تمساح يتصدر هدايا عيد ميلاده، بوتين ينخر في عظام الديمقراطية الروسية ولا يحطمها

الاربعاء 10 شعبان 1423 هـ الموافق 16 أكتوبر 2002 ما الذي يمكن ان يكون اسوأ من ان يحتفل الانسان بعيد ميلاده الخمسين قابعاً في حصن كئيب وسط مدينة شديدة التلوث رئيسا لبلد منكوب بالمشكلات يصارع من اجل البقاء؟ مع ذلك يبدو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين شديد السعادة في عيد ميلاده الخمسين، فيما تقتصر دائرة الممتعضين من حكمه على منتقديه الليبراليين. لا يبدو الرئيس بوتين منزعجاً من الفجوة المروعة التي اصبحت تفصل بين اصحاب الغنى الفاحش وابناء الفقر المدقع ومعايير المعيشة البائسة في المدن والارياف والحرب الدائرة بلا نهاية في الشيشان. وبدلا من ذلك تراه يشع هدوءاً وتصميما ويظهر الرضا عن دوره المستحدث كشخصية ابوية لروسيا وكحفار لقبر الديمقراطية الروسية. وقد امضى الرئيس الروسي عيد ميلاده بطريقة فخيمة حيث ذهب الى قمة كومنولث الدول المستقلة ليهنئه رؤساء الجمهوريات السوفييتية السابقة في عيده بقدر كبير من المحبة. احدهم اعطى بوتين تمساحاً. وكانت تلك الهدية رمزاً للعدوانية والشراسة والحكمة معا. لكن من غير الواضح لي تماما ما الذي يجعل هذا الحيوان الزاحف اللزج يعتبر كائناً على قدر من الحكمة، ربما في اطار العقلية ما بعد السوفييتية يعتبر كل وحش لا يتورع عن الهجوم حكيماً. اما الهدية الاخرى التي حصل عليها بوتين في عيد ميلاده فكان التاريخ هو مهديها، اذا ان يوم 7 اكتوبر ليس يوم مولد بوتين فحسب، بل هو ايضا اليوم الذي اطلق فيه الاتحاد السوفييتي اول قمر صناعي الى مدار حول الارض عام 1957. وبالنظر الى هوس بوتين بكل ماله من مضامين عسكرية او امبراطورية، فقد كان التاريخ حصيفا في اختيار هديته، فالرئيس الروسي كان سينزعج جدا لو تصادف عيد ميلاده، مثلا مع اليوم العالمي للمرأة او مع يوم 4 يوليو.اما اصحاب الولاء والطاعة في موسكو فيعرفون انهم يتحركون ضد حركة التاريخ نفسه، لهذا كان عليهم ان يختاروا هديتهم بعناية فائقة، وهذا بعد حسابات ذكية، اهدوا الرئيس الروسي هدية رائعة بالفعل، هي مبادرة تشريعية يمكن ان تجعل روسيا بلد الحزبين فقط، حزب بوتين وحزب الشيوعيين. فالخطوة المقترحة هي وضع عتبة من الناخبين على أي حزب يريد الحصول على مقاعد في البرلمان ان يصلها، وهي 12.5 في المئة، مما يعني انه لن يكون بمقدور احد من خارج هذين الحزبين ان ينضم للمنظومة التشريعية الروسية.وهكذا سيجد حزب يابلوكو الليبرالي والحزب الديمقراطي الليبرالي القومي المارق بزعامة فلاديمير جيرينوفسكي نفسيهما خارج العملية السياسية. اما الشيوعيون فسيصبحون معارضة رائعة، حيث سيبقون العامة سعداء من دون ان يتمكنوا ابدا من تشكيل حكومة من حزبهم. واذا ما صادق البرلمان على هذه المبادرة، فستعود روسيا بذلك الى مرحلة الحزب الواحد. ويبدو ان هذا بالضبط ما كان عليه طموح بوتين منذ زمن.ذات مرة، قال احد اسلاف بوتين وهو جوزيف ستالين، لونستون تشرشل ان نظام الحزب الواحد فقط هو الذي يناسب زعيما حقيقيا لكن تشرشل لم يوافق على هذا الرأي، وخسر الانتخابات البرلمانية البريطانية عام 1945. أما بوتين فهو قطعا اذكى من ذلك. فبعد ان تلاعب بالمليارديرات المشبوهين، من امثال بوريس بيرزوفسكي في الشهور الاخيرة من حكم بوريس يلتسين الخرف، ليصل الى موقعه الحالي، اثبت بوتين انه يمتلك ارادة حديدية وعقلا متواضعا (ربما لهذا يحب التماسيح). وبوتين بالتأكيد اكثر تطورا ذهنيا من غيره من زعامات ما بعد القادة السوفييت مثل الرئيس الاوكراني البدائي المحير ليونيد كوشما او زعماء وسط آسيا الشرقيين المتخلفين او الفاشي المتواضع الكسندر لوكاشنكو في روسيا البيضاء.بوتين ايضا ليس بأفلاطون، لكن يمكن القول انه افضل زعيم ثقافة تنجبه روسيا بعد مؤسس الاتحاد السوفييتي فلاديمير لينين. ومن الواضح انه يفكر على انه منقذ الوطن الروسي الذي يعيد له الاحساس بالرسالة التاريخية والعظمة فيما هو يقتلع باصرار الجذور الليبرالية. وفق عدة معايير يعتبر بوتين الخيار الأسوأ من بين المرشحين ليختارهم الناخبون الروس عام 2000: فهو الخصم العنيد للتعددية سواء كانت في حرية التعبير او النظام متعدد الاحزاب، واضافة لذلك هو صاحب العقلية التآمرية الذي يؤمن بالعمل في الظلام والصفقات السرية والمؤامرات. انه لا يدمر الديمقراطية الروسية، بل هو ينخرها مثل عميل سري بارع.وكانت البداية في الهجوم على حرية الاعلام ثم على الاثرياء من ذوي العلاقات السياسية الذين كان بمقدورهم ارساء اعلام معارض جديد. اما الآن فتبدو التعددية السياسية هدف الهجوم، عودة الى الجذور، الى التماثل والانضباط، ربما مع بعض القانون. وتبدو الحالة الدولية وكأنها تدعم برنامج بوتين فالرئيس الاميركي جورج بوش يحاول شن حرب غير شعبية ابدا ضد العراق مثيرا الكثير من السخط في أوروبا والغضب في العالم الاسلامي. وفي هذا السياق اصبحت كلمة الرئيس الروسي تكلف اكثر بكثير مما يفترض ان تساوي، وبوتين ليس بالرجل الذي يفوت فرصة دعم موقفه الدولي. وفيما فضل بوش عدم تهنئة المستشار الالماني شرويدر على فوزه بالانتخابات الوطنية، لانه لم يغفر له بعضا من الملاحظات المناهضة لأميركا في حملته الانتخابية، فإنه في المقابل اكد امنياته بعيد ميلاد سعيد لبوتين. وهكذا اختارت واشنطن تجاهل تنمر بوتين على جورجيا في القوقاز والتسوس الزاحف على الحريات في روسيا فهي تريد دعم الرئيس الروسي في حملتها ضد العراق. بقلم: قسطنطين بليشاكوف عن «جابان تايمز»

طباعة Email
تعليقات

تعليقات