60% من فلسطينيي الضفة تحت خط الفقر، العشائر الفلسطينية تحافظ على تماسكها رغم عاصفة الأحداث

الاربعاء 10 شعبان 1423 هـ الموافق 16 أكتوبر 2002 عندما قام جهاز الدفاع بتقويم فترة العامين من انتفاضة الاقصى قبل اسبوعين مال بعض المعلقين الاسرائيليين لابراز انجازات الاشهر الاخيرة: منع الفلسطينيين من احراز النجاح، توفير رد واستجابة أمنيين لتهديد الارهاب، بداية عملية داخلية «للمحاسبة الذاتية» في السلطة الفلسطينية خصوصا إثر حقيقة ان موجة العمليات لم تنتزع من اسرائيل أي تنازل. ولكن الاستعراض الذي طرحه مؤخرا منسق العمليات في المناطق، جنرال عاموس جلعاد، طرح الجانب الثاني من العملة: بعد عامين من المجابهة أصبح وضع سكان المناطق في اسوأ حال كان عليه في أي وقت من الاوقات، في المناطق تجري الآن عملية «تعميق الضائقة» قال جلعاد وطرح معطيات للبرهنة على ادعاءاته.جلعاد يتابع ما يحدث في الجانب الفلسطيني منذ سنوات طويلة، ولكن تعيينه قبل سنة في منصب منسق العمليات غير زاوية الرؤية التي ينظر منها بعض الشيء، والآن أصبح يراقب المجريات الاقتصادية والاجتماعية في السلطة الفلسطينية بدلا من دراسة الخطر الذي يلوح لاسرائيل من قبل الفلسطينيين، ولكن عمق الضائقة التي تتكشف هناك سيلقي بظلاله بطبيعة الحال على العلاقات بين الفلسطينيين واسرائيل في المستقبل القريب. وحسب معطيات جهاز تنسيق العمليات يوجد الآن أكثر من 60 في المائة من الفلسطينيين تحت خط الفقر الذي حدده البنك الدولي (في القطاع تبلغ النسبة 80 في المئة)، مكتب الاحصاء الفلسطيني يتحدث عن 45 في المائة بطالة، 11 في المائة منهم يئسوا من عملية البحث عن عمل ما، مليونان من بين الثلاثة ملايين فلسطيني يعتمدون في معيشتهم على المساعدات الخارجية، والفلسطينيون كما يحدد خبراء منسق العمليات تحولوا من مجتمع منتج الى مجتمع يعيش على العوز ويحتاج الى مساعدة انسانية حتى يواصل بقاءه.الفلسطينيون يعتمدون بصورة كاملة على المساعدات الخارجية لتمويل أعمالهم الجارية، وفي الوقت ذاته تبرز أهمية المساعدة الاجتماعية التي تقدمها منظمات مختلفة من وكالة غوث اللاجئين وحتى جمعيات الزكاة الخيرية الاسلامية. ميزانية وكالة غوث اللاجئين ارتفعت لتصل الى 155 مليون دولار، كما ان الوكالة وسعت عملها لمساعدة الفلسطينيين المقيمين بشكل دائم من غير اللاجئين وبشكل يتجاوز التفويض المعطى لها بمساعدة اللاجئين فقط، أما الصليب الاحمر فيقوم بتوزيع الأغذية والقسائم في القرى والمدن في الضفة مفترضا ان هؤلاء الناس أكثر عرضة للفاقة والعوز من اللاجئين الذين يحصلون على المساعدة أصلا، 50 ألف عائلة في المناطق حظيت بدعم من الصليب الاحمر، وهناك ايضا ظهرت بعض الاخلالات حيث وصلت بعض المساعدات لمن لا يستحقونها. وفي جهاز الدفاع يلاحظون ارتفاع ظاهرة الجريمة والتسول في المناطق، التقارير تتزايد حول عمليات السطو على المتاجر وسرقة السيارات (حظر التجول والاغلاقات يجعل سرقة السيارات من اسرائيل مسألة صعبة) وترويج المخدرات. في المقابل ظهرت «شرائح سكانية خاصة» من المتضررين من الانتفاضة: عائلات الشهداء، والعائلات التي فقدت منازلها (سكان مخيمي جنين ورفح الى جانب عائلات الانتحاريين)، آلاف المعاقين الذين تحولوا الى عبء اضافي على المجتمع الفلسطيني، في الضفة الغربية تنشأ ظاهرة الهجرة الى الأقطار الغربية خصوصا في اوساط المسيحيين الأفضل حالا نسبيا، أما في اوساط المسلمين فتلمس ظاهرة العودة