مغرور بلا حدود وحليف الحمقى والفاشيست، بيرلسكوني الملياردير «لا يصلح لحكومة أي دولة في العالم»

صورة

الاربعاء 3 شعبان 1423 هـ الموافق 9 أكتوبر 2002 احد رؤساء الحكومات الأوروبية الذي يستطيع الرئيس الأميركي جورج بوش الاعتماد عليه دائما في سعيه إلى الاتفاق على مهاجمة العراق هو سيلفيو بيرلسكوني، رئيس وزراء ايطاليا، الذي يشغل ايضا منصب رئيس خارجيتها واغنى اغنيائها، ويرأس بيرلسكوني، الذي انتخب مع حزبه «فورزا ايطاليا» قبل 16 شهرا، اقوى حكومة يمينية في ايطاليا منذ الحرب العالمية الثانية. وقد اعلن بعد وقت قصير على انتخابه بانه سيتفق دائما مع السياسة الاميركية، مهما تكن تلك السياسة، وقد اعتبر هذا القول في حينه احدى زلاته الكثيرة. ومنذ ذلك الحين، وفي محاولة منه للارتقاء بنفسه إلى الحلبة الدولية، جعل بيرلسكوني جل همه تعزيز أواصر الصداقة مع بوش وكان مشغولا بالدق على أبواب البيت الابيض، وبعد 11 سبتمبر، تأثر لكونه استبعد من الحضور المبكر للازمة والذي ضم كلا من بلير وشيراك، غير انه استدعي مؤخرا، إلى منتجع كامب ديفيد، حيث قيل انه تباحث مع بوش في موضوع ارسال قوات ايطالية إلى افغانستان لتحل محل القوات الأميركية التي قد يتم تحويلها إلى العراق في حالة نشوب حرب هناك. وفي غضون ذلك، خرجت في روما في اليوم نفسه مظاهرات كبيرة ضمت اكثر من 450 الف شخص بقيادة المخرج السينمائي ناني موريتي احتجاجا على سياسات بيرلسكوني، ولم تكن هذه المظاهرة، شأن مظاهرات اخرى نظمت في وقت سابق من هذا العام، احتجاجا من قبل يسار الوسط المعارض الضعيف في ايطاليا، وانما جاءت تجاوبا مع سلسلة من المسيرات العفوية ضد القوانين، التي اقرها بيرلسكوني، والتي ينظر اليها الكثيرون باعتبارها مدفوعة بمصالح شخصية محضة، وهي قوانين من شأنها ان تجعله يفلت من التهم الجنائية الكثيرة التي لاحقته عليها المحاكم طوال سنين. وفي الانتخابات، بدا ان تورط بيرلسكوني مع القانون قد اضجر الناخبين، ولكن الحالة المزاجية قد تتغير، وهذا قد يقلقه، ففي نهاية المطاف لعبت مظاهرات الشوارع دورا كبيرا في سقوطه من السلطة في عام 1994، عندما تولى منصب رئيس الوزراء لمدة سبعة اشهر فقط. وربما كان سعيه للهرب من هذا الماضي هو الذي دفعه لترك بصمته على الساحة الدولية، ففي عام 1993، عندما كان يوشك على القيام بقفزته من مجال الانشاءات والتلفزيون إلى السياسة، اخبر اندرو مونتانيللي، وهو من اكثر الصحفيين المحترمين في ايطاليا قائلا: لقد سئمت من كوني سيلفيو بيرلسكوني، واريد ان أحيا حياة بطولية. وفي السنة الاولى من استلامه لمهام منصبه، عانى بيرلسكوني من ضربات ثقيلة لطموحه. وقد جعلته سلسلة من الاخطاء القاتلة والكوارث في مجال العلاقات العامة كقتل الشاب في المظاهرات التي صاحبت قمة جنوا الصيف الماضي، شخصا منبوذا في أوروبا، وبعد 11 سبتمبر، تسببت ملاحظاته التي ابداها حول الاسلام، وقوله ان الغرب «ملزم بتغريب وغزو اناس جدد» موجة من الغضب العارم ضده، وتسرب من مكتب رئيس الوزراء البريطاني في دواننغ ستريت كلام يصفه بـ «المغفل» كما كانت هناك تصريحات نابليونية خلال الحملة الانتخابية مثل قوله: «لا يوجد أحد على الساحة الدولية يستطيع أن ينافسني». فهل كان هذا جنون العظمة أم مجرد غلو ومبالغة؟ شيء من كليهما بحسب احد مساعديه الذي يقول: انه يبدي غرورا كبيرا، ولا يستطيع ان يمنع نفسه من الخروج بهذه الأشياء للعلن، وهو يتورط في المشاكل، انه لايزال طفلا، كما انه يوصف، بتحبب تقريبا، من قبل اصدقائه واعدائه على السواء، بأنه كذاب من الدرجة الاولى. وقد سبب انتخاب بيرلسكوني في مايو من عام 2001 اهتياجا عصبيا في اوساط الدوائر الديمقراطية الاجتماعية في اوروبا، بصورة اكبر بكثير مما سببه نجاح لوبان في فرنسا أو صعود التطرف اليميني في انحاء اوروبا، فبيرلسكوني، في نهاية المطاف، وصل إلى السلطة وبأغلبية كبيرة، بفضل حلفائه البغيضين في ائتلافه اليميني، وهم التحالف الوطني «الفاشيين الجدد» بقيادة جيانوفرانكو فيتي، والعصبة الشمالية، التي يرأسها الغبي أومبيرتو بوسي، الذي وصف حزبه في ابريل الماضي في تقرير للمجلس الاوروبي بأنه «عنصري ومصاب برهاب