عجز سياسي أم تحول عقائدي؟، انفصال الديمقراطيين عن قواعدهم الشعبية يدفعهم لتأييد خطوة بوش المقبلة

السبت 13 شعبان 1423 هـ الموافق 19 أكتوبر 2002 أصبح الحزب الديمقراطي الاميركي مستعداً لتوفير هامش مريح من المصادقة البرلمانية على أي قرارات يطلبها الرئيس جورج بوش لشن غزو وشيك للعراق، فقد صادق مجلس النواب يوم الخميس الماضي على اعطاء بوش تخويلاً بشن الحرب بعد اسبوع من الاتفاق بين بوش وزعيم الديمقراطيين في المجلس ريتشارد جيفارت على صياغة القرار. كما ان مجموعة من قادة الديمقراطيين في مجلس الشيوخ امتدحت القرار بمن فيهم هاري ريد ورئيس لجنة العلاقات الخارجية جوزيف بيدن وجون كيري المرشح الرئاسي المحتمل عن الحزب وزعيم منظمة مخضرمي الحرب السابق، والذي اعترض على حرب فيتنام. ونص القرار الذي صادق عليه مجلس النواب الاميركي هو مزيج من المغالطات التي ألقتها ادارة بوش لتبرير هدفها الذي تحاول تحقيقه منذ زمن طويل، وهو غزو العراق واسقاط نظام الرئيس العراقي بما في ذلك الاشارة المتكررة لهجمات 11 سبتمبر، على الرغم من عدم توفر أي دليل على علاقة بغداد بهذه الهجمات. خلاصة القرار انه شيك على بياض لبوش لاستخدام القوة العسكرية ضد العراق: «ان الرئيس مخول باستخدام القوات المسلحة الاميركية حسبما يقرر هو انه ضروري ومناسب بهدف (1) الدفاع عن الأمن الوطني للولايات المتحدة ضد التهديد الذي يمثله العراق، و(2) فرض كل قرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة بخصوص العراق». ولأول مرة في التاريخ الأميركي، يخول الرئيس الاميركي شن حرب وقائية ضد دولة لم تبادر بالهجوم على الولايات المتحدة، وليست لديها المقدرة على تهديد أو حتى الوصول عسكرياً للولايات المتحدة. وهذه الحرب ستشن بذريعة فرض قرارات مجلس الأمن الدولي، حتى لو كانت غالبية أعضاء مجلس الأمن الدولي تعارض هذا العمل العسكري. وفي بيانات الدعم لهذا القرار، امتدح جيفارت «الكذبة الكبيرة» للبيت الابيض التي تفيد أن هجمات 11 سبتمبر تجعل من غزو الولايات المتحدة للعراق مسألة دفاع عن النفس بمنع مزيد من الهجمات الارهابية باستخدام اسلحة دمار شامل. وأعلن جيفارت قائلا: «كل شيء تغير في 11 سبتمبر، وإذا كنا قلقين بشأن المصدر الذي سيحصل منه الارهابيون على هذه الاسلحة، فإن أول ما سنقلق منه هو العراق». وقال جيفارت في اعتراف عملي بعدم توفر دليل يؤكد ان النظام العراقي لديه النوايا أو الامكانيات لاستخدام مثل هذه الاسلحة ضد الولايات المتحدة: «ليست هناك مدافع تدوي، ولن يكون لدينا مثل هذا المشهد. أما معايير الادلة فيجب ان تنخفض لأننا نعيش في عالم من الارهاب. علينا ان نمنع تفجير أسلحة دمار شامل في الولايات المتحدة، علينا ان نفعل كل ما هو ممكن لمنع ذلك». إن مثل هذه الحجج ليست بذات معنى حتى لدى تقويمها وفق مصطلحاتها هي، فإذا ما كانت الولايات المتحدة تواجه خطر شن هجوم ارهابي داخل اراضيها بأسلحة نووية أو كيماوية أو جرثومية، فلا شيء مرشح أكثر لافراز مثل هذه النتيجة من السياسة الاميركية الخارجية المعتمدة على مبدأ ان الولايات المتحدة لها الحق تنفرد به بغزو أية دولة تختارها في العالم. وعقيدة بوش ـ جيفارت، بالمصادقة على ارتكاب مذبحة اميركية من جانب واحد ضد شعب العراق، وضمنياً، ضد أية دولة يستهدفها البيت الابيض والبنتاغون تجعل