استراتيجية الحرب الباردة لم تتراجع اصداؤها بعد، دكتاتوريو العالم الثالث قطع شطرنج على رقعة أميركية

الثلاثاء 9 شعبان 1423 هـ الموافق 15 أكتوبر 2002 ما شأن الاسم؟ هكذا يتساءل شكسبير في مسرحية «روميو وجولييت» ويرد جورج اورويل في رواية «1948» قائلا:« يوجد في الاسم عكس ما نعتقده تماما. الحرب هي السلام. الحرية هي العبودية . الضعف هو القوة. منذ القدم، جاء الاسم ليكون درع الشخصية، ومن أجل التشديد عليها، جرت العادة على ان يصاحب الاسم نفسه نعت ما. فهم كثر اولئك الملوك الذين لا يمكن فصم عراهم عن النعت، عوليس هو الحكيم وبينيلوبي تقاسمه النعت، وبيينو هو القصير، فلييي الرائع، كارلوس الاصلع او العاشق الجيد «فرنسا»، الجسور «بورجوينا»، السيئ «نافار» او الاعرج «صقلية» وفي اميركا اللاتينية المستقلة، يمكن لنعوت الاسماء ان تكون بطولية «بوليفار المحرر، خواريز الفاضل» او محقرة «ليوناردو ماركيز، نمر تاكوبايا، ومانويل لوزادا، نمر أليكا» او حازمة «فرنسا، الاسمى في الباراجواي» او مثيرة للسخرية «سانتا ماريا، صاحبة الرفعة اوتروخيلو المحسن واب الوطن الجديد». الى ذلك يمنح الطغاة الشموليون للقرن العشرين انفسهم القابا بطولية «الفوهرر» او متواضعة (السكرتير الاول للحزب) ما يميز ليس الاسم وحسب بل الكلمة ايضا ولحسن الحظ وأن استشهادا شيكسبيريا آخر يصل في حينه عندما يقول هاملت: «كلمات، كلمات، كلمات» فهناك في ارض الكلمة (اطناب رومان جاكوبسون وسطح الكلام وتعاقبه الخطي غير القابل للانعكاس والمتزامن في آن) حيث لغة المدينة (لغة السياسة) اما ان تنكشف او تختفي مثل عوليس في عودته الى «ايتاكا». ومهما عظم اوهان شأن الطغاة فهناك فارق جوهري بين لغتي الطاغيتين الاكثر دموية في القرن العشرين، هتلر وستالين اما هتلر فانه لايتستر ابدا بالكلمات على نواياه السياسية وهو لايكشف النقاب عنها وحسب بل يشدد عليها ويحولها الى فعل. في المقابل يزود ستالين نفسه بفلسفة اجتماعية انسانية ولا يتنازل بالمطلق في ماهو جوهري عنها الا من اجل تتبيلها مع الصلصة اللينينية، فاذا كانت الشيوعية تعني وجود البروليتاريا في السلطة (النصر النهائي للمعنيين في الارض) فان الحزب كما يؤكد ستالين هو «الشكل الاعلى للطبقة العاملة». مع ذلك فان مالا يستطيع اي دكتاتور التخلي عنه يتمثل في عبادة الشخصية فباسم سلطة ستالين يذهب الى منصة الاعدام جميع مخضرمي البلاشفة من المرحلة البطولية، والبعض منهم يعلن نفسه خائنا لستالين حتى ان واحدا منهم وهو ميخائيل كولستوف قد وصل به الامر حد القول: «اذا اعلن ستالين اني خائن، فسوف اعتقد بذلك وسأعلن نفسي مذنبا». وهذا المجرم المصاب بالذهان الهذياني جوزيف ستالين، قادر على القول ان «الموت مأساة، وان مليونا من الاموات هو رقم احصائي وان الموت يحل جميع المشكلات» لذلك كان بمقدوره استثارة حماس المقربين من حالة الانشاء كما يثبت ذلك في كلمات الكاتب كورني شوكومتسكي اثر تأمل الاب الروحي للشعوب في مؤتمر عام 1936: «حدث شيء غير عادي فعندما نظرت حولي وجدت انه بالنسبة لنا جميعاً كانت مجرد رؤية ستالين تجعلنا سعداء وتشعرنا بأننا مبجلون». ولم يبق هتلر في المؤخرة حيال الحاجة الى التملق فلقد اعلن جوبلز عام 1932 ان «هتلر عظيم، ويتسامى علينا جميعا» ويأتي رجع الصدي من هيس قائلا: «الحزب هي هتلر. وهتلر هو ألمانيا ألمانيا هي هتلر» لكن الفوهرر كان اكثر همجية ومباشرة من متملقيه فلقد كان