الحرب على العراق لا ينبغي السكوت في مواجهتها، إرادة الشعب الأميركي.. هل يمكن تجاهلها؟

الاربعاء 10 شعبان 1423 هـ الموافق 16 أكتوبر 2002 بوصفي ضابطاً سابقا في المخابرات التابعة للبحرية الأميركية وعضوا مسجلا في الحزب الجمهوري أدلى خلال الإنتخابات الأخيرة بصوته لصالح جورج بوش، فإنني أعترف أنني كنت مصابا بالشك والذعر عندما طلب مني نواب في حزب العمال البريطاني المشاركة في المسيرة الضخمة المنددة بالحرب في 28 سبتمبر الماضي. فعلى الرغم من وجهة نظري الشخصية، ومفادها أن التظاهرات الجماهيرية الكبيرة بغض النظر عن عدالة قضيتها، هي من الأمور التي تهم اليسار السياسي ولا يعنيني أمرها، إلا أنه تسنى لي اكتشاف عدم صحة وجهة النظر هذه من مختلف جوانبها حيث لم تكن الإحتجاجات العارمة للإرادة الديمقراطية التي ظهرت في ذلك اليوم قد جاءت من اليسار فقط وإنما من جانب قطاعات واسعة من المجتمع البريطاني. كنت قد ارسلت بخطاب الى حكومة توني بلير التي اخذت تعاني أكثر من العزلة عن الرأي العام تقول إن الدعم البريطاني للحرب التي تشنها اميركا على نحو منفرد على العراق لا يمكن السكوت عليه. هذه الرسالة لقيت في الأيام التالية الإستجابة الواضحة من قبل حزب العمال البريطاني في أثناء انعقاد مؤتمره السنوي في بلاكبول. ولقد كانت ديمقراطية العمل هي الشيء الرائع. على امتداد سواحل الأطلسي، وخاصة في الولايات المتحدة، ثار الجدل في مجلس الشيوخ حول الموافقة على مشروع يقضي باستخدام القوة لشن حرب شاملة تمكن الرئيس الأميركي من شن حرب ضد العراق، حتى وإن كان ذلك قرارا فرديا يعوزه التفويض من الأمم المتحدة وهو المشروع الذي تم اقراره في نهاية المطاف. بالنسبة لغالبية الأميركيين، وانا واحد منهم، فإن الموافقة على مثل هذا المشروع القاضي باستخدام القوة يتضمن خرقاً للتعهدات الدستورية من قبل الكونغرس الأميركي، الجهة الوحيدة التي يخولها الدستور سلطة إعلان الحرب. وهناك على الأقل شخص واحد هو روبرت بيرد من غرب فرجينيا يدرك وحده ذلك وكان قد اعرب عن استعداده للبدء بحملة إعاقة للمشروع. ومعروف عن السيناتور بيرد حمله نسخة من الدستور الأميركي في جيبه ووضعه على أرضية مجلس الشيوخ وإشهاره في وجه الآخرين لتذكيرهم بان الديمقراطية الأميركية قد وجدت على تلك الأرض. ولكن هل يدافع رجل واحد عن الثوابت الأساسية للمجتمع البريطاني فيما تؤيد الغالبية العظمى من التظاهرات التي تشهدها الولايات المتحدة هذه الحرب؟ أين هي أصوات الغضب الرافضة للإنتهاكات التي يتعرض لها دستور الولايات المتحدة؟ إن سكوت الديمقراطية يبدو مخيفاً؟ لقد ظل الدستور دوماً هادياً لي في كل خطوة أخطوها كمواطن أميركي. وهذا الدستور يضع اساساً للولايات المتحدة كدولة للقانون، كما يضع أساساً للمثل العليا التي نحرص باستمرار على أن نحذو حذوها كأمة. وكضابط في البحرية كنت قد أقسمت على حماية هذه الوثيقة وكانت إحدى مظاهر الوفاء إضافة الى مشاركتي في «عاصفة الصحراء» في حرب الخليج الثانية. وعلى الرغم من أنني لست من الداعين الى اللاعنف المعارضين لمبدأ الحرب، إلا أنني أعارض اندفاع بوش ورغبته المحمومة في شن حرب ضدالعراق في هذا الوقت بالذات. إن الأميركيين بوصفهم موقعين على ميثاق الأمم المتحدة كانوا قد أبدو موافقتهم على الإلتزام بجملة من القوانين الدولية التى تحدد بوضوح الظروف التي تستطيع الدول من خلالها الدخول في الحرب، وكلها تستلزم موافقة مجلس الأمن تمشيا مع ما تقتضيه المادة رقم 51 «الدفاع عن النفس» أو الاقتراح الذي يمكن تمريره تحت الفصل السابع من الميثاق (الأمن الجماعي). والمسألة التي يطرحها بوش لا تتماشى مع هذه المواد. لقد أعلن الرئيس الأميركي مرارا أن العراق قد فشل في الوفاء بمتطلبات نزع الأسلحة، وأنه بذلك يشكل تهديداً