للدين، استطلاعات الرأي تشير الى ان حماس تحافظ على قوتها (20 في المئة من المستطلعين يؤيدون حماس)، وحركة فتح تتراوح بين 27 - 30 في المئة، ولكن حماس تظهر في اوساط الجمهور كحركة مستقيمة ونظيفة، بينما تعتبر فتح تنظيما ملوثا حيث تضر تصرفات الميليشيات المسلحة المنبثقة عنها بصورتها أكثر فأكثر، وعندما حاول التنظيمان مؤخرا تنظيم مظاهرات ضد تصريحات الولايات المتحدة نقل سفارتها الى القدس منيت جهود فتح في الضفة بالفشل الذريع بينما تكللت مظاهرة حماس في القطاع بالنجاح. أحد التغيرات البارزة التي يتحدث عنها مكتب منسق العمليات هو تعزيز النظام والأواصر القبلية والعشائرية في المناطق التي ملأت الفراغ الذي خلفه غياب الجهاز الحاكم الذي يجد صعوبة في الاستجابة للمشكلات في مجال الرفاه الاجتماعي والنظام العام. مصدر أمني اسرائيلي يقول ان هذا هو سر استقرار المجتمع الفلسطيني الى جانب المساعدات الخارجية، فالعشائر تحافظ على تماسكها رغم كل ما حدث، ولذلك لا توجد عملية تفكك في جانبها، في هذا الاطار نجد ان عائلة الوزير نبيل عمرو قد نشرت بيان دعم له عندما هوجم منزله بالرصاص لانه هاجم ياسر عرفات، وجبريل الرجوب الذي فقد سطوته إثر خصومته مع الرئيس عاد ليرتكز على قوة عشيرته في منطقة الخليل، كما ان عملية قتل أحد كبار الضباط في السلطة الفلسطينية في غزة لم تخل من الدوافع العائلية في الانتقام والأخذ بالثأر. وحتى عملية الجيش الاسرائيلي في خانيونس التي قتل فيها 16 فلسطينيا أثارت في اوساط الجمهور الفلسطيني اهتماما أقل من ذلك الذي تسببت به معارك حماس والسلطة، ولكن جوهر أهمية النظام العشائري (الذي أخذ بيديه صلاحية معالجة النزاعات القانونية) يكمن في تقديم المساعدة للمحتاجين داخل الحمولة. فكيف يحافظ الفلسطينيون على صمودهم على الرغم من المصاعب الاقتصادية؟ 125 ألف فلسطيني يحصلون على رواتب من السلطة، 18 ألف فلسطيني يعملون في اسرائيل (7 آلاف آخرين حصلوا على تصاريح في الآونة الاخيرة)، 8 آلاف تاجر فلسطيني يستطيعون الدخول الى اسرائيل. ولكن الاستهلاك العائلي تقلص جدا لدرجة سوء التغذية في بعض المناطق (جلعاد كرر قوله انه لا يوجد مجاعة في المناطق)، عائلات كثيرة تقوم ببيع ممتلكاتها واحيانا اراضيها، الباعة المتجولون وعمل الاطفال ازداد بصورة كبيرة جدا. وفي المجال السياسي تتواصل عملية التطرف تجاه اسرائيل حسب اعتقاد موظفي مكتب منسق العمليات، وهذا التطرف يتغذى ايضا من التحريض وكذلك من الاحتكاك اليومي مع الجيش الاسرائيلي ومن التأخر والاهانات على الحواجز ومن الخسائر الكبيرة، استطلاعات الرأي التي يجريها الدكتور خليل الشقاقي (الذي يعتبر المصدر الأكثر ثقة في هذا المجال) تظهر ان 70 في المئة من سكان المناطق يعتقدون ان المجابهة المسلحة تسهم في تحقيق أهداف الشعب الفلسطيني، و53 في المئة يعارضون ايقاف العمليات في حدود 1967، وأكثر من 90 في المئة يؤيدون استمرار الهجمات على الجنود والمستوطنين في المناطق، والامر الأكثر اثارة للقلق هو: أكثر من 50 في المئة يعارضون القيام بخطوة مصالحة مع اسرائيل على المدى البعيد ايضا، وخلاصة ما جاء في تقرير منسق العمليات جاءت في صيغة مباشرة: وحدة الهدف الفلسطيني بقيت على حالها وبقيت معها روحية مكافحة اسرائيل رغم الضائقة الاقتصادية الصعبة والمحاسبة الذاتية الداخلية، الا ان انتهاء الانتفاضة لا يظهر في الأفق. بقلم: عاموس هرئيل عن « هآرتس»

طباعة Email
تعليقات

تعليقات