الاجانب»، وكلاهما الآن وزراء في حكومته. وهناك ايضا التهم الجنائية العالقة، ومن بينها تهمة تقديم رشوة لاحد القضاة في قضية نزاع تجاري، ولقد ادين بيرلسكوني بتزوير الحسابات ورشوة مأموري الضرائب والاحتيال الضريبي، ثم اطلق سراحه بكفالة بناء على أمور فنية، ووصفته مجلة الايكونوميست، بعبارتها الشهيرة قائلة: «لا يصلح لرئاسة حكومة أي بلد»، وفي يناير من هذا العام، منح نفسه حقيبة وزير الخارجية بعد ان استقال ريناتو روغيرو، وهو الوزير الوحيد الذي اعطى لحكومته شرعية دولية، من منصبه احتجاجا على لغة التحقير المعادية لاوروبا التي ترد على لساني بوسي وفيني. ومنذ ذلك الحين، هدأت الامور قليلاً، فموهبة بيرلسكوني كممثل بارع ـ وهو مصدر جانب كبير من نجاحه الانتخابي ـ وسحره الذي لا يمكن انكاره تركا تأثيرهما على زملائه من رؤساء الدول، وبخاصة على توني بلير، الذي يتحدث معه بالفرنسية والذي يعتزم معه ان يرفعا القيود عن سوق العمل الاوروبي، وقال بيرلسكوني عن «صديقه» توني بلير: احب طريقته في العمل، ونحن نستمتع بصحبة بعضنا البعض، ولدينا حس مماثل للدعابة. لم يسبق ان كانت هناك ظاهرة في الديمقراطية الغربية تقارن بظاهرة بيرلسكوني، ولكن من المؤكد انه ستكون هناك ظواهر اخرى قادمة، وقد صرح الروائي اومبيرتو ايكو ان بيرلسكوني كان اول من فهم انهيار الايديولوجية التقليدية في ايطاليا واستبدالها بوسائل الاعلام الجماهيرية، وكان هذا هو «رائعة» بيرلسكوني في التركيب، أي مساهمته الفريدة في ثقافة الاعلام الدولية المتمثلة في الجمع بين نشاط الاعمال والتلفزيون والتسويق والسياسة. وهو يعد انموذجا لما يحتضن الآن انتظارا للتفقيس، ألا وهو جنس جديد من السياسيين المحتكرين لوسائل الاعلام، وهذا هو ما يكمن وراء الامتعاض من وصوله للسلطة: واذا ما اخترعت مرشحا افتراضيا للولايات المتحدة مؤلفا من روبرت مردوخ وروس بيرو ومايكل بلومبيرغ ورونالد ريغان، فانك مع ذلك لن تحصل على نظير له، فهو يعتبر في المرتبة الـ 29 كأغنى رجل في العالم بثروة تقدر بـ 12 مليار دولار، ويملك شبه احتكار تام لمحطات التلفزة التجارية في ايطاليا، والآن بصفته رئيسا للوزراء، يتمتع برعاية التلفزيون الايطالي الرسمي، ويملك الجزء الاكبر من المطابع الايطالية ووسائل الاعلام المنشورة، وتعتبر شركته المتخصصة في الانتاج السينمائي الاكبر في ايطاليا. واحد مصادر قوته الانتخابية الرئيسية هو ملكيته لفريق كرة القدم «ايه سي ميلان» الذي جعله بطلا في المدرجات قبل فترة طويلة من دخوله معترك السياسة. ولا يرى بيرلسكوني مشكلة في ان يهتم بمصالح الاخرين ويهتم بمصالحه في الوقت نفسه، ولا يعتقد بوجود تضارب في المصالح. ولا توجد سابقة ايضا لوصول بيرلسكوني إلى ساحة السياسة: فقصته هي قصة رجل اعمال ميلاني يؤسس حزبا سياسيا من الصفر بمستخدميه، وفي العام نفسه 1994، يصبح رئيسا للوزراء، ولكنه لم يدم في السلطة سوى سبعة اشهر، حيث اقيل من منصبه على تهم بالفساد وبفعل المظاهرات الشعبية وتخلي حليفه بوسي عنه، والذي يصفه بـ «بيرلوقيصر الطاغية والمحتال»، وساد الاعتقاد بعد ذلك بأن بيرلسكوني قد انتهى. وعندما عاد إلى السلطة بعد سبعة اعوام، كان قد تعلم من اخطائه وهزم خصومه في يسار الوسط في لعبة بوكر سياسية استثنائية، وبدا الامر وكأنه خطف الحكومة باستخدام التلفزيون مروجا نفسه على نحو فخر وكأنه مسحوق للغسيل. ويقول المخرج السينمائي الايطالي الشهير ناني موريتي ان «المشكلة الحقيقية هي مشكلة ثقافية، وعندما فاز اليسار بالسلطة عام 1996، لم يفهموا ذلك»، فشخص واحد من بين كل ثمانية اشخاص يقرأ الجريدة والاشخاص الباقون يشاهدون التلفزيون، وبالتالي، فان التلفزيون يعتبر وسيلة نشر هائلة للثقافة، وبدلا من ان يستغل اليسار التلفزيون الحكومي كوسيلة للثقافة والاعلام قام بتخفيض معيار المنافسة في المعركة الجماهيرية، وبسبب ذلك، فان الايطاليين في عام 2001 لم يعرفوا شيئا عما يدور في ميدان السياسة، ولم يصوتوا للائتلافات وانما للأقوياء من الاشخاص من منطلق الضعف، وعلى رأس هؤلاء الاقوياء كان بيرلسكوني. ترجمة: ضرار عمير عن «غارديان ويك إند»

طباعة Email
تعليقات

تعليقات