كتاب ـ إطلالة على كيوتو ـ أعياد ومهرجانات وقدرة مذهلة على الصمود، مدينة الألفي معبد تواجه عاصفة العولمة بالتأمل

الخميس 11 شعبان 1423 هـ الموافق 17 أكتوبر 2002 أكثر من ألف عام مرت على كيوتو، عاصمة الامبراطورية اليابانية القديمة، وهي مدينة عظيمة في عمر الزمن، كانت كفيلة برسم معالم المدينة التي تواصل حضورها إلى اليوم بكل ما فيها من جمال وخصوصية. ففي عام 764 ميلادية زار الامبراطور كامو موقع المدينة، ورأى بحكمته أن هذا المكان بما يحيطه من جبال وما يتخلله من أنهار يشكل قلعة طبيعية. وأعلن المنطقة عاصمة لبلاده وامبراطوريته. ومن هذه البدايات التي اعتبرت فيها المنطقة مقراً للسلطة الملكية. ومنذ ذلك الحين تطورت كيوتو لتصبح مركزاً مهماً للثقافة والحياة الروحية وأعطى ذلك العالم حضارة من أرفع الحضارات. وفي ضوء تلك التطورات الحضارية، فإن السير في شوارع كيوتو أصبح مثل التجول عبر صفحات التاريخ. وتفصح المشاعر والمعابد التي تعبق بسيرتها المدينة، عن حضارة رفيعة رسمتها المدينة بوحي من تراثها العظيم. ولكن بينما لا يقل أهالي كيوتو حداثة ورخاء ورقياً عن مواطنيهم في المدن الأخرى، إلا أن مدينتهم أصرت بعزم قوي على الحفاظ على التقاليد في حياتهم اليومية وعاداتهم. ومنذ قرون عدة يعيد سكان المدينة احياء التراث الياباني العريق، عبر مهرجانات واحتفالات سنوية. وقد جعلت المشغولات الفنية، مثل الحياكة والصباغة وأشغال الخيرزان والخزف. ولا تزال هذه المهارات يتوارثها الابناء عن الآباء، ولا يقل الابناء براعة في تثبيت التقاليد عن أجدادهم. هكذا فإن مدينة كيوتو تمثل تجسيداً للعادات والتقاليد اليابانية التي تشمل كل ملامح الثقافة اليابانية ابتداء من حفلة الشاي إلى هندسة المعابد ومن الاحتفالات إلى حدائق الزن. ويبقى عام 1869 علامة بارزة في حياة سكان كيوتو، حيث جلب لهم ذلك العام الحزن. فالامبراطور الذي عاش اسلافه اكثر من الف سنة في كيوتو آل على نفسه إلا أن يغادر المدينة، ويؤسس عاصمة جديدة للامبراطورية، تتجسد في إيدو التي تحمل الآن اسم طوكيو. وقد اصطف سكان كيوتو بالألوف على جانبي الطرقات وهم يودعونه والدموع تترقرق في عيونهم. ولم يدر أحد ما الذي ستؤدي إليه حال المدينة بعد أن نزحعنها البلاط الملكي. ولحسن حظ سكان كيوتو فإن محافظها المثرع بالنشاط والحيوية طمأن السكان فبنى لهم شارع كاواراماتشي، وهو جانب يمتليء بالحياة والحيوية في المدينة منفذا جانباً من وعد قطعه على نفسه للسكان بأن يبذل كل ما في وسعه للحفاظ على حيوية المدينة ونشاطها. ووفى المحافظ بوعده وهي اليوم مدينة لا تختلف بحيويتها وحداثتها عن أي مدينة أخرى في اليابان، ولا يقتصر دورها على كونها مدينة تجارية فحسب، بل هي لوحة بديعة تتألف من جمال الطبيعة، وتتألق حيوية بتقاليدها التي ترفل بأبهى صورها في مختلف مواقع الجذب السياحي. وفي كل موقع تفتن المناظر والبيئة الطبيعية المحيطة بالعين، فهناك