الهجمات الانتقامية الارهابية وقتل أميركيين ابرياء احتمالاً أقوى. منذ حوالي ثلاثة أسابيع شن المرشح الديمقراطي للرئاسة عام 2000 ونائب الرئيس الاميركي السابق آل جور انتقاداً لاذعاً ضد سياسة الحرب للادارة الاميركية في خطاب ألقاه في سان فرانسيسكو. ويجدر بنا تذكر ذلك الخطاب اليوم ليس لأنه ادانة للبيت الابيض فحسب، وبل للأغلبية الديمقراطية في الكونغرس ايضاً. كان معظم خطاب جور مكرساً لمضامين سياسة بوش الجديدة المتمثلة بشن حرب هجومية ضد العراق. وكان هجوم نائب الرئيس السابق مصاغاً ضمن اطار قوامه التحذير من ان الاندفاع وراء الحرب ضد العراق سيبعثر الدعم العالمي اللازم لشن حرب ناجحة ضد منظمات مثل القاعدة. ولم يذكر جور الدافع الرئيسي للحرب وهو الرغبة في السيطرة على موارد العراق النفطية وهو ثاني أكبر احتياطي في العالم، إلا ان النقطة التي تطرق لها تظل مهمة ايضاً. وأشار جور وهو يذكر مستمعيه بأنه كان من بين الاقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ ممن صوتوا لصالح شن حرب الخليج. أشار الى ان العراق عام 1991 تجاوز الحدود الدولية ليهاجم الكويت، لكن في عام 2002 فإن الولايات المتحدة هي من تريد تجاوز الحدود الدولية لتهاجم العراق. وقد أصبحت المعارضة لمثل هذه الحرب عنصراً دولياً قوياً بالفعل استطاعت حكومة شرويدر اعتمادا عليها ان تتجاوز تراجعاً ذا شأن في استطلاعات الرأي حينما خاضت الانتخابات وهي تفصح عن معارضتها للحرب. ووصل جو الى حد اعلان اعتراف نادر من نوعه بالنسبة لسياسي اميركي وهو يشير الى القلق العظيم الذي يلف العالم بأسره، ليس بسبب ما تعتزم الشبكات الارهابية فعله فحسب، بل وبسبب ما نعتزم نحن فعله ايضاً. ثم بدأ جور بعد ذلك يضع الخطوط الرئيسية للعواقب بعيدة الأمد لمبدأ الضربة الوقائية. ويقول: «بداية ان المبدأ يعرض بصياغات مفتوحة غير محدودة النهايات مما يعني ان العراق إذا كان البداية فهذا لا يعني بالضرورة ان يكون النهاية، بل ان منطق المفهوم نفسه في الحقيقة يشير الى سلسلة من الأعمال العسكرية ضد مجموعة من الدول ذات السيادة مثل سوريا وليبيا وكوريا الشمالية وايران، وهذه الدول ليست بذات شعبية جيدة في اميركا طبعاً، إلا ان المعنى المتضمن في قلب هذا المنطق هو انه اينما وجد المزج بين الاهتمام بالحصول على أسلحة دمار شامل مع القيام بدور الراعي لعمليات ارهابية فإن المبدأ سيصبح قابلاً للتطبيق.وهو يعني ايضاً ان الكونغرس إذا ما وافق على القرار بشأن العراق الذي تقترحه الادارة، فإنه سيوجد فوراً سابقة تبرر اعمالاً عسكرية وقائية في أي مكان من العالم. كما تطرق جور ايضاً للعواقب الداخلية لاندفاعة بوش الحربية، مشيراً الى ان الادارة قد سعت لحرمان الموظفين الاتحاديين في وزارة الامن الداخلي الجديدة من حقوقهم المدنية والنقابية «بطريقة محسوبة لاسعاد نسبة من قاعدتها الانتخابية التي تحتل أقصى اليمين». أما ما هو أكثر خطراً، حسب تأكيد جور، فهو الهجوم الواسع من قبل الادارة ضد الحقوق الديمقراطية. وقال: «ان فكرة امكانية سجن مواطن أميركي من دون اللجوء الى عملية قضائية، وان هذا يمكن ان يحدث بطلب من الرئيس أو من يمثلونه أو خارج عن التصور». ومن دون الاشارة اليها بالاسم، أدان جور «وثيقة الامن الاستراتيجي الوطني» التي أصدرها البيت الابيض أوائل سبتمبر الماضي