قادرا على اعلان حقيقة الكذب بصفاقة وجه مثالية حيث يقول «تصدق الجماهير الكذبة الكبيرة اكثر من الكذبة الصغيرة». اما طغاة الحرب الباردة في اميركا اللاتينية (بينوشيه، فيديلا)، فلقد عوضوا عن سلطاتهم الاقل من هتلر وستالين بتشديد سوء المعاملة، فراحوا يمارسون القتل والتعذيب والخطف بشتى الوسائل حتى ان قائمة جرائم دكتاتوريي تشيلي والارجنتين تعد لا متناهية لكن عنصرا جديدا يظهر في هذا الصدد، عنصر مريع بحد ذاته وبعواقبه معا حيث كان طغاة اميركا اللاتينية من كاستيو آرماس في جواتيمالا الى جوالتيري في الارجنتين قطع شطرنج في لعبة اكبر منهم وهذه كانت السياسة الاستراتيجية للولايات المتحدة خلال الحرب الباردة فذلك الدعم الاميركي هو الذي افضى الى سقوط الحكومات الديمقراطية لكل من اربينز في جواتيمالا والليندي في تشيلي ولقد جعل الغرور الفظ عسكر الارجنتين يعتقدون ان حكومة ريجان كانت ستدعمهم في حرب جزر الفوكلاند. وفي داخل الولايات المتحدة نفسها تمثل التهديد الاكبر للحريات بعضو مجلس الشيوخ عن واشنطن، جوزيف مكارثي، فلقد اطاح هذا الغوغائي الكريه الذي لا يردع بدم بارد سمعة وسيرة افراد وعائلات كثيرة وانطلقت ايديولوجيته من معاداة الشيوعية وممارسته الوشاية التي حولها الى قدر فلقد كانت الوشاية بالآخرين برهانا جديا على الوطنية واتهام الواشي شكلا من اشكال خيانة الولايات المتحدة. ولم يفض رد الفعل الديمقراطي على مكارثي الى القضاء على المسيرة الهدامة لمطاردة الساحرات، بل هيأ ردا سياسيا ليبراليا (مثلما يطلق الاميركيون على اليسار) توج بحركة لصالح الحقوق المدنية وضد التمييز العرقي والحرب في فيتنام. انه نموذج وحيد لسلطة فريدة وانا استجلى غوامض هذه السوابق لاظهار قلق جسيم مفاده انه على الرغم من الشطط والجرائم الفظيعة للنظم الاستبدادية الشمولية في القرن الماضي الا اننا لا ندخل الآن بشكل اكثر مكرا وحداثة بكثير من التسلطية. (فمن الصعب ان يفنى تنين هوبز). لكن هذه هي المرة الأولى منذ الامبراطورية الرومانية التي تسيطر فيها قوة واحدة على العالم. صحيح ان الولايات المتحدة تحظى بتقليد ديمقراطي راسخ كنت قد علقت عليه دائماً رهاناتي النهائية بالنسبة لأمة أقدرها وأحبها بسبب طبيعة ناسها وثقافتها، لكن الصحيح ايضاً ان لها تقليداً امبريالياً كانت قد مارسته بدون قيود في اميركا اللاتينية التي تعتبرها «الفناء الخلفي». واليوم بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001، لم تعد اميركا اللاتينية حتى ذلك الفناء الخلفي، بل غدت قبواً للنسيان. وفي المقابل، يبسط غياب القوة البديلة جبروت الولايات المتحدة في الكرة الارضية قاطبة كما تثبت الوثيقة التي نقلها جورج بوش الى الكونغرس في الحادي والعشرين من شهر سبتمبر المنصرم. فالأمر لا يتعلق اليوم بتمجيد فرد، فوهرر، وإنما أمة بأكملها. وهتلر وستالين مارسا الرعب كجزء من الثقافة الشمولية الأكثر قدماً وذلك بالمطالبة بتكريمات شخصية أعلى مما تستحقه أمتيهما عن طريق تمجيد الاسم نفسه. أما الدائرة الموجودة في السلطة في واشنطن فهي أكثر براعة بشكل لا يقارن، إذ انها تحتمي وتعطيها قيمة توحيدية شاملة وحصرية. فلقد أعلن بوش ان الولايات المتحدة هي النموذج الوحيد الباقي من التقدم الانساني، وأعربت كوندوليزا رايس مستشارته الأمنية عن النتيجة الطبيعة بعجرفة مشابهة حين قالت ان على الولايات المتحدة ان «تنطلق من الأرض الصلبة لمصالحها