المساحات الخضراء والتلال الجبلية التي تحتضن كيوتو والمساكن وتنساب بهدوء نحو الوهاد، ويحدث كل ذلك بتناغم. لكن بفضل جهود الاجيال تحافظ كيوتو على هذا التناغم البديع وتبقى متلاحمة مع الطبيعة والفصول المختلفة، وتمتزج مساكن كيوتو وشوارعها ومخازنها جميعاً لتتكامل معاً في لوحة من السحر والجمال. ألف ومائتا سنة رسمت ملامح كيوتو، وجعلت منها تلك المدينة المتميزة، ولذلك فإنه بمجرد أن تطأ قدما الزائر المدينة، فإنه يقف عند مفاصل تاريخية مهمة من حياتها وقد يكون محفوراً في الذاكرة القديمة صور النبلاء وهم يتنقلون في عرباتهم الفاخرة التي تجرها الثيران أو ملامح محاربي الساموراي وهم يهرعون إلى ساحة القتال. ومنذ اللحظة التي يصل فيها الزائر إلى محطة كيوتو فإن ظلال التاريخ تغمره. والواقع انه ليس هناك مكان آخر غير كيوتو أفضل منها من تعريف الزائر بتاريخ اليابان العريق. ففي كيوتو يتجسد تاريخ اليابان بكل تفاصيله. لقد خضعت كيوتو منذ أن اصبحت عاصمة للامبراطورية اليابانية لجملة تغيرات امتدت حتى العصر الحديث من خلال التراث الثقافي والتاريخ والدين واطلالة ابنية معينة ومناطق الجوار التي تمثل افضل تمثيل لفترات مهمة في تاريخها. في تلك الايام المبكرة من تاريخ اليابان، وفي وقت كان الحد الفاصل ما بين الدين والسياسة غير موجود، كان من المألوف انتقال كل العاصمة بكل قصورها ومنشآتها إلى موقع جديد، لدى وفاة الامبراطور، أو لدى حدوث اضطرابات سياسية، أو امور اخرى على مثل هذا المستوى ولكن مع انبلاج فجر القرن الثامن الميلادي، عندما تطورت اليابان لتصبح دولة مركزية يتولى قيادها الاباطرة اصبحت الحاجة اكثر الحاحاً لوجود عاصمة ثابتة ومستقرة للامبراطورية، وهكذا فإن عادة نقل العاصمة التي تبدد الجهد والمال تلاشت وضرب صفحاً عنها. وسبق كيوتو اختيار نارا كأول عاصمة دائمة لليابان من العام 710حتى عام 784 ولحقتها ناجاوكا التي دامت عاصمة لنحو عشر سنوات فقط من العام 784 إلى 794. وهجر الامبراطور كامو، الذي حكم اليابان في العام 781 إلى 806، نارا إلى ناجاوكا لأن السلطة السياسية التي تصاعدت في المعابد البوذية اصبحت تشكل تهديداً للدولة. لكن بنقل عاصمة الامبراطورية لم يسلم الامبراطور من الصراع على السلطة السياسية. وفي ناجاوكا، حيث شجعت قبيلة فوجيوارا الامبراطور على هجر نارا، ناضلت هذه القبيلة لتعزيز وترسيخ نفوذها وسلطتها على الامبراطور وفي ظل هذا الصراع سقط العديد من الضحايا من الشخصيات السياسية البارزة. وفي عام 785 تعرض المشرف على البناء للاغتيال. وتوفى ولي العهد ساوارا الذي اتهم بتدبير مؤامرة الاغتيال، في ظروف غامضة في رحلته إلى المنفى. وتفشت حالات الوفاة والمرض بعد ذلك في صفوف العائلة المالكة والنبلاء للروح الغاضبة بسبب وفاة الأمير. وادت النوائب المتواصلة التي حلت بناجاوكا إلى دفع الامبراطور إلى التخلي عن الموقع والبحث عن موقع جديد. وفي عام 792، واثناء رحلة صيد