جائزة نوبل شرف متقلب، كارتر يعيد لدائرة الضوء دروس مرحلة غابرة

الثلاثاء 9 شعبان 1423 هـ الموافق 15 أكتوبر 2002 في 12 مارس 1978 وقف رئيس الولايات المتحدة، جيمي كارتر، امام حكومة اسرائيل في القدس وطالبها بالموافقة على المواقف الاميركية في المفاوضات الاسرائيلية - المصرية للسلام. وكان قد بقي بين الدولتين قضيتان فرعيتان مختلف عليهما - المطلب المصري باقامة مكتب ارتباط في غزة والمطلب الاسرائيلي بمعاهدة طويلة المدى للتزويد بالنفط المصري. كان هذا تصور غير مسبوق: رئيس الدولة الاعظم في العالم يظهر امام حكومة اسرائيل من اجل اقناع اعضائها بقبول آرائه. وفي الوقت نفسه كان هذا سلوكاً يتميز به كارتر: من اللحظة التي تدخلت فيها الولايات المتحدة في المفاوضات الاسرائيلية - المصرية (التي بدأت بدون علمها) لم توفر جهدا من أجل انهائها بنجاح. الظهور في القدس، وبقدر ما اثر على الوزراء الا انه لم يكن لطيفا بالنسبة لهم، حيث مارس كارتر ضغطا شديدا: «ستكون هناك نتائج مأساوية لرفضكم فتح مكتب ارتباط (مصري) في غزة. استجابتكم لهذا المطلب هو مصلحة قومية عليا للولايات المتحدة. التزمت بصورة شخصية امام الرئيس السادات بنيل موافقتكم على هذا التوجه، ومصداقيتي الشخصية هي الان امام اختبار». وكان بيغن قد غضب من موقف كارتر ولهجته، وقال: «لن نوقع على هذه الوثيقة» . رد عليه كارتر «ستكون ملزما بالتوقيع». بيغن: «سيدي، لن أكون ملزما بالتوقيع على أي وثيقة لا اوافق عليها». فهم كارتر ان عليه تغيير لهجته: «انت محق، سيدي رئيس الحكومة» قال لبيغن الذي كان حساسا لشرف حكومته ومظاهر السيادة الاسرائيلية «انت محق. أنا آسف». كانت النهاية حسنة. طُبخ الحل الوسط. والقضيتان اللتان انذرتا بنسف اتفاق كامب ديفيد ازيلتا عن جدول الاعمال وبعد اسبوع التقى كارتر، بيغن والسادات في ساحة البيت الابيض ووقعا على معاهدة السلام وهما متشابكا الايدي في صورة لن تنسى والتي فتحت عهدا جديدا في تاريخ المنطقة. دور كارتر في المفاوضات الاسرائيلية - المصرية كان نموذجا لقيادة جديرة بأن نتعلم منها. لقد كرس الرئيس كل جهده من اجل قيادة الطرفين نحو الاتفاق. ولاجل ذلك استخدم جملة من التهديدات والاغراءات والحوارات المباشرة والمسارات غير المباشرة وعبر ذلك عن الثقل الكبير للولايات المتحدة. وكانت شخصيته والتزامه قد لعبا دورا في انجاح المفاوضات اكثر من الوسائل التي كانت تحت تصرفه. كان كارتر جنديا مخلصا لفكرة الصلح الاسرائيلي - المصري، وبفضل تمسكه بالمهمة حقق هذا الانجاز. ولولا أنه كان مولعا بالامر لكان هناك شك في ان تنجح المفاوضات الاسرائيلية المصرية. هذه الملاحظة تسري على الحاضر ايضا وخاصة في كل سياق سياسي وعسكري: التعاطف الشخصي مع الهدف، والقناعة الداخلية بصدق الدرب، هما الوقود الذي يحرك الناس في الدرب المتعرج نحو الهدف. في اليوم الذي أُنصف فيه كارتر وحصل على جائزة نوبل للسلام، بسبب دوره في انجاح المفاوضات الاسرائيلية - المصرية، لا يمكن الا ان نأسف على انعدام شخصيات - في اسرائيل، والمجتمع الفلسطيني وكذلك في الولايات المتحدة - تمسكها بالسلام الاسرائيلي - الفلسطيني يشبه تمسك كارتر به. صحيح ان جائزة نوبل للسلام هي شرف متقلب: حيث ان ما يبدو جديرا بها في يوم يتضح انه غير جدير بعد مرور وقت ما، ومما يثبت هذا هو قرار منح الجائزة لاسحق رابين، شمعون بيريز وياسر عرفات. ولكن في الوقت نفسه ما يبدو سخيفا اليوم قد يبدو مصيبا من الزاوية التاريخية (منح الجائزة لهنري كيسنجر). في هذه اللحظة تبدو نهاية اتفاق اوسلو كدليل آخر للرأي الخاطيء للجنة الجائزة النرويجية ولكن ليس هناك ما يؤكد ان السبب لذلك ليس غياب قيادة من النوع الذي اظهره كارتر. بقلم: عودي بينزيمان عن «هارتس»

طباعة Email
تعليقات

تعليقات