كتاب ـ ما وراء 11 سبتمبر ـ إلى أين تتجه المسيرة العالمية ؟، السياسات الأميركية وراء تحول العالم إلى البربرية

الاثنين 8 شعبان 1423 هـ الموافق 14 أكتوبر 2002 تشير الكاتبة إيلين برنجتون في مستهل مساهمتها في الكتاب الماثل بين أيدينا إلى أن التقارير الأولية للكوارث الكبرى وظروفها المأساوية تحدد بقوة القضايا الأساسية التي تشكل فهم وبناء الذاكرة الجماعية. اقتحام برجي مركز التجارة العالمي بطائرتين واقتحام البنتاغون في الوقت نفسه تقريبا، يشكلان أحداثا تفوق الخيال. وما جرى في قلب أدق نظم الاتصالات وأكثرها تقدماً في العالم شاهده العالم بشكل مباشر عبر شاشات التلفزيون. وفي حين قام بتصوير مهاجمة البرج الأول أحد الهواة، فإن محترفي التصوير التلفزيوني صوروا البرج الثاني من مختلف الزوايا. وسارعت الصحف باصدار أعداد خاصة شاهد فيها الناس مدى الدمار الذي لحق بهذين الصرحين الضخمين. وقد أبرزت هذه الصور حالة الرعب التي انتابت الجميع ومدى عمق الفاجعة التي عاشتها أسر الضحايا. وكما لو كان الغرض هو تأكيد مغزى مركز التجارة العالمي باعتباره القلب الاقتصادي للرأسمالية، فإن صحيفة «صن» جعلت يوم 11 سبتمبر «اليوم الذي غير العالم». ونشرت صحيفة «ديلي ستار» صورا تظهر الفاجعة، وخصصت طبعة بكاملها لـ «أفظع الهجمات الارهابية في التاريخ»، وتساءلت «هل هذه هي نهاية العالم؟» وقالت «الارهاب في نيويورك يضعنا على شفير الحرب». أما جريدة «ديلي ميلي» فكان مانشيت صفحتها الأولى قويا: «يوم قيامة نيويورك 11 سبتمبر 2001». أما جريدة «ديلي إكسبريس» فانها وعدت بتقديم آخر الأنباء وتغطية الأحداث كاملة مع عنوان «اعلان حرب». وتشابهت مانشيتات الصحف الأخرى، التي عكست ردود الأفعال نفسها. الحلم المدمر في 13 سبتمبر نشرت صحيفة «الاندبندنت» صورا للدمار والدخان المتصاعد وبعنوان «الحلم الأميركي المدمر». وكان أمام أميركا في ذلك الوقت مهمتان، هما البحث عن الناجين والبحث عن الجناة الذين نفذوا العملية. وبدأت الصحف تنشر انذارات بوش لأفغانستان وتأييد بلير لهذه الانذارات. وبدأت صورة ابن لادن تأخذ طريقها إلى جميع الصفحات الأولى من الصحف البريطانية. كما ظهرت صورته وتحتها «مطلوب حياً أو ميتاً» كما قال بوش. وبدا واضحا أن جميع وسائل الاعلام تركز على أمرين هما الارهاب والحرب. فهجمة مثل تلك التي حدثت ضد الولايات المتحدة لابد أن تكون لها عواقب خطيرة على الصعيد العالمي. في هذه المرحلة المبكرة من الأحداث كانت هناك اثارة في نشر أخبار التطورات ونوع من المبالغة، حتى ولو كانت الأحداث نفسها مروعة ولا تحتاج لأي اضافة. ولوحظ الاتجاه نفسه في البيانات الرسمية للرئيس بوش والمسئولين الأميركيين وعدد من زعماء العالم. ولهذا كان على الولايات المتحدة أن ترد وبقوة بل أنها كانت مجبرة على الرد وبعنف. فقد صنفت أحداث 11 سبتمبر في اطار فظائع الحروب. ولذلك كان على وسائل الاعلام أن تتناولها من منظور الحرب، وليس باعتبارها كارثة أو مأساة عادية.