قائلا: «انه من المهم الاشارة الى عواقب الاستراتيجية الوطنية الناشئة التي لا تكفي بالاحتفاء بالقوة الاميركية، بل تبدو فعلياً وكأنها تمجد فكرة الهيمنة، بل ان الكلمة نفسها أخذت تصبح مستخدمة في أروقة الادارة». ويستنتج جور ان «ما يفعله هذا المبدأ هو انه يدمر الهدف المتمثل بعالم تعتبر دوله نفسها خاضعة لرقابة القانون خصوصاً فيما يتعلق بمعايير استخدام القوة ضد بعضها البعض، وهذا المبدأ سيغيب لتحل محله فكرة انه ليس هناك أي قانون سوى رغبات رئيس الولايات المتحدة. أما الرد الذي تلقاه هذا الخطاب من جانب ادارة بوش والجمهوريين في الكونغرس والجانب الأكبر من الإعلام الأميركي فهو تصوير جور ـ الذي حصل على اكثر من 50 مليون صوت في الانتخابات الرئاسية عام 2000، أي أكثر من الاصوات التي حققها بوش ـ تصويره على انه خائن يزعزع الوحدة الوطنية والسلطة الرئاسية في زمن الحرب. أما رد ديمقراطيي الكونغرس وهم الأغلبية فيه، فقد اتى على لسان زعيمهم بمزيج من اللامبالاة بجوهر انتقادات جور والخوف من التكلفة الانتخابية للخطاب في انتخابات 5 نوفمبر. لقد كانت السمة الدامغة لرد ديمقراطيي الكونغرس على هوس الحرب مع العراق هو العجز السياسي والتملق لقوى اليمين المتطرف التي تهيمن على ادارة بوش. فقد كان الموقف الأول لجيفارت وزعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ توم داشل هو معارضة أي قرار بالحرب يعرض على الكونغرس قبل الانتخابات تحت زعم ان ادارة بوش إنما «تلعب سياسة» بسعيها باحراج الديمقراطيين تمهيداً لانتخابات 5 نوفمبر. صحيح، طبعاً ان ادارة بوش وقياديي الحزب الجمهوري قد حسبوا الميزة الانتخابية التي يفترض ان يحصلوا عليها من قرار الحرب وليس السبب الى حد كبير هو ان الحرب ضد العراق حرب شعبية، بل لأن هذه القضية ستلفت انتباه الرأي العام الاميركي بعيداً عن الاقتصاد والاحوال الاجتماعية المتدهورة في أميركا. غير ان الموقف الذي اتخذه جيفارت وداشل بتأجيل التصويت على قرار الحرب الى ما بعد الانتخابات كان غير ديمقراطي في جوهره. فهؤلاء سعوا بذلك لحرمان الشعب الاميركي من فرصة التعبير عن آرائه بخصوص خطط بوش للحرب، دع عنك المعارضة المباشرة لها، وأملوا بذلك ايضاً تكرار نموذج الانتخابات النيابية عام 1990 التي اتفق الجمهوريون والديمقراطيون فيها على عدم مناقشة استعدادات الرئيس الاسبق بوش للحرب في الخليج. وتلا ذلك تمرير قرار المصادقة على الحرب بعد أقل من شهرين على تلك الانتخابات. وحينما أصر البيت الابيض على التصويت على القرار قبل الانتخابات وألقى الرئيس بوش فعلاً عدة خطابات في صالح المرشحين الجمهوريين للمجلس وأدان الديمقراطيين باعتبارهم يعارضون المصالح الأمنية الوطنية، ظهر داشل في مجلس الشيوخ وهو يتباكى ويطالب باعتذار علني عن هذا الاتهام. هذا الاستعراض الهزلي كان مزيجاً من آليات مسرحية فارغة وفاشلة وضعيفة. لقد كان بمقدور زعيم معارضة حقيقية يسيطر على مجلس الشيوخ ان يجعل من المستحيل على ادارة بوش ان تدفع قدماً بقرار حرب لا يتمتع بدعم شعبي واسع. غير ان داشل لا يعارض حرباً أميركية عدوانية ضد العراق ولا يقود أصلاً أغلبية في مجلس الشيوخ ملتزمة بالفعل بمثل هذه المعارضة.