للأمن والسلام الدوليين. كما صرح ان على العراق أن يسمح بعودة المفتشين بلا شروط وبلا قيود تفرض على دخولهم مواقع التفتيش المختلفة. وكان فشل العراق بالسماح للمفتشين بالعودة لإستئناف مهمتهم للمرة الأولى منذ 1998 قد أثار مخاوف في العديد من الأوساط من أن يكون العراق قد استغل فترة توقف هذه المهمة لإعادة بناء برنامجه لأسلحة الدمار الشامل الذي تم تفكيكه من قبل فرق التفتيش التابعة للأمم المتحدة. والواقع انه من دون أن يكون هناك حضور لفرق التفتيش فإن من الصعوبة بمكان الكشف عن نوايا النظام العراقي، وبسبب الخداع الذي مارسه العراقيون حول وجود هذه الأسلحة فإن الولايات المتحدة وغيرها تجد نفسها مضطرة الى الشك في نوايا العراق. إلا أنه بموافقة العراق الآن على السماح بعودة المفتشين بدون شروط وحسبما تقضي قرارات مجلس الأمن القاضية بنزع أسلحة الدمار الشامل، فإن الفرصة كما يبدو ستسمح بجلاء غيوم الشك التي كانت تحيط باحتمالات التهديد الذي قد تشكله اسلحة الدمار الشامل العراقية، وبالعودة الى حل الأزمة المستمرة مع العراق بالطرق السلمية. إلا أن بوش يرفض ان يوافق على المضي في هذا النهج، والخطوات العملية التي تتخذها إدارة بوش تعري الاسطورة القائلة ان هذه الحرب تشن ضد أي تهديد تشكله اسلحة الدمار الشامل العراقية. وتجعل من الواضح أن هدفها هو إقصاء الرئيس العراقي عن السلطة. وهنا أجد المشكلة الأساسية. إن ميثاق الأمم المتحدة يمنع تغيير الأنظمة. ومن جهة يقر دستور الولايات المتحدة بأن الإتفاقيات الدولية التي تتم الموافقة عليها مع الولايات المتحدة لها سلطة القانون. وقد وقعت بنفسها على ميثاق الأمم المتحدة. إن تغيير الأنظمة لا يعد اختراقاً للقانون الدولي فحسب، وإنما هو أيضاً غير دستوري. إن هناك أسلوباً للتعامل مع الحاجة الى تغيير أي نظام يهدد السلام والأمن الدوليين، وهو اللجوء للأمم المتحدة. وإذا كان بوش يسعى حقيقة الى تغيير النظام الحاكم في بغداد، فإن عليه أن يرفع أمام المحكمة الدولية الجنائية شكوى ضد الرئيس العراقي وكبار المسئولين في حكومته، وهو أمر سهل بسبب سجله الدامي. غير أن القدرة على القيام بذلك تتطلب إدراكاً من الولايات المتحدة بسيادة القانون الدولي وهو شيء برهنت حكومة بوش على انها تكره القيام به. والحقيقة هي أن الأزمة بين العراق والولايات المتحدة تتجاوز كونها مسألة تغيير نظام، فهي تمثل أول موضوع مطروحاً للبحث في إمكانية فرض استراتيجية أميركية جديدة للأمن القومي أعلن عنها مؤخراً، يتم بموجبها الأخذ بمبدأ أحادية اتخاذ القرارالذي يضفي على سلطة المؤسستين العسكرية والإقتصادية الطابع الرأسمالي الذي يساعد الولايات المتحدة على الظهور كقوة عظمى وحيدة، يمكنها أن تفرض سيطرتها على العالم وإن كان ذلك سيتم بواسطة شيء كالإجراء العسكري الوقائي. ولا شك أن هذه الإستراتيجية تتعارض مع مبدأ الدفاع المشترك، أى الإبتعاد الواضح عن مباديء القانون الدولي. إن المبدأ الجديد الذي أقره بوش بشأن أحادية اتخاذ القرار تفوح منه رائحة الهيمنة الإمبريالية، الهيمنة التي خاض الأميركيون من أجل التخلص منها غمار ثورة قبل اكثر من 200 عام. وفيما تخلو شوارع واشنطن من المتظاهرين المحتجين على الانتهاك الذي تتعرض له الديمقراطية الأميركية، هل تمتليء شوارع لندن بالمتظاهرين المحتجين على الانتهاك الذي يتعرض له الدور الذي يلعبه القانون الدولي؟ بكل تأكيد آمل ذلك، لأن شعب بريطانيا ربما استطاع أن يوصل رسالة واضحة لأصدقائه المتمرسين في الديمقراطية هناك في أميركا تخبرهم بأنه متى توجب على الحكومة أن تعرف القرارات التي تتخذها باسم الشعب، فإن إرادة الشعب ليس من الممكن ولن يكون من الممكن تجاهلها. بقلم: سكوت ريتر ترجمة: مريم جمعة فرج عن «جارديان»

طباعة Email
تعليقات

تعليقات