وتناول الاعلام للحروب والنزاعات العسكرية يتبع أساليب خاصة، تتوقف على من هو الضحية ومن هو المعتدي. وهكذا نجد في الغرب أن الأحداث التي تظهر عدوانا غربيا أو تدخلا عسكريا يتم تناولها على أنها أحداث تدعو للأسف ولكنها ضرورية للحفاظ على مصلحة عامة. والنزاع المسلح ينظر إليه على أنه الملاذ الأخير والاجباري بالنسبة للديمقراطيات الغربية لتقديم العون للضعفاء والمقهورين ولحماية الحرية والديمقراطية. وهكذا يصبح «الجانب الآخر» تلقائيا هو الظالم والمخطيء والشرير. وتكون هناك توقعات بأن وسائل الاعلام المحلية ستتخذ مواقف وطنية. فاعداد القتلى والجرحى الذين سقطوا من جراء العمل العسكري الغربي يتم تكذيبها، أو تقليلها إذا ما كان من المستحيل انكارها تماما. وجمل مثل «خسائر جانبية» تخفف من ردود الأفعال خاصة اذا ما تم وضعها جنبا إلى جنب مع «خسائرنا» من الجنود بسيرتهم الذاتية ـ مع عائلاتهم. وتوقع أن تكون وسائل الاعلام متفهمة يتم تشجيعه دائما بشكل رسمي أو غير رسمي. وعلى سبيل المثال وافقت وزارة الدفاع البريطانية خلال حرب جزر الفوكلاند بين بريطانيا والأرجنتين على انتقاء عدد محدد من الاعلاميين لمرافقة القوات البريطانية. وكانت التقارير كافة يتم ارسالها عن طريق وزارة الدفاع التي كانت تتحكم بالتالي في كل ما يكتب. غير انه في احيان اخرى يكون من الصعب على الصحافي أن يتخذ موقفا بديلا حيث أنه يمكن ان يتهم بتشجيع الارهاب والدفاع عنه والوقوف إلى جانب العدو. وهكذا نجد أن مدير محطة الـ «بي بي سي» اضطر للاعتذار للسفير الأميركي في لندن بعد اذاعة برنامج عن أحداث 11 سبتمبر حيث أن الشعور المعادي للأميركيين كان واضحا من عدد من مشاهدي البرنامج الذين شاركوا فيه. وحيث أن وسائل الاعلام العالمية يمتلكها الغرب أو هي تحت سيطرته، فإنه من غير المستغرب أن «الأخيار» هم من البيض أو الأميركيين، وأن «الأشرار» هم دائما من الأجانب. وبعد أن كان ممثلو الأشرار هما الرئيسان العراقي والليبي أصبحنا بعد 11 سبتمبر نسمع عن ابن لادن وشبكة القاعدة. فالآن هناك هدف مباشر ومحدد لتوجيه اللوم له. المسكوت عنه غير أنه ما أغفل ذكره هو بأهمية ما كررته نشرات الأخبار. فالتقارير الأولية لم تخبر المشاهدين أو المستمعين بأن معسكرات التدريب التابعة لابن لادن والتي من المفروض أن يكون قد جرى بها اعداد عمليات 11 سبتمبر، هذه المعسكرات يرجع فضل انشائها إلى التدخل السياسي الأميركي. فعندما كانت أفغانستان تحت الاستعمار السوفييتي شجعت وكالة المخابرات المركزية ومولت «مقاتلي الحرية» في كفاحهم ضد المستعمر. وقد أهدى فيلم «روكي 3» الذي يعد رمزا للقوة العسكرية الأميركية إلى «شعب أفغانستان الشجاع». كما أن بريطانيا قامت بدور في اطلاق «الوحش» ابن لادن حيث قامت مخابراتها بتقديم تدريب خاص لاتباعه. وتتغير التحالفات السياسية عندما يصبح «أخوة السلاح» السابقون أقوياء وغير محتاجين للتدخل الخارجي أو المساعدة، فهم يعقدون تحالفات جديدة، ويصبح أصدقاء الأمس أعداء اليوم، والعكس صحيح. ولم يقدم أحد تفسيراً لذلك. فالتقارير الصحافية تذكر فقط أن ابن لادن ورجال تنظيم القاعدة هم مدبرو أحداث 11 سبتمبر، ولذلك يجب اعتقالهم وتقديمهم للمحاكمة. كذلك فإن من لم ينضم إلى التحالف الأميركي البريطاني فهو أيضاً متهم وعدو للولايات المتحدة. فوسائل التعاطف لم تعد كافية وحدود المعركة قد وضعت. كذلك تم تحديد الكليشيهات والافتراضات. فبالنسبة لامكانية حدوث هجمات جديدة، تم وضع ملامح مميزة للمساعدة في تحديد الأعداء المحتملين بناء على الجنسية والهوية الثقافية والاتجاهات السياسية الظاهرة. وتعددت الاسئلة: «هل يمكن الوثوق في الاشخاص ذوي الاصول الشرق أوسطية؟ أم انهم يعتبرون من الأعداء؟ وحتى اذا كانوا مواطنين أميركيين، فهل هذا يكفي؟ ما هو التأثير الواضح الذي يوجه أعمالهم ويوطد ولاءهم: الجنسية أم الديانة؟ وفي ظل مثل هذه الظروف فإن العنصرية تجد أرضا خصبة. فالخوف من «الأجانب» وسطنا يتزايد.وينمو الارتياب من الأجانب والعداء لهم، ويشجع على ذلك أسلوب وسائل الاعلام والتصريحات السياسية. وتصبح أعمال العنف والتهديد من ملامح العلاقات بين الافراد. وعواقب ذلك يمكن أن تكون مأساوية كما حدث في رواندا وسريلانكا ويوغسلافيا السابقة، حيث تخفى عملية التنظيف العرقي الحقيقة السياسية للعنصرية والتحيز وآثارهما المخربة. ومع مرور الوقت بدأت آراء مغايرة تظهر في وسائل الاعلام حتى وان كانت محدودة. وقدم هذا نوعاً من التحدي للتقارير الأولية التي كانت تعرض وجهة نظر واحدة. ان ما حدث في 11 سبتمبر كان حدثاً غير عادي ومثيراً للرعب. كما أنه حدث لا يمكن تبريره. غير ان الصعوبة تكمن في تحديد الظروف التي احاطت به حتى يمكن فهم ما جرى. فتبسيط الأمور إلى مستوى خير و«شرير» يعطي الولايات المتحدة الشرعية في غزو أفغانستان ومهاجمتها. ولكن التحليل العقلاني يعطي آفاقاً لسبل أخرى لرؤية الأشياء والرد على الأحداث. فهل كان العمل العسكري هو الرد الوحيد المطلوب؟ لقد بدأ يظهر ما يدل على أن القوة العسكرية للولايات المتحدة وحلفائها لم تحقق الهدف الموعود. فأسامة بن لادن لم يتم اعتقاله أو قتله، على الرغم من هزيمة قادة طالبان. وبدلا من ذلك فإن نتيجة الهجمات العسكرية هي خسائر بين المدنيين وانشقاق اكبر بين الأفغان. ويؤدي هذا إلى ان تزدهر الظروف التي ظهرت فيها الآراء التي شجعت ما حدث في 11 سبتمبر. وفي كل نزاع يكون لكل جانب ضحاياه وقتلاه، ولا وجود للدولة الواحدة التي تحتكر الوطنية أو التضحية بالذات. هكذا تكلم تشومسكي في اطار مساهمته في هذا الكتاب يشير المفكر الأميركي نعوم تشومسكي إلى أن الألفية الجديدة بدأت بجريمتين وحشيتين، هجمات 11 سبتمبر الارهابية، وردود الأفعال عليها، وهي التي تسببت في عدد أكبر من الضحايا الأبرياء. ويقول إن فظائع 11 سبتمبر تعتبر حدثا تاريخيا. وهذا أمر حقيقي بالتأكيد ولكن علينا أن نكون واضحين بشأن هذه النقطة الاخيرة، فربما كانت هذه الجرائم أفظع الجرائم البشرية الفورية المعروفة حتى الآن خارج اطار الحروب. وكلمة «الفورية» لا يجب اغفالها، لأن ذلك للأسف حقيقي. فهذه الجرائم هي جرائم غير عادية في تاريخ اعمال العنف التي جرت في غير زمن الحرب. اما سبب ان «العالم لن يظل على حاله بعد 11 سبتمبر» فإن ذلك نجده في مكان آخر. ان حجم الكارثة التي جرت في أفغانستان وما قد يتبعها يمكن تخمينه فقط. إلا أننا نعرف التصورات التي تتخذ على أساسها القرارات السياسية، ومنها يمكننا أن نتفهم جوهر السؤال: إلى أين يتجه العالم؟ كان الملايين من الأفغان يعتمدون قبل احداث 11 سبتمبر على المعونات الغذائية الدولية. وقد ذكرت صحيفة «النيويورك تايمز» في عددها الصادر بتاريخ 16 سبتمبر أن واشنطن طلبت من باكستان وقف طوابير الشاحنات التي تمد أبناء أفغانستان بالمواد الغذائية لاطعام السكان المدنيين. ولم يكن هناك أي ردود فعل في الولايات المتحدة أو أوروبا بشأن تعرض السكان المحرومين هناك للموت جوعاً. وفي الأسابيع التالية ذكرت كبرى الصحف العالمية أن: «التهديد بالضربات العسكرية قد ادى إلى نقل العاملين الدوليين في مجال المعونات، مما اسفر عن عرقلة برامج المساعدة وتوقفها تماما... وان اللاجئين الذين وصلوا إلى باكستان يصفون حالات اليأس والخوف في أفغانستان بسبب التهديد بالهجوم الأميركي والذي حول حياة الناس إلى كارثة. وقد استطاع برنامج الغذاء العالمي أن يستأنف شحن بعض المواد الغذائية إلى أفغانستان في مطلع شهر اكتوبر. غير انه اضطر لوقف هذه العمليات بعد بدء القصف. وقد ذكرت صحيفة «النيويورك تايمز» ـ وبدون تعليق ـ أن عدد الأفغان الذين يحتاجون لمعونات غذائية سيزيد بنسبة 50% بسبب الغارات الجوية وسيصل إلى 7.5 ملايين فرد. وبمعنى آخر فإن الحضارة الغربية تعد خططها على أنها ستؤدي إلى قتل عدة ملايين من المدنيين الأبرياء ـ ليس من رجال حركة طالبان بل من ضحاياهم. وفي اليوم نفسه رفض زعيم الحضارة الغربية وبازدراء طلب طالبان بالتفاوض واعطاء الدليل على الاتهامات الموجهة لهم كي يستسلموا. ورأى الكثيرون في موقف بوش موقفا سليما، وربما موقفا بطوليا. وطلب المسئول بالأمم المتحدة عن المعونات الغذائية من الولايات المتحدة وقف القصف الجوي الذي يعرض حياة ملايين المدنيين للخطر، كما طلبت المفوضة الدولية لحقوق الانسان الطلب نفسه وحذرت من حدوث كارثة على غرار كارثة رواندا. ورفض المطلبان وكذلك مطالب وكالات الغوث الأخرى. ولم تشر وسائل الاعلام إلى ذلك. وحذرت منظمة «الفاو» في آواخر شهر سبتمبر من أن ما يزيد على 7 ملايين نسمة يمكن أن يموتوا جوعا ما لم يتم فوراً استئناف ارسال المعونات الغذائية لهم وتنتهي العمليات العسكرية. وبعد بدء القصف أصدرت الفاو تحذيرا أكثر خطورة حيث اشارت إلى حدوث كارثة انسانية وأن قصف القنابل قد قضى على المساحات المزروعة مما أدى إلى فقدان 80% من المحاصيل التي تحتاجها البلاد، وهو ما يعني أن العام التالي سيشهد كوارث أعظم. وكل ذلك لم تنشره وسائل الاعلام. وقد تزامنت هذه النداءات مع يوم الغذاء العالمي الذي تجاهله العالم أيضاً مع ما قاله المقرر الخاص للامم المتحدة من أن الاقوياء والاثرياء لديهم الوسائل للتغلب على هذه «الابادة الصامتة». لقد جعلت الضربات الجوية من المدن الأفغانية تجمعات أشباح، كما ذكرت الصحف. وبتدمير محطات الكهرباء والمياه أصبحت الحرب وكأنها حرب بيولوجية. وهرب نحو 70% من سكان مدينتي قندهار وهرات إلى المناطق الريفية التي يموت فيها يوميا في الايام العادية ما بين 10 وعشرين شخصا بسبب الالغام الارضية. وتوقفت بالطبع عمليات الامم المتحدة لازالة الالغام، وزادت من خطورة الموقف القذائف الأميركية التي لم تنفجر. ان مصير هؤلاء البؤساء لن يعرف في يوم من الايام. ولن يجري تحقيق بشأنه. فالسوابق تؤكد ذلك. واذا ما حدث وجرى تحقيق فإن