كتاب ـ ما وراء 11 سبتمبر ـ فقر العالم الثالث وليد سياسات أميركية، حرب بوش بدأت بالقاعدة لكن لا أحد يعلم أين ستنتهي ؟

الاحد 7 شعبان 1423 هـ الموافق 13 أكتوبر 2002 في مستهل هذا الكتاب يكتب فيل سكريتون قائلا: «شاهدت مع الملايين الفظائع التي جرت في نيويورك ومهاجمة الطائرات لبرجي مركز التجارة العالمي اللذين انهارا واحداً بعد الآخر وقد بدا واضحا ان تلك العمليات قد تم الاعداد لها بحنكة ودقة، وشاركت فيها مجموعات تتمتع بخبرة ومهارة فائقتين. كما ظهر بشكل واضح بعد مهاجمة البنتاغون ان اختيار الاهداف لم يكن عشوائيا. وانما كان اختيارا رمزيا. وما حدث في 11 سبتمبر كان من المستحيل توقعه، فالتدمير الكامل لأحد اكبر الأبنية في العالم وعدد القتلى الذي تراوح بين 3 آلاف و4 آلاف ضحية من المدنيين، اديا الى طرح سؤال رهيب: اين ستكون الضربة التالية؟ وخلال اللحظات الاولى من وقوع تلك الكارثة أحسست بصدمة فظيعة، نبعت من وحشية الهجمات وعشوائية الموت ومعاناة الضحايا، ومقدرة منفذي العمليات على اختراق جميع الاحتياطات الأمنية على مختلف المستويات، والسهولة التي استطاع بها منفذو العمليات التحضير لها وتحقيق اغراضهم، بل وجعل مخابرات اقوى دولة في العالم موضع تهكم الجميع. ان أحداث 11 سبتمبر تظهر الى أي مدى يمكن لبعض الافراد او الجماعات ان يذهبوا في قطع الشوط، في نشر الرعب في قلوب المدنيين وتخويفهم بهذا الشكل يجعلهم يفقدون الثقة في أنفسهم وفي قادتهم على السواء ومع ذلك فان تصوير من قاموا بهذا العمل باعتبارهم وحوشا يجعل من الصعب محاولة فهم الظروف التاريخية والسياسية والثقافية للموقف، ويبرز أمرا واحدا هو الرغبة في الانتقام. خلف الأبواب بعد الدمار الذي جرى في نيويورك، أخذوا في البحث عن المفقودين ومحاولة انقاذ ما يمكن انقاذه من الضحايا. وكان دور رجال الاطفاء دورا عظيما، فقد كانوا يعملون ليل نهار، ويغالبون الشعور بالحزن على الضحايا، ولا سيما على العشرات من زملائهم، الذين لقوا حتفهم وهم يحاولون انقاذ الاحياء من بين الانقاض. وخلف الابواب، كان بوش وصقوره يعدون للحرب. وذكرني ذلك بعزلة الولايات المتحدة وبساطة العقول التي تحول التركيبات الاسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في خطاب يلقى في مزرعة ويشير الى «الناس الطيبين» و«الناس الاشرار» والى المتمدينين «بالمعنى العربي للكلمة» والهمج الى الحلفاء والاعداء، رئيس جاء بنتائج انتخابات مشكوك فيها. رئيس لم يستطع ذات يوم الرد على سؤال عن اسم رئيس باكستان. في 20 سبتمبر وبعد ان تعرض بوش لانتقادات مريرة بسبب اختفائه بعد الاحداث مباشرة القى خطابا امام الكونغرس ردد فيه ان الشعب يطالب بالدفاع عن الحرية بعد ان استشعر الخطر، ولذلك فان العدالة ستأخذ مجراها ضد تنظيم القاعدة وابن لادن وقادة الشبكة الذين قاموا بتدريب الارهابيين في 60 دولة، ورأى بوشى ان محاربة الارهاب تضفي الشرعية على شن الحرب ضد القاعدة. واذا كانت حرب بوش بدأت بالقاعدة فانها لن تنتهي بها، فالحرب لن تنتهي الا بالقضاء على جميع الجماعات الارهابية في أي مكان بالعالم. وكل