بين حماس والسلطة الفلسطينية، حيث قتل خمسة اشخاص. وفي هذه الصدامات شاركت عائلات اخرى، غير عائلة عقل، كان أبناؤها قد أصيبوا في مظاهرات الجامعة الاسلامية. العائلات وضعت المتاريس في النصيرات وفي مواقع اخرى وأطلقت النيران باتجاه رجال الشرطة الفلسطينية. فتح حملت حماس مسئولية قتل «راجح أبو لحية» واتهمتها ايضا بالوقوف من وراء الحملة المنسقة التي تتضمن مظاهر حادة مناهضة للسلطة. «شرطة اوسلو»، «شرطة الحكم الذاتي» ما هي الا جزء من المصطلحات التي تستخدمها حماس في حربها الدعائية ضد السلطة. وليس صدفة ان حماس قد تشبثت بذريعة عملية الثأر الشخصية. المجابهات في غزة هي ذروة ضعف السلطة الفلسطينية، هذا الضعف الذي يلقي بظلاله على المجابهة مع اسرائيل ولكنه يعبر عن نفسه في الساحة الفلسطينية من خلال انهيار الاجهزة الامنية الواهنة أصلا والتي شكلتها السلطة الفلسطينية في سنوات اوسلو وعودة الى الآليات السابقة المرتكزة على القانون العشائري. أحداث غزة مؤخراً لم تكن حادثة وحيدة منفردة. فقد نشرت وكالة الأنباء الفلسطينية «وفا» نبأ غريبا يفيد بأن «عائلة دغمش قد نفت أي علاقة لها بالمنشور الذي صدر باسمها مؤخرا وتضمن ثناء على قتل «أبو لحية» وتأكيدا على تضامنها مع الوطن ودعمها لياسر عرفات». وفي هامش الخبر جاء ان المنشور الأصلي كان قد صدر بصورة مخالفة لموقف ممثلي الحمولة وان التوقيت لم يكن مناسبا. النبأ كان مجردا ولم يتضمن تفاصيل اضافية، ولكن تبين ان رفيق دغمش ابن الحمولة قد أصيب هو ايضا في أحداث الجامعة الاسلامية قبل سنة وانه الآن في حالة الموت السريري في المستشفى في غزة، وحمولته نشرت منشورا يثني على تصفية أبو لحية ويشجب السلطة لانها لم تقدم المسئولين عن الأحداث للمحاكمة. الحمولة أوضحت في منشورها ان السلطة لم تدفع نفقات علاج ابنها وادعت ان الاحداث التي وقعت مؤخراً هي تكرار لأحداث الجامعة الاسلامية، «المجرم» هو السلطة، هو المجرم نفسه، والضحية، الشعب الفلسطيني، هو الضحية نفسها. نحن نطالب بمعاقبة المسئولين عن وضع رفيق، والا فان مصيرهم سيكون مثل مصير الأخيرين الذين قتلوا ثم قُتلوا بعد ذلك»، هذا ما جاء في المنشور الأصلي. عائلات اخرى في القطاع أصدرت بيانات مشابهة، الا ان منشور عائلة دغمش أثار غيظا خاصا في اوساط السلطة لان أحد أبناء العائلة هو ضابط كبير في الامن الوقائي في غزة. وقد خضع الضابط للتحقيق إثر نشر المنشور ومارس الامن الوقائي ضغوطاته حتى ينشر منشورا جديدا ينفي الأول، وهذا ما يفسر النبأ الذي نشرته وكالة «وفا».اصدار البيانات لم يكن الخطوة الوحيدة التي قامت بها الحمائل إثر عملية القتل. أبناء هذه الحمائل وضعوا الحواجز على مداخل النصيرات وغيرها من الاماكن وتصادموا مع رجال الشرطة طوال الاسبوع الماضي كله. وقيادة حماس ادعت ان المسألة شخصية، ولكن بعد تراكم «الحوادث الفردية» الكثيرة أخذت السلطة وفتح يرفضون هذا الادعاء ويقولون ان حماس تخفي نواياها السياسية من خلف عملية الثأر الشخصي. اختيار حماس لذريعة الثأر ليس صدفة. الانتفاضة الحالية تتميز بسلسلة من عمليات الثأر «العائلية» ضد أتباع السلطة الفلسطينية وفتح من الذين كان لهم ضلع في قتل أبناء هذه العائلات في ملابسات عديدة. وضعف السلطة يعني ضعف الحماية