اللوم سيكون على الجفاف، الطالبان وليس أولئك الذين تعمدوا قتل ملايين الابرياء. ان الذين يجهلون التاريخ الحديث هم وحدهم الذين يجدون في تلك الأحداث ما يثير الدهشة. فعلى أية حالة فإن الضحايا ما هم إلا «قبائل غير متحضرة». هذا هو ما وصف به ونستون تشرشل الأكراد والأفغان عندما اصر على استخدام الغازات السامة ضدهم منذ 80 عاما. ولكننا ايضاً في هذه الحالة لن نعرف كل شيء من عواقب ما جرى. فمنذ عشر سنوات اخذت الحكومة البريطانية مبادرة بازالة جميع الملفات من السجلات الرسمية المتعلقة لاستخدام الغازات السامة ضد «القبائل غير المتحضرة». «واذا كان من الضروري ابادة السكان الاصليين، فليكن»، كما قال وزير الحرب الفرنسي في الجزائر في أواسط القرن التاسع عشر. اذن ما يحدث اليوم للافغان هو أمر تقليدي، جزء من التاريخ الحديث. وبالتالي فمن الطبيعي ألا يثير اهتماماً كبيراً أو حتى يذكر في الصحف. ان جرائم 11 سبتمبر هي بالفعل نقطة تحول تاريخية، ليس بسبب حجمها، بل بسبب اختيار الهدف. فبالنسبة للولايات المتحدة فهذه هي المرة الأولى، منذ قيام البريطانيين باحراق واشنطن في 1814، التي تتعرض فيها الاراضي الاميركية لهجمات. وعدد الضحايا مهول ولأول مرة توجه البنادق في الاتجاه المعاكس. وهذا تغير تاريخي.الامر نفسه حقيقي بل اكثر درامية بالنسبة لاوروبا فقد عانت القارة العجوز من التدمير ولكن من جراء حروب داخلية. وقد غزت القوى الاوروبية معظم انحاء العالم وبشكل غير مهذب.وباستثناء بعض الحالات النادرة فإن الأوروبيين لم يكونوا معرضين للخطر من جانب ضحاياهم. فالكونغو لم يهاجم بلجيكا، كما لم تهاجم جزر الهند الشرقية هولندا، ولم تهاجم الجزائر فرنسا. والقائمة طويلة والجرائم رهيبة. ولهذا فإنه لا يثير الدهشة أن تصاب أوروبا بالصدمة من جراء هجمات 11 سبتمبر. ولكن في حين أن هذه الهجمات تشير إلى حدوث تغيرات هائلة في شئون العالم، فإن نتائج ذلك لم تكن مغايرة. لقد اكدت الولايات المتحدة والزعماء في مختلف ارجاء العالم على أن مواجهة الارهاب لم تكن عملية على المدى القصير، ولكن سيطول أمدها. وهم محقون في ذلك. ولذلك فإن علينا دراسة الاجراءات التي يمكن اتخاذها للقضاء على ما اسماه البعض «عودة البربرية إلى العصور الحديثة». التحول إلى البربرية علينا أولاً أن نبدأ بتحديد الداء والعوامل التي تحول العالم إلى البربرية وهذه اللعنة ليست جديدة. وأنا هنا استعير ما قاله الرئيس الاميركي الاسبق رونالد ريجان ووزير خارجيته جورج شولتز لقد جاء ريجان إلى الحكم منذ 20 عاما معلنا أن محاربة الارهاب الدولي ستكون جوهر سياسته الخارجية. وكان رد الادارة الاميركية يقوم على تنظيم عمليات ارهابية دولية لا ينظر لها في التاريخ من حيث حجمها وما جرى فيها من عنف. وأدى ذلك إلى ادانة من المحكمة الدولية للولايات المتحدة بسبب «الاستخدام غير المشروع للقوة»، وإلى قرار من مجلس الامن يدعو الدول إلى مراعاة القوانين الدولية (استخدمت واشنطن الفيتو ضده). كذلك صوتت واشنطن وحدها مع اسرائيل ضد قرارات مماثلة للجمعية العامة. وقرار المحكمة الدولية القاضي بوقف الارهاب الدولي ودفع تعويضات ضخمة تم رفضه. بل ان واشنطن ردت في بعض