بعد عامين من انطلاق انتفاضة القدس، أسئلة حرجة تفرض نفسها على القيادات الفلسطينية

الثلاثاء 9 شعبان 1423 هـ الموافق 15 أكتوبر 2002 هل تقوم الانتفاضة بتغيير وجهها؟ نحو ماذا نسير؟ مجموعة طويلة من الشخصيات الفلسطينية حاولت ان تجيب عن هذه الاسئلة مع مرور عامين على الانتفاضة وأحداثها الدموية. وكل ما نشر في الاسابيع الاخيرة من قبل الفلسطينيين تطرق الى الخسائر الناجمة عن الأحداث الدموية. حوالي ألفي قتيل، رُبعهم من الاطفال والفتيان الذين تقل أعمارهم عن السبعة عشر عاما، و130 امرأة، و17 طبيبا وعضو طاقم طبي، وستة صحفيين. 40 ألف جريح حيث تحول الكثيرون منهم الى معاقين بصورة دائمة. والأضرار في الممتلكات كبيرة هي الاخرى، 5 آلاف بناية مدمرة، وفي أماكن مثل خانيونس ورفح وجنين يمكن ان نتحدث عن أحياء كاملة تمت ازالتها. كما تم تدمير محلات تجارية بالمئات وعشرات الورش والمصانع. إعطاب المناطق الزراعية والمدارس ورياض الاطفال والمساجد والفنادق ومحطات البث. والى جانب ذلك دمرت عشرات المباني التابعة لاجهزة الأمن الفلسطينية ومكاتب عرفات كذلك. الاقتصاد الفلسطيني انهار بصورة تامة تقريبا، وتحول سكان الضفة وغزة الى شعب يحاول الصمود يوماً بيوم. وزير العمل الفلسطيني غسان الخطيب قال مؤخرا ان في المناطق 500 ألف شخص بلا عمل. 150 ألفاً من بينهم عملوا في السابق في اسرائيل و300 ألف في مناطق الضفة وغزة، ولكنهم هم ايضا لا يتمكنون من الوصول الى أماكن عملهم بسبب حظر التجول على الحواجز. الأحياء القريبة من المستوطنين في الخليل هي التي عانت بقدر أكبر من أيام حظر التجول: منذ مطلع الانتفاضة فرضت على هذه الأحياء 385 يوما من حظر التجول، وهناك عدد كبير من سكانها الـ 30 ألفاً قد انتقلوا للعيش في اماكن اخرى. في كل الاجمالي الفلسطيني لنتائج الانتفاضة يصعب ان تجد أفكارا بالندم، ولكن هناك بالتأكيد شعور بالتغيير. ليس هذا تغييرا نابعا من محاسبة للنفس أو من اعادة تقويم للوضع، وانما بسبب تغير الظروف، الظروف في الضفة وغزة مغايرة الآن ولذلك تتحول الانتفاضة هي الاخرى الى انتفاضة اخرى. محمد ضراغمة من نابلس، وهو أحد الصحافيين الفلسطينيين الماهرين جدا، والذي يكتب في صحيفة «الايام» يقدر ان الانتفاضة تعود الى طابعها الشعبي الأصلي، وان هذا المسار سيتواصل ويتعزز. ضراغمة يقصد ان العنصر العسكري وتبادل اطلاق النار وحتى المعارك، خصوصا في الضفة، التي جرت سابقا بين الجيش الاسرائيلي ونشطاء الانتفاضة المسلحة اختفت تقريبا. والآن تحتل مكانها عمليات الاحتجاج الشعبي من مظاهرات ومسيرات ورشق للحجارة. الآن توجد صور ومشاهد متزايدة للاولاد وهم يرشقون الدبابات بالحجارة، مثلما حدث في الانتفاضة السابقة، ولم يعد هناك المزيد من الهجمات الفلسطينية المنظمة على الحواجز أو اطلاق النار المتواصل على أحياء قريبة مثل جيلو أو بسغوت (في ضواحي البيرة). والامر الذي تسبب في حدوث التغيير أو الانعطاف في الانتفاضة كان العمليات التي قام بها الجيش الاسرائيلي لاعادة احتلال الضفة والتي بدأت قبل سنة ونصف السنة في عملية «السور الواقي». هذه العمليات التي قام بها الجيش الاسرائيلي قضت في الواقع على جهاز الأمن الفلسطيني ونقلت الاشراف على الأمن الى الاسرائيليين بصورة كاملة. التغير اعتبر في المصطلحات الدبلوماسية انتقالا من مناطق (أ) الى مناطق (ب) حيث تتولى اسرائيل المسئولية الأمنية الكاملة. والفلسطينيون ايضا لاحظوا انهم لم يعودوا في الاشهر الاخيرة يسمعون من داخل اسرائيل صيحة «اتركوا الجيش ينتصر»، لماذا؟ ذلك لان الجيش احتل رام الله ونابلس وجنين وغيرها من مناطق السلطة في الضفة حيث تقطن الاغلبية الساحقة من الفلسطينيين. موقف الجيش الاسرائيلي هذا عبر عن نفسه من خلال القضاء على الكثيرين من منظمي العمليات في الضفة والتي اعتبرها الفلسطينيون عمليات عسكرية. وحسب المعطيات الفلسطينية قامت اسرائيل بتصفية 124 ناشطا من نشطاء الانتفاضة ومن بينهم 47 من حماس و44 من فتح و19 من الجهاد و14 من المنظمات اليسارية. كما اعتقلت اسرائيل منذ مطلع الانتفاضة 30 ألف فلسطيني (حسب معطيات نادي الأسير الفلسطيني)، اغلبهم (20 ألفاً) عادوا الى منازلهم بعد عدة ايام أو اسابيع أو شهر من الفحص والتحقيق. في السجون والمعتقلات الاسرائيلية يوجد اليوم 8 آلاف سجين أمني فلسطيني (الفلسطينيون يطلقون عليهم اسم الأسرى وليس السجناء، أما في الصحافة الفلسطينية فيقولون انه اذا كانت اسرائيل تعتبر الانتفاضة حربا فعليها ان تتعامل مع السجناء كأسرى ووفقا للمعاهدات الدولية، وان من المحظور بالتالي التعامل معهم كارهابيين). الاعتقالات الجماعية التي اعتقل في اطارها 60 امرأة وعدد كبير من الفتيان، أثارت في الآونة الاخيرة حملة اعلامية فلسطينية واسعة النطاق. يتحدثون عن ظروف الاعتقال والوضع الصحي والازدحام والتعذيب خلال التحقيقات. وأهالي الأحداث الفلسطينيين في سجن تلموند يتحدثون عن تحرشات السجناء الجنائيين بأبنائهم. وفي حالات كثيرة يتم اعتقال عائلات المطلوبين لممارسة الضغوط عليهم لتسليم انفسهم. الاعتقالات الجماعية هي أحد مؤشرات الانتفاضة الشعبية الجديدة ـ القديمة، وكذلك الحال بالنسبة للعدد المتزايد من المواطنين المتضررين. واذا كان الجيش الاسرائيلي قد قام بملاحقة خلايا التنظيم وحماس قبل عملية «السور الواقي» والتي كان بعضها يعمل بايحاء ومساعدة من اجهزة الأمن الفلسطينية، فها هو يضطر الآن لملاحقة المتظاهرين والاولاد راشقي الحجارة. التحول في الانتفاضة ملموس في الضفة بصورة أساسية، وهو أقل بروزا في غزة، حيث ما زال جهاز الامن الفلسطيني موجودا وفاعلا. ولكن في القيادة الفلسطينية يقدرون ان عمليات الجيش الاخيرة في خان يونس ورفح تدلل على ان اسرائيل تستعد الى اعادة احتلال غزة ايضا. سبب التغير في الانتفاضة لم يكن، كما أسلفنا، ناجما عن محاسبة ذاتية أو مبادرة فلسطينية، ولكن عددا كبيرا من الفلسطينيين يرحب به. والحديث يدور قبل كل شيء عن نشطاء من فتح وعن شركائها من اليسار (فدا والحزب الشيوعي سابقا). سمير مشهراوي أحد قادة فتح في غزة قال مؤخرا ان استخدام السلاح ليس ناجعا بالنسبة للكفاح الفلسطيني، وان من الأفضل الانتقال الى اللاعنف الذي يوفر للفلسطينيين التعاطف والتضامن الدولي. وهناك عدد كبير من الناس يفكر مثل سمير مشهراوي بل ويقولون علانية ان الصراع العسكري العنيف في انتفاضة الاقصى قد وفر لشارون ذريعة لزرع الدمار في الضفة وغزة. وهذه الامور تتعارض مع ادعاء اسماعيل أبو شنب من قادة حماس في غزة بأن أحد الانجازات الهامة للانتفاضة كان عسكريا بالتحديد: تدمير خمس دبابات اسرائيلية على يد خلايا حماس. الكثيرون في الجمهور الفلسطيني يعتقدون بالفعل ان صدامات الانتفاضة في المستقبل القريب ستكون مدنية أكثر منها عسكرية. وفي محادثة شخصية جرت في شرقي القدس قال أحد المحاضرين في جامعة بير زيت انه ليس صدفة ان شعار «اتركوا الجيش ينتصر» يخلي مكانه لشعارات «الترانسفير» في اسرائيل. والسبب من وراء ذلك بسيط، ففي اسرائيل ايضا يشعرون بأن الانتفاضة تتحول الى انتفاضة شعبية وأقل عنفا بعد اعادة الاحتلال. وليس من الممكن هزيمة شعب بأكمله، لذلك يتعالى الآن صوت المطالبين بالطرد والابعاد. بقلم: داني روبنشتاين عن «هآرتس»

طباعة Email
تعليقات

تعليقات