دولة تأوي ارهابيين ستتم معاقبتها لأن المبدأ هو «ان من ليس معنا فهو مع الارهابيين» ومع استعراضه لعضلاته فان بوش اكد ان «الحرب ليست حرب أميركا فقط، وانما هي حرب العالم كله من اجل الحضارة والتسامح والحرية». وهنا لا ماكن لنظرية صدام الحضارات». فالحرب هي بين الحضارة والاخرين وامرها يتوقف على تدخل الولايات المتحدة واصرارها. وهكذا أعلن بوش الحرب على الارهاب من دون اي تفويض عالمي او مناقشات سياسية رسمية ومن دون مراعاة للقوانين الدولية والمعاهدات، والحرب لم تكن ضد الاسلام بل ضد الارهاب. وللدفاع عن الحضارة. واذا لم تقف الدول الاخرى مع بوش فانها ستعتبر جزءا من المشكلة. والواقع ان الهجمات ضد الولايات المتحدة اعطتها السلطة والشرعية ـ في رأيها ـ لتحديد المنظمات الارهابية والقضاء عليها. وايد بلير رئيس الوزراء البريطاني بوش بدون تردد، بل ذهب الى حد اعتبار 11 سبتمبر نقطة تحول تاريخية. وهكذا فكأن العالم الغربي استيقظ فجأة ليكتشف فظائع الطالبان وابن لادن. وبلغ النفاق الحد الاقصى عندما اشتركت زوجتا بوش وبلير في التنديد بالقمع والذل اللذين تتعرض لهما النساء في افغانستان. ولماذا اذن استمر الصمت طوال هذه السنين على التعذيب الذي تعرضت له الافغانيات؟ لماذا اهتمت الولايات المتحدة وبريطانيا فجأة بأحوالهن؟ ان هذا هو النفاق بعينه. هل يمكن بعد هذا الاعتقاد فيما يقوله بوش من ان «الولايات المتحدة الاميركية هي امة حرة قامت على القيم الاساسية للانسان، امة تكره العدوان وترفض العنف وتنبذ القتلة والاشرار، ومع ذلك فان الادارة الاميركية اعطت ظهرها للقواعد والاصول المتعلقة بالاعمال الحربية، وتجاهلت تماما اتفاقيات جنيف. وادى هذا الى ظهور مناخ ارهابي جديد داخل المجتمعات الغربية والاميركية بالذات. مناخ يخرس اي انتقادات توجه للادارة الأميركية وأسلوبها في التعامل مع المشكلة. وقد جعل هذا العديد من المنتقدين، ايا كان موقعهم في الجامعات والمؤسسات المعنية، يلتزمون الصمت خوفا من عواقب ذلك على شخصهم سواء كان ذلك على المستوى المهني او حتى البدني، فالانتقاد والمعارضة كان البعض يعتبرهما خيانة، خيانة للضحايا الذين تساقطوا تحت انقاض برجي التجارة العالمية، وخيانة للقيم والمبادئ التي يعتنقها المجتمع الغربي. ونسى الكثيرون ان تراكمات السياسات الاميركية وانحرافاتها كانت من اسباب ما حدث، وليس هذا تبريرا لاحداث 11 سبتمبر واثارها المدمرة والمرعبة على الشعب الاميركي بل وعلى العالم. ولكن يجب عدم فقدان الذاكرة واسترجاع الاحداث العالمية التي شاركت فيها الولايات المتحدة. استعادة الذاكرة الغائبة هل يمكن نسيان ـ كما قال احد المعلقين ـ ان اميركا قامت منذ 1945 بقصف العديد من بلدان العالم: الصين وكوريا وغواتيمالا واندونيسيا وكوبا والكونغو البلجيكي وبيرو ولاوس وفيتنام وكمبوديا وجرينادا وليبيا والسلفادور ونيكاراجوا وبنما والعراق والبوسنة والسودان ويوغسلافيا واخيرا افغانستان. كذلك فانه يمكن اعداد قائمة بأسماء البلدان التي عملت واشنطن على الاطاحة بحكوماتها، ودمرت اقتصادها وفرضت الجوع على شعوبها من خلال فرض الحظر والعقوبات عليها. وكما قال بوش في خطابه، فان الحرب التي بدأها في افغانستان لن تتوقف هناك، فهي حرب ممتدة ضد الارهاب اينما كان. ولكن التحالف بين بوش وبلير حدث فيه شرخ، فتصوير ابن لادن وقادة تنظيم القاعدة بأنهم يتبعون استراتيجية الارهاب لا ينفي ضرورة البحث عن اسباب هذا الارهاب.