ساقت الاقدار الامبراطور إلى كيوتو. وكرر زيارته للموقع ثلاث مرات وفي اليوم الثاني والعشرين من الشهر العاشر (الرزنامة القمرية) في العام 794، وفقا للتقاويم الفلكية اصبح ذلك اليوم يوماً مشهوداً. وفي ذلك اليوم اعلن الامبراطور كامو ان الانهار والجبال هي الطوق والحزام لهذه المنطقة وهو ما يجعلها قلعة طبيعية وبهذه الكلمات خصص الموقع عاصمة جديدة اطلق عليها «هيان كيو» أو «عاصمة السلام». عندما اطلق الامبراطور على الموقع «قلعة طبيعية» فإنه كان يشير إلى مجموعة متطلبات عينية تتسم بها كل العواصم الدائمة، وهي ان تكون لهذه العاصمة، كي تصبح منيعة من جبال في الشمال وفي الغرب وفي الشرق ولنهرين إلى الشرق وبحيرة أو بركة ماء إلى الجنوب. وتعد البركة، وفقاً لشروط المناعة العينية، رمزاً للسلطة المركزية. لكن عند السماح للنهر بالتدفق وتقسيم العاصمة فإنه عندئذ يرمز إلى احتمال التقسيم الضمني للامة. ولذلك فإنه من المهام الاولى لقيام العاصمة هو تحريك مجرى الانهر. نهر كامو، الذي تدفق عبر ما يعرف الآن بشارع هوريكاوا، أصبح يلتقي بنهر تاكانو جنوب المصب الحالي. وهكذا فإن جهدا واسع النطاق كان يبذل لتجهيز الارض لاقامة العاصمة. وانشئت حيث اصبحت حدودها الشمالية عند ملتقى نهري كامو وتاكانو تماماً عند شارع إيماديجاوا جنوباً اليوم. راشومون اتخذت العاصمة شكل المستطيل وامتدت على مساحة ثلاثة أميال ونصف الميل من الشمال إلى الجنوب ونحو ثلاثة اميال من الشرق إلى الغرب. واصبحت اوسع قليلاً من نارا. وشيد القطاع الملكي، اي القصر والادارات الحكومية التي احتلت ما يقارب الواحد إلى 155 من المساحة الكلية، من الجزء الشمالي الاوسط من العاصمة. ولم يتبق أي شيء من مبانيها، لكن مزار هيان الحالي يوفر فكرة دقيقة، على الرغم من انها منقوصة، عن الوضع الذي كانت عليه تلك المباني. ويتسم المبنى الرئيسي للمزار في النطاق الشمالي للاراضي بأنه نسخة من نصف حجم القاعة العظمى للدولة. وشيد هذا المزار في العام 1895 احتفاء بمرور 1100 عام على تأسيس العاصمة التي ضمت تكريم روح الامبراطور كامو عن طريق احتفال جيداي الذي يقام سنويا في الثاني والعشرين من اكتوبر. واسفل سوزاكو مون أو بوابة اللحية الحمراء، المحور الجنوبي للمباني الملكية يقع إلى الجنوب شارع سوزاكو أوجي أو طريق اللحية الحمراء المحور الرئيسي لـ «هيان كيو». وينقسم هذا الطريق، الذي انكمش في كيوتو إلى سينبون دوري أو شارع الألف صفصافة، العاصمة إلى النصف الغربي وإلى النصف الشرقي. ومن الطرف الجنوبي للطريق تقع بوابة أخرى هي راشومون. وتنقسم العاصمة إلى 9 شوارع شرقية وغربية مرقمة من الشمال إلى الجنوب باسماء تنتهي بـ «جو». فبالقرب من شيشجو (الشارع السابع) هناك ميادين ضخمة للسوق في القطاعين الايسر والايمن للمدينة. وبصرف النظر عن اهمية الاسواق لبيع الاغذية والحاجيات الاخرى، الا انها استخدمت لعقاب المجرمين وحتى لتلقين التعاليم البوذية