التي توفرها لأتباعها والحمائل القوية لا تخشى من القيام بعملية الثأر منهم. قبل ثلاثة اسابيع ظهرت جثة نعيم أبو سيف وهي محترقة ومليئة بالرصاص، وهو أحد نشطاء فتح القدامى الذي بدأ نشاطه في الانتفاضة الاولى في صقور فتح التي تخصصت في قتل العملاء، ومع السنوات تحول الى مسئول في السلطة الفلسطينية. عائلة من رفح كان أبو سيف قد قتل أحد أبنائها بتهمة التعاون مع اسرائيل أخذت تتنقل في رفح مع مكبرات الصوت وتقول ان حكم القاتل هو القتل. اكتشاف الجثة بعد اختفاء «أبو سيف» بيومين تسبب في صدور بيان من قائد الامن الوقائي في غزة، رشيد أبو شباك، بأن المسئولين عن القتل سيعاقبون. ولكن السلطة أحجمت عمليا عن الشروع بالحرب ضد الحمولة التي هي من أقوى الحمائل في رفح ومحسوبة ايضا على حركة فتح. وعلى الرغم من البيانات لم يسارع أبو شباك الى معاقبة الحمولة. في حادثة اخرى في بيت لحم، في بداية شهر مايو اكتشفت في مزبلة المدينة جثة مقطوعة الرأس لأحد نشطاء حماس واسمه نمر زواهرة. زواهرة كان سجينا مع آخرين في سجن مؤقت تابع للمخابرات العامة في المدينة حتى بداية عملية «السور الواقي». ومن ثم نقل على ما يبدو الى نشطاء فتح الذين اعتقدوا انه سجين على خلفية التعاون مع اسرائيل. وهكذا قام هؤلاء بقتله والقاء جثته مقطوعة الرأس حتى لا يتعرف عليها أقاربه. العائلة أصدرت بيانا تقول فيه انها تعتبر ضابط التحقيق الفلسطيني (ش) الذي كان يحتجز ابنها حتى عملية «السور الواقي» هو المسئول عن قتله، وأوضحت ان دمه مهدور وان عملية الثأر آتية لا محالة. على خلفية احتلال المدن الفلسطينية لم يعد بامكان جهاز المخابرات العامة ان يعمل، وهكذا يقوم اشخاص ومن بينهم المحافظ محمد المدني بمساعيهم لمصالحة العائلة. (ش) الذي كان شخصية بارزة في المدينة حتى عملية «السور الواقي» انتقل للعمل السري عمليا، وهو يحاول من خلال عائلته ايجاد وسيلة للخلاص من هذه الورطة. مؤخرا جرت عملية تبادل لاطلاق النار بين مجموعات متخاصمة في الامن الوقائي في رام الله، احدى المجموعات موالية لجبريل الرجوب والاخرى من مؤيدي القائد الجديد لجهاز الامن الوقائي زهير مناصرة الذي يحاول الآن ترسيخ مكانته. على رأس المجموعة الثانية يقف محمود الديك الذي كان في السابق من أنصار الرجوب والآن يعمل تحت إمرة مناصرة. تبادل النيران جرى في حي أم الشرايط جنوبي رام الله على الرغم من وجود جنود الجيش الاسرائيلي على مقربة من المكان حيث كانوا يحافظون على حظر التجول هناك. ولحسن الحظ لم يصب أي أحد من الجانبين. عائلة الديك نشرت بيانا شجبت فيه المجموعة المخاصمة، وعلى الرغم من ان عرفات يدعم الآن مناصرة والديك ايضا، الا ان عائلة الديك تدرك ان هذه ليست حادثة منفردة، وقد حذرت وفقا للقانون العشائري من انها ستنتقم ممن يمس بابنها وستطالبه بالمترتبات. هذه الأحداث تنضم لعشرات الحالات التي أصيب بها رجال السلطة الفلسطينية، ولكن ما حدث هو ان السلطة لم تسارع لأخذ الاجراءات ضد المسئولين. وأحداث غزة الاخيرة أوضحت للسلطة ان المسألة ليست مجرد عملية ثأر شخصية وانما حملة منظمة ضدها، وانها اذا لم ترد فستتضرر مكانتها في مواجهة حماس وليس فقط في مواجهة عشائر منفردة. بقلم: أرنون ريغولر عن «هآرتس»

طباعة Email
تعليقات

تعليقات