وقد اختلف الجميع على تعريف الارهاب. ففي حين يتم الاحتفال بأولئك الذين حاربوا نظم الحكم الديكتاتورية او الذين حاربوا العنصرية والفاشية وينظر لهم على أنهم ابطال، فان اولئك الذين يستخدمون القوة ضد مغالاة «الدول الديمقراطية» او حلفائهم الاقتصاديين فانهم يعاقبون لانهم ارهابيون. ولكن هذا لا يؤدي الى اعتبار المسألة بين «مناضل للحرية او ارهابي». فالمطلوب هو البحث عما وراء ذلك من خليفة تاريخية واقتصاية مع تحديد الهدف، فالرياء بعينه هو ان نرى ان الدول الديمقراطية قد صنعت وطورت اسلحة الدمار الشامل وطرحتها على أساس مبادئ الاسواق الحرة من اجل زيادة مصالحها السياسية والاقتصادية، ولكنها تعترض عندما توجه هذه الاسلحة في اتجاهها. وعلى أي حال فان تبرير استخدام العنف يظل مرهونا بالاحكام السياسية والنسبية الاخلاقية. ان ابن لادن، الذي كان يوما حليفاً للولايات المتحدة، قد تعلم في غمار استخدامه للارهاب انه لا يوجد فرق بين الاهداف العسكرية والاهداف المدنية، ألم تستخدم الدول التي تطلق على نفسها وصف الديمقراطية اساليب الارهاب؟ الم تقصف مدنا عزلاء في الحرب العالمية الثانية؟ ألم يستخدم النابالم في فيتنام وكمبوديا؟ ان هذه الاعمال التي لا يمكن الدفاع عنها والتي قام بها البريطانيون والاميركيون مهدت للاعمال الانتقامية واضفت شرعية على الارهاب مما ادى الى اشعال روح الاخذ بالثأثر في ذاكرة الشعوب. وفي الوقت الذي تفتخر الولايات المتحدة وحلفاؤها بالحرية والعدالة كسمتين مميزتين للديمقراطيات الغربية فإنها تتغافل عن فترات الاستعمار الطويلة وما جرى فيها وسكان المستعمرات الذين كانت حياتهم اليومية يمليها الاستعمار والذين عانوا لسنوات طويلة من الظلم وعدم المساواة، لا تزال لديهم مشاعر المرارة من معاناة ابائهم واجدادهم مما لاقوه وما كان يمثل بالفعل استراتيجية متعمدة للسيطرة. وهذا امر لا يمكن نسيانه بسهولة. وهكذا فان الارهاب تولد من القوة السياسية والاقتصادية الشرعية ومصالحها والتي تعد ركيزة الرأسمالية الشاملة وجوهرها. ملامح من حرب أميركا يكتب كريستان بارنتي بدوره في مساهمته بهذا الكتاب قائلا: في الوقت الذي اكتب هذه المساهمة، لا يزال الدخان يصعد الى سماء نيويورك في حين يتم تجميع العشرات من الاشخاص من المهاجرين من منطقة البحر المتوسط. وبدأ كذلك قصف افغانستان بأشد الأسلحة والقنابل فتكا. وكي نفهم حرب أميركا الجديدة ضد الارهاب، علينا اولا ان نبحث الدور الأميركي في احتضان الشبكات العسكرية نفسها التي تعد اليوم العدو الأول للعالم. ان الاسلام السياسي له جذوره العميقة، التي لا مجال لتناولها هنا، ولكن هذا الاسلام له اصول مهمة وقصتنا تبدأ في افغانستان. وفي عام 1978 اطاح الضباط الشيوعيون بالقوات المسلحة