القومية وان تنسى مصالح المجتمع العالمي المخادع». أكثر وضوحاً من الماء تعتبر الولايات المتحدة نفسها النموذج الوحيد للعالم، وتقترح فرضه بدون أي اعتبار لبقية الانسانية ـ جميعنا أميركيين لاتينيين، أوروبيين، آسيويين، أفريقيين.. الذين لا نعدو كوننا مجتمعاً عالمياً خادعاً. لكن هناك أكثر، فالشيكولاتة كثيفة، وهكذا مثلما أتى هتلر باسم الشعب الألماني وستالين باسم الطبقة العاملة الروسية، يقول بوش انه يتصرف باسم شعب الولايات المتحدة «النموذج الوحيد الباقي من التقدم الانساني». وهذا اعلان مشابه يضعنا من جديد أمام «الكذبة الكبرى» التي دعا اليها هتلر بهذا القدر من المكر. وما هي الكذبة الكبرى لنظام بوش؟ بالمصطلحات التاريخية والثقافية ما هي ببساطة إلا واقع ان البرازيل أو فرنسا أو الهند أو اليابان أو المغرب أو نيجيريا لا تمثل نماذج أخرى ذات قيمة من التقدم الانساني مع تقاليد مغايرة ومع طرائق وأهداف جديرة بهذا القدر من الاحترام كما يؤكدها النموذج الاميركي، لذلك فإن المرعب في اعلان كاعلان بوش هو انه يحضر أولاً بشكل سري، ولاحقاً بشكل تضليلي لانتهاء كل نموذج تقدمي لا يكون النموذج الاميركي، وبالنظر لما تستوجبه المدنية الديمقراطية الاميركية من احترام وتقدير فإنه لا فرق يذكر بين هذا التفكير وما فكر به كل من هتلر وستالين حيال نموذجيهما. الجبروت عقب الجبروت، ولاتزال هناك اضافة، فالادارة الراهنة للولايات المتحدة ليست أكثر من واجهة لمصالح اقتصادية واضحة الى أقصى حد. ومنذ الفترة التي أفضت الى الاختيار الملتبس للرئيس الاميركي في نوفمبر من عام 2000. أنا ألح وأشدد من خلال كتاباتي على ان طغمة بوش ـ تشيني تمثل بوضوح مصالح اقتصادية ملتصقة بالصناعة النفطية، وكنت قد وثقت في حينها هذا القول الجازم. واليوم أراه بفزع، فالسعودية المنتج النفطي الأول في العالم تعتمد على احتياطي نفطي يقدر بنحو 262 ألف مليون برميل من الانتاج العالمي للذهب الأسود. وفي المقام الثاني يوجد في العراق احتياطي يصل الى 130 ألف مليون برميل. وفي المقام الخامس تأتي ايران مع 90 ألف مليون برميل حيث يكفي اجراء عملية جمع بسيطة لادراك انه بالاستيلاء على موارد الطاقة العراقية فقط، تحول الولايات المتحدة نفسها الى أول قوة نفطية في العالم، محجمة روسيا وكل أوروبا واليابان الى مستوى الدول الزبونة أو مستعمرات نفطية للولايات المتحدة. هذه هي الحنكة الحقيقة التي تقبع خلف الخلط المقلق للغطرسة والمحمية وتعظيم قيم انسانية يجدها المرء في رسالة بوش الى الكونغرس. هذه وكذلك الرأي العام الاميركي من الممكن ان يتحولا عبر عناصر وطنية أو انتخابية الى ضمانات احتياطية لأسلوب الحكم الفردي الجماعي وغير الشخصي والمخاتل الذي تحبل به القوة العظمى الوحيدة. وتكتب سوزان سونتاج ببسالة قائلة انه «ليس هناك من حروب لا تنتهي، لكن توجد تصريحات لبسط السلطة عبر دولة لا تؤمن بأنها قابلة للبحث والمناقشة»، وتحيلنا كلمات الكاتبة الليبرالية هذه الى موضوع الحريات العامة داخل الولايات المتحدة المنتهكة بشكل خطير من خلال مقاصد الوشاية والسجن بدون محاكمة ولا دفاع والحرمان من الحرية الشخصية المعلنة من قبل ادارة بوش، انه هنا بالذات حيث اعتقد ان الشعب الاميركي المخدوع احيانا، كما قال لنكولن، لكن ليس دائما والبعض منه لكن ليس الكل، يستطيع وينبغي ان يتفاعل بهدف ان يعيد للاسماء والكلمات معانيها ودلالاتها السوية، ترى هل يفعل ذلك؟ لقد دخلنا بمرحلة جديدة لم تعد فيها لا الحكومة الامبراطورية ولا رؤوسها يستحقون نعوتا تاريخية ولا زعامات اسطورية. ألبس الدوتشي بوش وتشيني القناع واشكروفت السجان وكوندوليزا سيدة نهر البوتوماك ورامسفيلد الاعزب الصريح وباول الذي يعاني من الجمود والقائمة تكفي وتزيد، فهؤلاء الاشخاص يمارسون سلطة ظلال متبدلة وغير ثابتة وحتى خرقاء ويمكن استبدالهم جميعا من دون ان يتركوا اثرا وذلك على خلاف ستالين وهتلر اللذين كانا غير قابلين للعزل، اما بوش وتشيني فليسا كذلك، هذا ما يجسد الطموح بأن تطرد الطغمة المستولية على البيت الابيض منه في نوفمبر عام 2004 مع ذلك وحتى ذلك الحين، سيكونون قد فعلوا كل الضرر الذي يمكن أن تفعله سلطة بدون حدود خارجية، على الرغم من وجود حواجز ديمقراطية داخلية جدية والتي تمثل الفارق الكبير مع القوى الامبراطورية في الماضي، فعلى الصعيد الخارجي لا يوجد من يواجه حكومات الولايات المتحدة اما على الصعيد الداخلي فإن عناصر كثيرة تتوسط بين المقترع وصندوق الاقتراع اهمها المال ووسائل الاعلام كما يمكن للمواطن ان يصل الى الاقتراع وهو مخوف بالعنصر الوطني المتمثل بالكونغرس والسلطة القضائية لكن بقدر ما يطالب المقترعون بامتيازاتهم بقدر ما يحولون الولايات المتحدة الى القوة العظمى الوحيدة في العالم «المعولم» لكنهم يحولونه ايضا الى أول امبراطورية عالمية مع مكامن قوة داخلية للسيطرة. كيف نسمي سلطة بهذا القدر من الاتساع والشدة والتناقض؟ اي اسم نعطيه لقادته؟ أي مصير نقدمه للأمة الاميركية؟ توسع أم انفجار؟ صوفي ام نقدي؟ ما شأن الاسم؟ نعم ما شأن الاسم ما الذي يوجد في كلمة؟ قالت بيلار، شقيقة فرانكو لتوضيح مناقبها الصغيرة بشكل ساذج ان اسمي ملائم لكن شكسبير قال ان شذى الود سيظل عابقا على الرغم من تغيير الاسم واكد جيرترود شتين ان وردة هي وردة هي وردة وكتب كارلوس بيليسير: هنا لا تحدث اشياء ذات اهمية اكثر من الورود. كلما توغلت في الكتابة اقترب من يقين قوامه اننا لا نعيش في افضل عالم ممكن لكننا يجب ان نعيشه بدون اي اعتبار آخر غير الوجود في عالم يتعين علينا الحفاظ فيه على الابداع الشفاهي الذي لا يصقل ابدا اسماً او كلمة في السجن الشمولي وانما يعطي الكلام طابعا حراً، خالداً، ولا ينتهي ذلك العالم الذي يشير اليه اميليو ليدوكي يقترب من المطلق. امام اخطار العالم الراهن، لنعد نحن اعضاء المجتمع المتكلم بالاسبانية الى كتابنا الاكبر لنجد هناك، مكتوباً في وسط «ضد الاصلاح» هواء الحرية الاسمية التي تضع على رقعة الشطرنج كل جمود عقائدي وكل يقين مطلق، فمكان «العيب» ملتبس واسم البطل وسيدته ملتبس وحتى تأليف الكتاب نفسه ملتبس لكن اليقين في حرية وضع التأكيدات الشمولية في دائرة الشك وفي المقابل رفع عالم ذي محيط قابل للتعديل في سبيل حرية القول والتسمية. نعم هناك صدام حضارات لكن ليس تلك التي تعارض بين الاسلام والغرب وبين الشمال والجنوب وبين الولايات المتحدة «النموذج الوحيد الباقي من التقدم الانساني» وجميع من تبقى ـ نحن ـ انه صدام بين السلطة الشمولية والجاهلية والحصرية ذات القوة الوحشية والسلطة الديمقراطية الحكيمة المشمولة بالابداع الانساني والسؤال الذي لابد من مواجهته هو: هل سنعرف كيف نقاوم؟ هل سنعرف كيف نختار؟ الحرب ليست السلام، الحرية ليست العبودية والضعف ليس القوة. بقلم: كارلوس فونتيس عن «البايس» ـ اسبانيا

طباعة Email
تعليقات

تعليقات