الاحيان بزيادة الحرب الاقتصادية والحرب الارهابية. بل ان واشنطن اصدرت اوامر رسمية لجيوش المرتزقة لمهاجمة «الاهداف السهلة» ـ الاهداف المدنية ـ وتفادي الدخول في معارك كلما أمكن ذلك. وساعدت على ذلك السيطرة الأميركية على الاجواء وشبكة الاتصالات المتقدمة التي زودت بها القوات الارهابية التي تقوم بعملياتها انطلاقا من الدول المجاورة. وكانت هذه الاوامر تعتبر مشروعة. فعندما اندحرت نيكاراجوا بعد هجمات القوة الكبرى اشاد المعلقون بنجاح الوسائل التي استخدمت والتي قامت على «تحطيم الاقتصاد وشن حرب شعواء حتى يقوم المواطنون المجهدون بأنفسهم بالاطاحة بالحكومة القائمة، وذلك بأقل الخسائر لنا وتاركين الضحايا بجسور مدمرة ومحطات توليد كهرباء مخربة ومزارع محروقة». وهكذا يتحدث المرشح الاميركي عن «الانتصار والقضاء على فقر شعب نيكاراجوا (مجلة تايم). «نحن متحدون في الفرح» لهذه النتائج، كتبت «نيويورك تايمز»: «فخورون لهذا الانتصار والدور الأميركي النزيه»، كتبت «التايمز». واتحد العالم المتحضر في فرح مرة اخرى منذ اسابيع قليلة عندما فاز المرشح الاميركي بالانتخابات في نيكاراجوا بعد تحذير شديد من واشنطن من خطورة عواقب عدم فوزه. وقالت الواشنطن بوست ان الفائز بالانتخابات قد ركز في حملته على تذكير الشعب بالمصاعب الاقتصادية والعسكرية للعهد السابق (والتي كان سببها الارهاب الاميركي وعملية الخنق الاقتصادي للبلاد). وفي الوقت نفسه فإن الرئيس يعلمنا أن هناك «قانوناً عالمياً واحداً»: فكل أشكال الارهاب والقتل هي شر، ما لم نكن نحن بالطبع القائمون به. ان الافكار السائدة في الغرب عن الارهاب تتضح بشكل كبير من رد الفعل على تعيين جون نجروبونت كسفير للامم المتحدة لقيادة الحرب ضد الارهاب. فسجله يتضمن منصبه كقنصل في هندوراس في الثمانينيات حيث كان المشرف المحلي على الحملة الدولية للارهاب والتي ادانت المحكمة الدولية ومجلس الامن بلاده بسببها. ومع ذلك ليس هناك أي ردود فعل لذلك. لقد اعطيت حالة نيكارجوا كمثال لأنها غير مثيرة للجدل نظرا للاحكام التي صدرت عن اعلى السلطات الدولية وهي غير مثيرة للجدل بين أولئلك الذين لديهم الحد الادنى من مراعاة حقوق الانسان والقوانين الدولية. ويمكن للمرء ان يحدد عدد هؤلاء بعدد المرات التي تذكر فيها مثل هذه الاحداث. وذلك يقودنا إلى توقع نتائج احداث 11 سبتمبر. وحالة نيكاراجوا ليست هي اكثر الحالات تطرفا. فخلال عهد ريجان راح مئات الآلاف من الضحايا في أميركا الوسطى نتيجة العمليات الارهابية التي نظمتها الولايات المتحدة والتي خلفت ايضاً ملايين اليتامى والمشوهين. ولا اتحدث هنا عن الضحايا الآخرين في جنوب افريقيا ولا في جنوب شرق آسيا ولا في أميركا الجنوبية. ان الخطأ الفادح هو وصف الارهاب بأنه سلاح الضعيف. ففي الواقع ان الارهاب هو العمال العنف التي «يستخدمونها ضدنا». أيا كنا «نحن». ومن الصعب العثور على استثناء لذلك في التاريخ. وحيث أن القوي هو الذي يقرر ويحدد ما هو التاريخ، فإن ما يمر من الفلتر هو ارهاب الضعيف ضد القوي وأعوانه. تأليف: فيل سكريتون وآخرون _ عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف

طباعة Email
تعليقات

تعليقات