الافغانية بالرئيس محمد داود. وعلى الرغم من ان الحكام الافغانيين الجدد كانوا تقدميين في العديد من الجوانب ـ توسيع مجالات التعليم والمساواة بين افراد الشعب وغيرهما ـ فانهم نجحوا في الحصول على تأييد رؤساء القبائل الافغانية. ولكن سرعان ما بدأت عمليات عصيان متفرقة، اخذت واشنطن تغذيها وتمولها، وذلك في محاولة للتصدي للنفوذ السوفييتي في البلاد. وانهالت المعونات الأميركية على القبائل والمجاهدين الاسلاميين بصفة خاصة، وذلك من يوليو 1979 أي قبل الغزو السوفييتي بستة اشهر. وحدث الغزو السوفييتي، وقتلت قوات الكوماندوز السوفييتية الرئيس الافغاني الذي حل محله الرئيس بابراك كارمال واستمر الوجود السوفييتي 13 عاما. وطوال هذه المدة تدفقت الاموال الأميركية (3 مليارات دولار) على المجاهدين الذين كانوا يحاربون السوفييت والرئيس نجيب الله. وأرسلت اطراف عربية اموالا مماثلة. وقدمت ايضا الصين وايران مساعدات كبيرة فضلا عن المساعدات التي قدمها العديد من المليونيرات العرب، ومنهم اسامة بن لادن. وكان يتم شراء معظم سلاح المجاهدين من السلاح السوفييتي ومن مصر بالذات التي كانت تتحول للتسليح الغربي. وكانت المخابرات الباكستانية هي التي تتولى ادارة كل هذه الشئون وتدريب المجاهدين مما اعطاها قوة كبيرة حتى انها اعتبرت دولة داخل الدولة في افغانستان. وتشير التقارير الى ان ثلث المعونات الاميركية ذهبت الى الجناح المتشدد من الاسلاميين ومنهم حكمتيار (والذي حاول في مستهل الحرب الأخيرة الانضمام الى الطالبان). وفي بداية الثمانينيات، تضمن خط الامدادات الباكستاني للمجاهدين اعدادا من المتطوعين من انحاء متفرقة من العالم، وخاصة من منطقة الشرق الاوسط، فقد بدأ هؤلاء يرون في افغانستان اكثر من مجرد مكان للصراع بين الرأسمالية والشيوعية، فهي ارض رحبة للاسلاميين من ابناء الطبقة المتوسطة. وزميل بن لادن الجراح المصري ايمن الظواهري اوضح مثال على ذلك، فبعد اتهامه بالمشاركة في اغتيال الرئيس المصري السابق انور السادات تم اعتقاله وتعذيبه، وبعد اطلاق سراحه هرب الى افغانستان. ثلاثة اتجاهات في عام 1986 تطورت الاوضاع في افغانستان في ثلاثة اتجاهات ادت الى تعميم الجهاد. فأولا زودت أميركا المجاهدين بصواريخ من طراز «ستنجر» المضادة للطائرات مما ألحق خسائر كبيرة بالطيران السوفييتي، وساعد على انهاء الحرب. ثانيا اشتركت الولايات المتحدة مع المخابرات البريطانية والباكستانية في ارسال مسلحين الى الجمهوريات الاسلامية في الاتحاد السوفييتي، ثالثا قدمت وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية تأييدا مباشرا لمشروع المخابرات الباكستانية لتجنيد متطوعين متشددين من جميع انحاء العالم. وادى هذا الى وجود مراكز لهم حتى في مدن أميركية مثل نيويورك وديترويت وسان فرانسيسكو. وكان ذلك في 1988. الا ان ابن لادن كان قد ذهب قبل ذلك الى افغانستان، وقد قامت مهمته على بناء البنية الأساسية والتنسيق اللوجستي للمجاهدين وتقديم المعونات المالية بسخاء، ثم اخيرا المشاركة في القتال. وباعتباره احد كبار المتطوعين فانه تابع عملية تجنيد