وربما أن ذلك هو السبب الذي جعل السوق الشرقي يتحول إلى معبد نيشي هونجان ـ جي الحالي. على الرغم من مواقف الامبراطور كاموا الحذرة ازاء الانشطة البوذية، فقد كان هو نفسه بوذياً مخلصاً. وأبقى علاقة وثيقة بالكاهن سيشو (767 ـ 822) وشجعه على بناء معبد على جبل هيي. وأصبح هذا المعبد إنرياكو ـ جي مركزاً لتعاليم تينداي البوذية وهي تعاليم جديدة جلبت من الصين. وبعيداً عن جبل أتاجو وارتفاعه 3031 قدماً عن سطح البحر فإن جبل هيي 2788 هو الاعلى في محافظة كيوتو، ويقع في الجهة الشمالية الشرقية من المدينة، ويمثل الجبل اهمية خاصة نظراً لأن الجهة الشمالية الشرقية تشيع الخوف باعتبارها «بوابة الشر» ومنها تأتي تأثيرات الشر مثل الاوبئة والنيران وما إلى هناك من تأثيرات يعتقد أنها تنتشر من هناك. وحتى يومنا الحالي فإن منازل كيوتو وحتى القصر الملكي يتم الغاء الزوايا الشمالية الشرقية منها اتقاء للشر. وشيد قصر انرياكو ـ جي مثل توجي وسايجي في الجانب الجنوبي من المدينة لحماية العاصمة القديمة من الشر. ويتم توجيه قوى الشر بعيداً عن المدينة بقيام الكهنة بقرع الاجراس وقراءة الرقى السحرية. وتعد تعاليم سيتشو الآتية من الصين حجر الزاوية في المدرسة البوذية الجديدة وقد شيد معبد على جبل هيي لتدريس هذه التعاليم. ولد سيتشو في العام 767 في قرية قرب هيي ودرس البوذية في نارا، لكنه استقر متقاعداً في جبل هيي للبحث عن فهم روحي اعمق من ذلك الذي وصل اليه في معابد نارا. وحتى قبل تأسيس العاصمة هيان فقد بنى سيتشو كوخاً بسيطاً عام 785 هناك للتأمل. وبعد ثلاث سنوات تمكن من بناء دار صغيرة بمساعدة العدد الضئيل من تلامذته، واطلق على هذه الدار لاحقاً انرياكو جي واطلق عليها هو ايتشيجو شيكان ـ إن. واعتقد سيتشو ان نهاية العالم اقتربت ويعتبر توحيد المذاهب البوذية المختلفة يعد الطريقة الوحيدة لتجنب نهاية العالم. ولتحقيق هذا الغرض رحل إلى الصين في العام 604 لدراسة النصوص البوذية، وعاد بعد عام حاملاً النصوص لمساعدته على تأسيس مذهب شينداي. في عام 823 كرمه خلف الامبراطور كاموا واطلق اسم انرياكو ـ جي على المعبد. وعرف أن انرياكو هو الاسم الرسمي لفترة السلطة 782 و806 وهي الفترة التي شيد خلالها معبد ايتشيجو شيكان ـ إن ومنح ايضاً سيتشو لقب دينجيو ديشي وتعني «المعلم الكبير». وإلى جانب معابد كيوتو هناك مزارات الشنتو، والشنتو ديانة محلية يابانية. ويصعب من هذا المقام ان يتم ايراد ايضاح كامل لهذه الديانة، ولذلك من الافضل ذكر الامور الجوهرية في هذه العقيدة. الشنتو باختصار تعني «طريق الآلهة» ويقدس القائلون بهذه العقيدة عددا كبير من الآلهة، وهم يزعمون انهم بذلك يضمنون الخير والرعاية بالانتظام في العبادة وبهذه الصورة فإن سكان كيوتو يعبدون روح الامبراطور كامو خلال عيد جيداي الذي يوافق شهر اكتوبر من كل عام. ولا يقتصر الامر في العبادة على الآلهة المحلية بل تحتاج ارواح الساسة