وفي غضون أيام طوى النسيان مطلبه بالاعتذار وعاد داشل لمحادثاته مع البيت الابيض حول لغة القرار. وبعد عشرة أيام من ادانته ادارة بوش لاتهامه الديمقراط بعدم الوطنية، قال زعيم الاغلبية بين الشيوخ أمام شبكات التلفزة ان مجلسه سيوافق على قرار حرب بوش بهامش كبير وانه شخصياً ميال للتصويت لصالح القرار. بعد ذلك، أخذ المعنيون بتقديم الاعتذارات عن هذا الموقف من جانب الأغلبية الديمقراطية يدعون ان التمرير السريع لقرار الحرب سيمكن حزبهم من اعادة مسار الحملة الانتخابية نحو مناقشة الاقتصاد والقضايا الاجتماعية وبالتالي الفوز بانتخابات 5 نوفمبر. إن هذه الاستراتيجية الديمقراطية الجديدة ليست اكثر من فعلة جبانة وغير ديمقراطية شأن محاولتهم الأولى لتأجيل التصويت حتى ما بعد الانتخابات. ومرة ثانية، يكون تأثير هذه السياسة هو ابعاد الشعب الاميركي عن أي امكانية للتأثير على قرار الذهاب للحرب في ظل استقصاءات الرأي التي تظهر أغلبية شعبية ذات شأن تعارض الذهاب للحرب بشكل انفرادي وغزو العراق. أضف لذلك، فإن الزعم بامكانية دعم سياسة بوش الحربية في الوقت نفسه الذي يحافظون فيه على معارضته في السياسات الداخلية ما هو إلا زيف بأكمله. إن السياسة الداخلية والخارجية للادارة هي كتلة واحدة لا تتجزأ، فهي متجذرة في التبرير المنهجي لموارد المجتمع الاميركي وموارد العالم لمصلحة النخبة الثرية. إن الاذعان الديمقراطي لبوش لا يمكن تفسيره أبداً على انه التفاف على ضغوط الرأي العام، بل على العكس، فالمزاج الشعبي الاميركي، حتى حين النظر اليه من خلال استطلاعات الرأي التي تجريها وسائل الإعلام المختصة، هو اكثر انتقاداً لنهج الادارة وأكثر احجاماً عن سلوك طريق الحرب. وقد عبرت صحيفة «لوس انجلوس تايمز» في افتتاحية لها حول خطاب بوش الحربي في سينسيناتي في 7 اكتوبر قائلة: «ان التضارب بين التأييد لبوش في الكونغرس وبين كل الولايات المتحدة مدهش، فعلى مدى الشهر الماضي، وفيما كان بوش يضغط باتجاه الحرب على العراق تضاءلت المعارضة له في الكونغرس.. لكن الرأي العام لم يصبح أقرب لتقبل فكرة الحرب، بل انه وفق بعض المعايير قد أصبح أبعد عنها». لقد كان الماركسيون منذ زمن طويل يرون في الحزب الديمقراطي الاميركي حزباً للشركات الكبيرة يدافع عن مصالح الامبريالية الاميركية. لكن صفته الطبقية لا تفسر بشكلها أو مضمونها، هذا التحول بين عامي 1991 و2002. فقد كان الحزب الديمقراطي بالقدر نفسه الذي هو عليه الآن حزباً رأسمالياً ومدافعاً عن الامبريالية 1991 حينما صوتت غالبية الديمقراطيين في مجلس الكونغرس والشيوخ ضد حرب بوش الأب في الخليج. لقد كان العقد الماضي تتويجاً لمسيرة تفسخ تاريخي مطولة للحزب الديمقراطي والليبرالية الاميركية عموماً، فقد تبرأ كلينتون من آخر نذرة من سياسات الاصلاح الاجتماعي حينما اعتنق الدوغما الجمهورية القائلة بانهاء «الحكومة الكبيرة» وهو ما تجسد في الغاء نظام الرفاه الاجتماعي عام 1996. وقد أثبت الحزب الديمقراطي على نحو متزايد عدم مقدرته ليس على مجرد التقدم باصلاحات جديدة فحسب، بل وحتى الدفاع عن الآليات الديمقراطية البرجوازية في وجه حملة اليمين للاطاحة برئيس انتخب مرتين. وجانب من الديمقراطيين في الكونغرس يقوده الى حد واحد عضو مجلس الشيوخ جوزيف ليبرمان الذي يتزعم الآن حملة الترويج للحرب ضد العراق، فقد انضم في الهجوم على كلينتون بخصوص فضيحة لوينسكي. ولم يمنع الديمقراط في الكونغرس من التحرك فعلاً لعزل