المتطوعين الاخرين وتسجيلهم ومعرفة مختلف تفاصيل حياتهم. وهكذا استطاع السيطرة على تنظيم القاعدة. وحاولت وكالة الاستخبارات المركزية وبالاشتراك مع المخابرات الباكستانية استغلال النزعات الدينية لدى المتطوعين وتحويل الجهاد في افغانستان الى حرب شاملة من الدول الاسلامية ضد الاتحاد السوفييتي. وهكذا جاء الى افغانستان خلال الفترة من 1982 وحتى 1992 35 الف مقاتل من 40 دولة اسلامية. ويمكن القول ان نحو مئة الف من الاسلاميين المتشددين قد تأثروا من الحرب في افغانستان، وان كان عدد كبير منهم مطلوبا في بلادهم. وفي عام 1992 لم يعد رئيس افغانستان نجيب الله في السلطة. كما ان الاتحاد السوفييتي كان قد انتهى، وبدأت الولايات المتحدة في انهاء الحرب الخفية. ولكن مع اختفاء العدو بدأت تحالفات المجاهدين في حرب فيما بينها. كما بدأ الكثير من العرب الافغان في شن حرب جهاد اخرى في اوطانهم. وبدأ السياسيون ورجال الامن في عدة دول شرق اوسطية في اعداد انفسهم لاستقبال هؤلاء المحاربين. وبدأت الجماعات الاسلامية في الجزائر في محاربة الحكومة التي ألغت الانتخابات التي فاز بها الاسلاميون. وفي مصر بدأت الشرطة في القاء القبض على افراد الجماعات الاسلامية واعتقال اي شاب يأتي من باكستان وافغانستان، وهذه الاوضاع حدثت ايضا في الاردن. وحتى الفلبين رأينا فيها جماعات ابو سياف تحاول ان تمارس الجهاد في جنوب البلاد. وبدأ الغرب يخشى من امتداد عمليات الاسلاميين التي كانت تهدد مصالح حلفاء واشنطن، غير ان بعض هذه النزاعات الصغيرة كانت في صالح واضعي السياسة الاميركية الخارجية فبعد انتهاء ايديولوجية الاشتراكية وكفاح الطبقة العاملة، ظهرت مخاطر اخرى تمثلت في امكانية وجود قوى اقليمية قد تنافس الولايات المتحدة ونفوذها في اماكن عديدة من العالم. ومن امثلة هذا الوضع نجد البوسنة، حيث بدأت دول أوروبية «صديقة» للولايات المتحدة في منافسة واشنطن لبسط النفوذ عليها. وبدأت التساؤلات عما اذا كان النفوذ الأميركي على أوروبا يمكن ان ينتهي. وهل يمكن ان ينتهي تأثيرا الناتو على أوروبا. ان الذي يتحكم في أزمة البلقان سيتحكم في مستقبل العلاقات الأوروبية ـ الاطلسية وقد قامت الادارة الأميركية بتدريب ودعم المجاهدين الذين جندتهم الحكومة في البوسنة في 1992 والذين بلغ عددهم 1935 ستة آلاف بعد ان كان في البداية لا يتعدى مئة شخص. الا انه بعد ان ايقنت الولايات المتحدة بأن اوروبا لا يمكن ان تعمل خارج الناتو، وان الناتو يستمد قوته من القوة العسكرية الأميركية، فان واشنطن بدأت في محاولة ابعاد المجاهدين من البوسنة. والواقع ان السياسة الاميركية تجاه المجاهدين كانت مشبعة بالتناقضات. فالولايات المتحدة لم تأخذ المجاهدين على محمل الجد لانها كانت ترى ان معظم انشطتهم مفيدة. وهكذا تلقى جيش تحرير البوسنة اسلحة اميركية كما التقت مادلين اولبرايت وزيرة الخارجية الاميركية انذاك بقائد الجيش في حين وصف المبعوث الأميركي للبوسنة هذا الجيش بأنه مجموعة من «الارهابيين» والتسامح نفسه نجده قبل فترة قصيرة من احداث 11 سبتمبر عندما الغى البيت الابيض تحقيقا كان