المتوفين الغاضبين إلى طقوس خاصة. ويقال وفقاً لتعاليم الشنتوية ان من يموت نتيجة للعنف او الحسد يبقى غير مستقر ويسبب المتاعب. ونظراً لان درجة خبث الطوية للروح تعتمد على درجة الشخص المتوفى ومكانته وطموحاته السياسية فلا يخشى من روح اكثر من روح شخصية قومية ذات اهمية مثل امبراطور وامير ملكي او وزير ذي مكانة رفيعة وقد يسبب كارثة للامة بكاملها. وهذا الاعتقاد يحملنا إلى مزار كيتانو الشهير. ويعتقد البعض ان الارواح الخبيثة تلعب دوراً كبيراً في اتخاذ قرار نقل العاصمة من ناجاوكا إلى كيتو. وعلى كل حال فقد اشتهرت المرحلة الهاينية (794 ـ 1185) بالتأثيرات التي نسبت إلى الارواح المنتقمة، وقد تم تكريم احدى هذه الارواح في مزار كيتانو. وحملت ارواح السياسيين الذين نفوا وماتوا في المنافي البعيدة مسئولية الاوبئة والنيران والفيضانات والجفاف بسبب عدم راحتها. وقد كانت تتخذ سلسلة من الاجراءات لتهدئة ارواح اولئك السياسيين الكبار، ومن ذلك تخصيص مزارات جميلة الترتيب والبناء لغمرها بالفرح والاعياد الاحتفالية ويتناقض ذلك التكريم مع طبيعة تلك الارواح الشريرة. فخلال احدى الاوبئة التي عصفت بالمدينة في العام 863 فإن احتفالاً اقيم في الحدائق الملكية وفي المشاهد المؤقتة التي اقيمت لستة من اكثر الارواح تسبباً للشعور بالفزع. وقدم المحتفلون في تلك المشاهد الزهور والفاكهة وانشدوا الترانيم ورقصوا وعزفوا الموسيقى وقدموا الادوار الايمائية والالعاب البهلوانية وعروض مسرح العرائس. وازداد عدد تلك الارواح إلى ثمانية، وقد اودعت في مزاري جوريو في كيوتو. واطلقت على تلك الارواح المفزعة واحتفالاتها جوريو ـ إي، وهو مهرجان ارواح اغسطس. واتسمت تلك الفترة بالظلام، ولكنها لم تكن تخلو من ومضات من الضياء، وادى التأمل والتفكير الروحي إلى القاء بعض الضياء على الحياة الروحية لامة مضطربة، وكما ان بداية المرحلة الهاينية شهد ظهور شخصيات دينية كبيرة مثل سيتشو، كذلك كانت بداية عصر الامبراطور كومو (1185 ـ 1333) زمنا شهد ظهور قادة روحانيين جدداً. هايديوشي في الأفق في عام 1590 جاء الامبراطور تيونومي هايديوشي وقام باعادة بناء كيوتو ويقصد بذلك تحصينها. ووجه هايديوشي في العام 1591 اوامر باقامة سور حول المدينة لحمايتها من الفيضانات ومن الجيوش المعادية، وشيد سورا طوله 14 ميلاً وله سبعة بوابات يطلق على الواحدة «كوتشي» وهي حرفيا تعني «الفم» وشيد ايضاً عدد من الجسور التي توفر الاتصال مع المحافظات. ومن هذه الجسور سانجو أوهاشي أي الجسر الكبير للشارع الثالث الذي كان بمثابة البداية لوصل كويوتو بمنطقة طوكيو المعاصرة. ومن الانجازات العمرانية الكبيرة التي قدمها هايديوشي هي بناء معبد لبوذا في معبد هوكورجي (يقع الآن خلف المتحف القومي) وللحصول على ما يكفي من المعادن لبناء تمثال لبوذا بارتفاع مئة قدم امر هايديوشي بجمع ومصادرة كل السيوف المملوكة للافراد تحت شعار «امنحوا بوذا الحديد!». وبعد