كلينتون عن الرئاسة خريف 1998 إلا معارضة شعبية عارمة لمثل هذه الخطوة. كما ان لا الرئيس كلينتون نفسه ولا الحزب الديمقراطي كان سيفعل أي شيء لتعبئة المعارضة الشعبية لذلك الانقلاب الذي دبره اليمين. ومرة اخرى أثبت الحزب الديمقراطي في انتخابات فلوريدا الرئاسية عام 2000 عجزه عن مواجهة قبضة اليمين المطبقة على السلطة. لقد فاز جور بالتصويت الشعبي بفارق اكثر من 500 ألف صوت على بوش على المستوى القومي، وكان سيفوز بانتخابات فلوريدا لو جرى أي احصاء عادل للاصوات لكل صناديق الانتخابات المتنازع عليها. لكن حينما تدخلت المحكمة الدستورية العليا لمنع احصاء الاصوات، لم يفعل جور ورفيقه في السباق ليبرمان والحزب الديمقراطي بأسره سوى الاذعان. وفي حمأة 11 سبتمبر، أعلن داشل وجيفارت انه لم يعد هناك حزب معارضة الآن في الكونغرس، واعطى الديمقراط دعماً غيرمحدود لحرب بوش ضد افغانستان على الرغم من ان طالبان لم تكن مسئولة عن هجمات 11 سبتمبر، وأبدت استعدادها لتسليم اسامة بن لادن إذا ما كان لدى الحكومة الاميركية دليل على تورطه فيها. لكن الديمقراط في مجلس النواب والشيوخ صوتوا لصالح «القانون الاميركي الوطني» وغيره من الاجراءات القمعية في الداخل.إن ما يقف وراء هذا التحول المتواصل نحو اليمين هو تغير اجتماعي جوهري، فقد أكل الدهر وشرب على ذلك الزمن الذي فقد فيه الحزب الديمقراطي أية علاقة كانت له بحاجات وطموحات النسبة الواسعة من الطبقة العاملة. وهكذا تعرضت قاعدته الاجتماعية لتضييق كبير جداً وما عادت تضم سوى الشريحة الرقيقة المحظوظة من أعلى الطبقة الوسطى والبيروقراطيات النقابية الفاسدة والأقليات المحظوظة والطامحة من السود وذوي الأصول اللاتينية ذات الصلة بمنظمات الحقوق المدنية والأجهزة الحكومية المحلية والاتحادية. وهناك عملية موازية قد حدثت أيضاً في الحزب الجمهوري الذي انفصم منذ زمن عن قاعدته الشعبية السابقة المتمثلة بالمزارعين في الغرب الأوسط ورجال الأعمال متوسطي الحجم. وفي سياق هذه العزلة عن القواعد الشعبية يصبح بمقدور الجماعات الصغيرة نسبياً ان تمارس نفوذاً لا يتناسب مع حجمها مثلما يفعله الاصوليون المسيحيون داخل الحزب الجمهوري. وفي كلا الحزبين، يلعب المتبرعون الكبار دوراً حاسماً مثل المليونير اليميني ريتشارد ميلون شيف أو اللوبي الاسرائيلي أو الشركات. والنتيجة لكل ذلك هي سياسات ترتكز بالمطلق على الفساد والادعاء، فالحزب الديمقراطي يدعي تمثيل العمال، إلا انه في الواقع لا يحصل إلا على دعم البيروقراطيات النقابية التي تتزعم منظمات هرمة ومتحجرة يزدريها حتى أعضاؤها، دع عنك غالبية العمال خارج النقابات، كما يدعي الحزب الديمقراطي دفاعه عن السود والهسبان وغيرهم من الأقليات، إلا انه بدلاً من ذلك يرعى مصالح النخبة المميزة المعادية عضواً على أساس طبقي لمعظم الطبقات المضطهدة. إن الغالبية العظمى من الشعب الاميركي غير ممثلة سياسياً، فآراؤهم ومشاعرهم واهتماماتهم لا تجد التعبير عنها في هيكلية السياسات الرسمية ونظام الحزبين. وهكذا مهدت الساحة أمام تحول سياسي بأبعاد غير مسبوقة سيجد فيها عشرات الملايين من العمال انهم مجبرون على البحث عن سبيل سياسي جديد يفعل الأحداث السياسية والعسكرية والاقتصادية. بقلم: باتريك مارتن ترجمة: جلال الخليل عن «ورلد سوشاليست»

طباعة Email
تعليقات

تعليقات