يجريه رجال مكتب التحقيقات الفيدرالية بشأن اثنين من اعوان ابن لادن مقيمين في الولايات المتحدة. كما ان هيئة الاذاعة البريطانية اكدت ان بوش الاب والابن كانت لهما علاقات عمل مع اسرة ابن لادن. وقد يكون هذا هو السبب في الغاء بوش الابن للتحقيق المذكور. العجرفة والخيال العنصري الا ان هناك امراً آخر كان ـ ولايزال ـ يعمى القادة الاميركيين. ويظهر هذا من تعليق مستشار الامن القومي الاسبق بريجنسكي على سؤال بشأن ما اذا كان نادما على الحرب في افغانستان. وكان رده قاطعاً: «نادم على ماذا؟ إن العمليات السرية كانت فكرة ممتازة. فقد ادت الى جر السوفييت الى مستنقع افغانستان. وانتم تريدون ان اندم؟ ما هو الاكثر اهمية بالنسبة لتاريخ العالم؟ الطالبان او انهيار الامبراطورية السوفييتية، وتجميد وسط ونهاية الحرب الباردة»؟ وتعكس تعليقات بريجنسكي العجرفة والخيال العنصري: مشاكلهم هناك لن تسبب لنا أي ضرر. وهناك نقطة اخرى مهمة في التاريخ الاميركي وهي الانتصار العالمي لرأس المال. فكيف كونت هيمنة الاسواق بقيادة الولايات المتحدة تراكمات الغضب والثورة التي جعلت ابن لادن يحظى بهذا القدر من الحماس؟ وحتى اذا كان بن لادن ثرياً ومن قاموا بعمليات 11 سبتمبر من ابناء الطبقة المتوسطة، فإن ما قاموا به كان له صدى لدى ملايين الفقراء. ويذكر تقرير البنك الدولي للتنمية 2000/2001 ان هناك نحو ملياري نسمة يعيشون في ابشع حالات الفقر. فهم لا يجدون المأكل الكافي ولا الماء النقي ولا مكانا يسكنونه، وبالنسبة للشرق الاوسط يذكر التقرير ان 30% من المصريين يعيشون بأقل من دولارين يومياً. وتصل النسبة في اليمن الى 35%. وبالمشكة ستتفاقم حيث ان 40% من سكان الشرق الاوسط هم دون سن السابعة عشرة. ان الولايات المتحدة التي تتزعم دول الشمال الغنية قد اوجدت هذا الشيء المرعب، فقد كانت تفرض ولعشرات السنين سياسات ليبرالية مولدة للفقر على البلاد التي تضطر الى خصخصة مؤسساتها وخفض الانفاق العام. وأدى هذا الى انتشار البطالة وزيادة الفقر والامراض وايضاً الهجرة. ولجأت الدول النامية الى الاستدانة ودخلت في الحلقة الجهنمية التي تجعلها عاجزة عن السداد. ووفقاً للاحصائيات فإن هناك 50 دولة عليها ديون هائلة تجعلها لا تستطيع تحسين وضعها. ويطالب صندوق النقد الدولي هذه الدول بتخصيص 25% من ايرادات صادراتها لسداد ديونها. ويحدث ذلك في حين ألغى الحلفاء 80% من ديون المانيا (خلال الفترة النازية) وطالبوها بتخصيص من 3 الى 5% فقط من ايرادات صادراتها لسداد الديون. ان الولايات المتحدة قد تقضي فعلاً على تنظيم القاعدة في افغانستان. ولكن ما الذي ستسببه تلك الحرب الشاملة للأجيال الجديدة؟ هل ستكون هناك ضربة جديدة للرد على هذه الحرب؟ هل ستأتي هذه الضربة بعد عشر سنوات؟ وهل الامور ستهدأ بقمع المتشددين؟ ان معظم الدول التي تنتج سياسات قمع ضد المتشددين تمولها الولايات المتحدة. فهل يمكن ان نندهش اذا ما ضربت الاجيال المقبلة هذه الامبراطورية؟ تأليف: فيل سكريتون وآخرين عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف

طباعة Email
تعليقات

تعليقات