مرور عشر سنوات على استكمال التمثال دمر تمثال «بوذا العظيم» خلال زلزال وقع عام 1596 وصنعت نسخة اخرى في العام 1609 ولحقت بالمعبد الارزاء والكوارث منذ إماطة اللثام عن التمثال. لكن الجرس الكبير للمعبد لا يزال يحمل نقوشاً تعني «الامن والسلام لهذه الأمة». ومنذ انتقال أفكار الزن من الصين في القرن الثاني عشر وهناك علاقة وثيقة ما بين مبادئها وأولئك الفئة المحاربة، ومثل كهنة زين فإن المحاربين كانوا لا يبالون باللذة وزهاد الذين يسعون لحياة ليس من خلال الرفاهية بل البساطة. ويمثل معبد ديتوكو ـ جي نهاية عصر وبداية عصر آخر وهو يمثل ايضاً مقراً لقبر ايشيدا ميتسوناري (1560 ـ 1600). وهو اقطاعي كبير نافذ. وكان ميتسوناري من اتباع هايديوشي الاوائل، حيث رأى فيه رجلا ذا مواهب عظيمة. وبعد وفاة هايديوشي في 1598 تاركا طفلاً صغيراً، خدم ميتسوناري كأحد الاوصياء على الطفل، ومع ذلك فقد كان من بين الاوصياء الذين عينهم هايديوشي للحفاظ على موقع عائلته العظيم اقطاعي آخر هو توكوجاوا إياسو (1542 ـ 1616) الذي وجد فيه ميتسوناري منافساً عنيداً وابرم ابن ايياسو زواجاً خشى فيه ميتسوناري أن يهدد مباشرة اسرة هايديوشي الحاكمة، وبدأ يجمع القوات ضد اياسو. ووقعت المعركة الحاسمة بين الطرفين في الحادي والعشرين من اكتوبر عام 1600في سيكيجاهارا وهي قرية بين كيوتو ومدينة ناجاويا الحالية. وعند مساء ذلك اليوم الحاسم انتصر اياسو. وقطع رأس ايشيدا ميتسوناري في السادس من نوفمبر والقى برأسه في قاع نهر كامو الجاف. وحسمت معركة سيكيجا هارا مصير اليابان لقرنين ونصف القرن المقبلين. وبعد ان استأصل توكو جاوا اياسو ما تبقى من اسرة هايديوشي الحاكمة، وقضى على تمرد للمسيحيين في كيوشو عام 1638 عاشت اليابان في سلام مجددا. وفي عام 1600 نقلت الحكومة العسكرية مركز السلطة ثانية من كيوتو إلى ايدو، وهي طوكيو الحالية. وتركت كيوتو تحت سلطة حاكم عسكري كانت مهمته رقابة المعابد والنبلاء وخاصة الامبراطور. في العام 1869 عندما غادر الامبراطور كيوتو خشى السكان ان تتحول المدينة إلى نارا اخرى اي إلى متحف للآثار القديمة ولكن بصورة غريبة وناجحة استطاعت كيوتو التكيف جيداً مع التصنيع والحداثة اللتين اجتاحتا اليابان بدءاً من عصر الامبراطور ميجي (1868 ـ 1912). ومع ذلك فخلف واجهة التحديث هذه بقى هناك تصميم صلب ومعاند على الاحتفاظ بالقيم التقليدية واساليب العيش العريقة وهكذا عزمت المدينة بسكانها على الحفاظ على عراقة الماضي وهي تنتقل إلى استشرافات المستقبل. كيوتو اليوم تتأثر كيوتو تأثراً كبيراً بالفصول فأوقات الصيف حارة ورطبة، اما الشتاء فهو على العكس مفرط في قسوته وبرودته، حتى ان سكان كيوتو يشعرون أن البرد ينبع من الارض. ومنذ انشاء هذه المدينة فإن العقل والمنطقة يلعبان دوراً كبيراً في حياة السكان. ففي اوائل الربيع عندما تزهر اشجار الخوخ يهرع الناس إلى مشهد كيتانو لتحية اول تفتح ازهار الربيع. يتبع ذلك تفتح ازهار اشجار الكرز فإنهم يهرعون إلى البساتين والمتنزهات وإلى حدائق المعبد ومعهم كل ما لذ وطاب من الطعام للاستمتاع بجمال الربيع الخلاب كي يضاهوا مرحلة نبلاء العصر القديم الذين كانوا يبدون اعجابهم بتفتح ورود الربيع ويتمتعون بجمال الطبيعة عبر مآدب الطعام ونظم الشعر والموسيقى والرقص. وفي الصيف يصغي الناس إلى صرار الليل ويشاهدون ذبابة سراج الليل اثناء تسللهم عبر الظلام في الليالي الحارة. وفي الخريف يجدون متعة وهم يراقبون اوراق الشجر القرمزية اللون في اماكن مثل اراشياما. كما يستمتع الناس بالشتاء ايضاً، وليس هناك من متعة اكبر من زيارة معبد جبلي هاديء في صبيحة يوم شتائي عندما يبدو المعبد مسترخياً في ثبات عميق تحت ملاءة ثلجية كثيفة هطلت خلال الليل. ويبدأ الشتاء في ديسمبر باحتفال كاؤميس، وهو تقليد بدأ قبل نحو ثلاثمئة وخمسين سنة. وخلال هذه الاحتفالات يستعرض ممثلو كابوكي فنهم بينما تظهر نساء كيوتو بألبستهن العريقة المعروفة بالكيمونو. ونظراً للأهمية البالغة التي يمنحها سكان كيوتو للأعياد والاحتفالات في فصول السنة الأربعة فنأتي هنا على ذكر اثنين من أهم تلك المواسم الاحتفالية، وهما احتفال عيد رأس السنة واحتفال أغسطس، ولا تبدأ احتفالات عيد رأس السنة في كيوتو في الأول من يناير، بل في فترة مبكرة اكثر وهي الثالث عشر من ديسمبر، وفي ذلك اليوم تتوجه فتيات «ميكو» (الجيشا المتدربات) إلى منزل معلم الرقص لتقديم كعكات الرز المستديرة وبالمقابل يتلقين مروحة تستخدم في رقصاتهن التي تقدمها الفتيات للترفيه عن الضيوف، وفي ذلك اليوم يمكن رؤية الفتيات وهن يتنزهن في أزقة حي جيون الضيقة ينتعلن القبقاب التقليدي ويرتدين الكيمونو ذا الاكمام الطويلة والوشاحات المتدلية. وعشية عيد رأس السنة يتناول سكان كيوتو شوربة الشعرية حسب اعتقاد تقليدي بأن الشعرية الطويلة ستمنحهم حياة مديدة، وبعد احتسائها يجلبون شعلة يوقدون بها فرن المطبخ نظراً لأنه من الواجب ان يطهى طعام السنة الجديدة بنيران جديدة ومقدسة، وتجدل نساء كيوتو القش على شكل خيوط ويشعلنه في مشاعل تنصب في عدد من مشاهد كيوتو وخاصة في مزار جيون ويهرعن عائدات إلى بيوتهن ويحركن الجدائل باستمرار للحفاظ على النار مشتعلة، وفي هذه الأيام فإن هذا التقليد يطلق عليه أوكيرا ميري بدأ يخبو لأن أفران المطابخ بدأت تستبدل بأفران الكهرباء والغاز. وعندما يقترب منتصف الليل يرتدي الناس الملابس التقليدية ويخرجون ثانية للاستماع إلى أجراس معابد كيوتو مودعة العام السابق ومن أهم تلك الاحتفالات تلك التي يشهدها معبدا جينجورجي وميسي ديار، وقبيل منتصف الليل يقرع أكثر من 20 راهباً بوذياً الجرس 108 مرت بايقاعات منتظمة بطرف عمود خشبي عظيم. ولضمان بداية سنة سعيدة يأكل سكان كيوتو مجموعة من الاطباق، يطلق عليها اسم «أوسيتشي» وتتكون من الفاصوليا السوداء، وتورتة السمك ورول البيض والسمك المطهي بالسكر وصوص الصويا ولفافات اعشاب البحر وترتب الاطباق بصورة جميلة للغاية وتكون موضوعة في صناديق مربعة، وهناك على الطاولة أيضاً طبق اضافي يطلقون عليه أوه ـ زوني ويتكون من ارز لزج مطحون مسلوق مع معجون حبوب الصويا (ميزو) وهي حساء مضاف إليه نكهة الفجل وشرائح السمك وقبل تناول الأوه ـ زوني يقدم أفراد العائلة زبدية إلى مشهد البيت بعد ذلك يشربون شاي السعادة العظيم، وهو شاي ملحي مصنوع من الخوخ المخلل. أما احتفالات الخير فيحاول اليابانيون خلالها العودة إلى بيوتهم وهذا العيد يبدأ في النصف الثاني من العام وفقاً للتقويم القمري. وهو وقت عودة أرواح الموتى المؤقتة إلى الأرض ويعتقد اليابانيون انه لابد من استقبال هذه الأرواح والترحيب بها والترفيه عنها وحتى تعود وفقاً للأصول المناسبة ويزور خلالها السلطان المقابر في بداية فصل الخير للترحيب بالأرواح القادمة ولجلبها إلى البيوت للاحتفاء بها طول أسبوع قبل ان ترسل ثانية وأصدق صورة لهذه الاحتفالات يعكسها سكان كيوتو، وتبدأ هذه الاحتفالات في الثاني من أغسطس بزيارة لمعبد تشينكو ـ جي حيث يقرع الجرس الشهير في المعبد، وللترفيه عن الموتى العائدين تتم احتفالات مختلفة ويتم تمثيل مسرحيات النو والكابوكي. الفنون والحرف اليدوية منذ تأسيس كيوتو كمركز للتراث الثقافي للأمة اليابانية وهي تعد قبلة للفنانين والحرفيين ويلاحظ تأثير الفنون الصينية واضحاً في فنون اقمشة طلاء اللك والأقمشة الحريرية والحياكة الصينية. ومن الفنون الأخرى التي برزت فيها شهرة كيوتو صناعة الدمى والمراوح اليدوية والطباعة على الخشب وهي من أقدم الفنون كما ان الحياكة والصبغ كان لها تأثير عظيم على اقتصاد كيوتو. وظهر في أوائل القرن الثامن عشر نسيج رخيص في أسواق كيوتو، وهذا النسيج المصبوغ هو يوزن المصبوغ، وطوره ميازاكي يوزن ويعود الفضل لهذا الأخير في توفير أقمشة مصبوغة رخيصة لسكان كيوتو الذين لم يكن باستطاعتهم توفير المال اللازم لشراء الأقمشة الباهظة مثل نيشيجين وكان نهر هوريكاوا مركزا رئيساً للصبغ وأصبح مقدار الأصبغة التي تلون النهر دليلاً صحياً على انتعاش اقتصاد كيوتو وطرأ في القرنين الأخيرين تحديث كبير على صباغة نسيج يوزن وأصبح مزج الألوان والصمغ يطبق في وقت واحد. وخلال عهد الامبراطور 1868 ـ 1916 ارسلت بعثات لتعلم التقنيات الحديثة الخاصة بطرق الصباغة الحديثة وعادت البعثات حاملة معرفة كيماوية استخدمت في تحديث صناعة الغزل والنسيج في كيوتو، وعلى الرغم من المؤثرات الحديثة في الفن لا تزال أسر عريقة تتولى عملية الصبغ عبر أجيال طويلة وهو ما يؤدي إلى الحفاظ على معايير رفيعة للفنون والتصاميم في كيوتو وعلى الرغم من ايمان اهالي المدينة بفوائد العصرنة إلا انهم لا يخفون اعتزازهم بتقاليدهم وعاداتهم القديمة التي يحرصون على الحفاظ عليها. * تأليف: هربرت بلوتشو * عرض ومناقشة: محمد نبيل سبرطلي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات