كتاب ـ جرترودبيل ـ يوميات الجزيرة العربية (6) ـ حشد من المخاطر عند كل منعطف، عشرة أيام في الطريق الطويل عبر بادية الشام

الاربعاء 3 شعبان 1423 هـ الموافق 9 أكتوبر 2002 على الرغم من اننا كنا نبعد نحو ست ساعات أو أكثر عن أبو جير، فإن سحابة داكنة من الدخان الاسود كانت ترتفع في الأفق امامنا، والى هذا الاتجاه وجهت بوصلتي، ولم أعد أشعر بالانزعاج، ارجوك، يا عزيز، حاول أن تفكر بي كبطلة، بغض النظر عن كل المضايقات لم يكن ذلك انسانيا، ولذلك خذ الامور كما هي عليه وعلى أي حال فإنني اشعر بالراحة عندما اشكو لك. عصفت الرياح الليلة الماضية الساعة الثامنة، موحية بالجنون، وتراكمت علينا الرمال ولكن بفضل معجزة ما ثبتت خيامنا بالارض، ولكن الرياح هدأت في النهاية، واصبح الجو اكثر برودة واغتسلت وآويت الى السرير، والحمد لله انني نمت. اليوم كان الطقس حاراً، ولكنه اقل تسببا في الازعاج. مشينا غرباً لمدة ست ساعات، ووصلنا الى مكان مشهور جداً، كما يقول العرب واسم المكان «ويزة» وهو مكان فريد من نوعه عبارة عن حصن صغير تحول الى ركام كنت خططت لالتقاط الصور له، وعلى بعد مئة خطوة تقع حفرة صخرية عظيمة في الأرض، هبطنا نحو مئة قدم، ودخلنا ممراً صخرياً ملتويا ومليئا بالمنعطفات وزودنا جيداً بالشموع، ومشينا بكل جرأة عبر هذا الشرخ في الصخر. واحيانا كانت الطريق تؤدي الى قاعة فسيحة أو تصبح منخفضة فنجبر على السير زحفاً، وننبطح على الرمال، وفي النهاية وصلنا الى بركة ماء نقية، وباردة، يغذيها نبع في الصخور. وخضنا في الماء، وملأنا كل قربنا الجلدية وقد تركنا شموعاً على طول طريق الممر الصخري، ولكن المكان كان غريباً، وكأنه بوابة، واطل علينا في النهاية ضياء النهار، ولم نشعر بأسف لرؤيتنا ذلك الضياء الطبيعي ثانية وقال: فتوح «هه هـ هـ هذا ضياء الدينا من جديد!» وعدنا ادراجنا الى عالم الانسان، حاملين معنا كنزاً هو المياه النقية، الباردة. وأمضينا تحت الارض قرابة ساعة. وكانت في القلعة بئر معدة جيداً، ولكنها طمرت ويقال انها تقع فوق ذلك النبع تحت الارض، ولابد ان ما يقولونه صحيح، وان القلعة تحمي المياه، وهي قلعة كالقلاع المنتشرة في البادية السورية. ولابد ان اطبع الصور عندما أعود. لا يمكنني تأريخ تلك القلاع، وهي تتراوح ما بين القرن التاسع الى القرن الرابع عشر الميلادي وهو افتراض، واقسم كل واحد من الرجال انه لن يذهب الواحد فيهم لوحده داخل المغارة خشية ان يضل طريقه، حتى لو مات الواحد منهم من العطش. عدوان يجمع ضريبة الاغنام للحكومة، وقد ارتفعت الضريبة العام الحالي من 3 قروش الى اكثر من 4 قروش علي سليمان مسئول عن الطريق من هنا الى الفالوجة، وفي طرق الجزيرة فإن شيوخ الشمر هم المسئولون. 17 ابريل 1914 اليوم الطقس بارد بالمقارنة بالأيام الماضية واستفدنا من الحالة الجوية الرائعة، ومشينا اكثر من عشر ساعات من دون ان نصاب بالانهاك. ووصلنا الى الجزء المضجر من الصحراء. عتبات منحلة تودي بنا الى نجد عال اعتقد اننا خلفنا حرارة بلاد ما بين النهرين، وتبدو السماء على وشك ان تمطر، في كل الاحوال فإن المطر سيغرقنا لاننا هبطنا الى منطقة منخفضة. وتحت الخيام لم تكن سماكة الخيش كافية. اليوم لاحظنا وجود آثار لسنابك الخيل على الرمال وكانت حديثة. وقال عدوان انهم فرسان من شمر الجزيرة بينهم وبين العنزة عداوة. وهم يأتون الى الرافدين للبحث عن خصومهم. لم أشعر بالاضطراب ولا بالضيق لاحتمال ان يكون هناك غزو طالما عدوان معي. فهو رجل ينتمي لبيت شيخ دوليم العود، وهو قريبه وموظف في الدولة مهمته جمع الضرائب عن المواشي، من الصعب العثور على دليل اكثر ضمانا وطمأنينة منه. فعندما أفترق عنه تبدأ الكوميديا والمفارقات، ولكن ربما لا يحدث ذلك فالشامية آمنة بالكامل. وفي كل الاحوال لا أشعر باضطراب على الاطلاق. لقد قمنا بزيارة اماكن اسوأ من هذه وخرجنا منها سالمين وبصحة جيدة. وحل بي تعب الرحلة كلها واصبحت لا أكثر من الكلام خلال الرحلة، وحالما كنت اتحدث كان عدوان يقابلني بابتسامة وبأجوبة ملاطفة. احب سكان الصحاري هؤلاء، فهم فجأة يصبحون جزءا من حياتك ومستقبلك، وبعد ذلك تغادرهم فماذا يعلق في ذاكرتهم فيما بعد؟ اعتقد أن لديهم ذاكرة جميلة وممتعة عن الخدمة يحتفظون بها وحميمية تلك الايام القليلة التي امضوها معي في الرحلة. فأحد الأدلاء الذين رافقوني موجود هناك عند الطرف الآخر من النفور، وهو قال مرة عند موقد النار في مضرب خيام كنا اقمناه «في كل السنين التي سنأتي خلالها لهذا المكان سنقول: هنا اتينا معها، وهنا اقمنا الخيام معها. سيكون شيئاً نتحدث عنه: غزوك! سنسأل يوماً عن الاخبار وسنتحدث عن رحلتك وسنبلغ الناس بأنك اتيت الى هنا». أتوقع انهم سيفعلون ذلك وهذا ما جعلني تواقة بشكل مثير الى ألا يتحدثوا عن شيء سوى الامور الطيبة التي حدثت لانهم سيحكمون على كل شعبي وعرقي عن طريقي أنا. تلك الذكرى غالباً ما تحكم على الكلمات المتسرعة التي أنطق بها، عندما أكون مرهقة واشعر بالغضب او الملل يا إلهي كم كنت اشعر بالممل والغضب والارهاق في بعض الاحيان. واحاول التذكر ماذا سيقولونه عن أساليبي في التصرف معهم! لقد كان الدوليم يقضون صيفهم على الشاطيء، لكن بعضهم الآخر يقضون الصيف عند الآبار في أبو جير وفي الثيميل وفي أصيلة وفي عين الارنب وفي اماكن اخرى. لقد اعتاد علي سليمان على الغزو خلال حياة والده اما الان فقد اقلع عن تلك العادة، فلم يعد يغزو. لقد كان عدوان يغزو شمر الجزيرة السورية لأن هناك عداوة بين قبيلته وشمر وسألت عدوان: «هل كنت تجد متعة في الغزو؟ هل كنت تجد متعة في مباغتة العدو؟ رد قائلا: اي والله! وقال عدوان عبدالله آل رشيد كان مرة في عانة وتزوج امرأة من هناك، وانجبت له ولدا ولايزال من انحدروا من نسله هنا في عانة. لقد كانت ليلة سيئة. 18 أبرايل 1914 كانت وهاد الحماد متعبة ومنبسطة، وهي منبسطة على حد النظر مع ارتفاع بمقدار خمسة أقدام فوق السراب الذي يمتد لأميال بعيدة، وبعد ذلك يهبط كلما اقتربنا وجلسنا في حماد ثانية ولا يعلو الحماد عن الاراضي السابقة سوى خمسة اقدام. وشاهدنا آثار قصر آميج، وهي قلعة تقع على اليمين وبعد قليل تنحدر الارض باتجاه طريق البريد الذي لم يعد يستخدم باعتباره كذلك، ولم يعد هنا بريد صحراوي. وهنا التقينا بأحد افراد العنزة من العمارات، وتقصينا منه الأخبار.. ماذا يحدث في البادية السورية؟ لقد كان الغزو، كما ظهر من آثار سنابك الخيول في الامس، وكما خمنا، كان الشمر قد استولوا على 40 جملاً هذا الصباح، وولوا فارين، لكنهم لم يلمسوا احداً منا، اعتقد انني اشعر بالسعادة لانني لم اشهد غزوا خلال رحلتي، وتوقعت ان فهد بك شيخ العمارات العود، الذي كنا نأمل في رؤيته والحديث معه ليس موجوداً هناك، لقد كان موجودا لكنه من المرجح جداً أنه غادر، كما هي عاداتهم. لكن هناك ابن عمه، وهو يخيم في مكان ليس بعيداً عن موقعنا. غادرنا عدوان لرؤيته ربما نأخذ دليلاً من العنزة، اذا نجحنا في الحصول على واحد منهم، لم اكن اكترث كثيراً بمصاعب البادية السورية، لكن كان من الأفضل عدم التعامل معها بهذه الاستهانة وكان لابد من التعامل معها بالاحترام الذي تستحقه ومن الواضح انه لابد من الحصول على دليل من العنزة. لاشك انك تعي ما انا مشغولة فيه؟ انه نصف الطريق القديم من دمشق الى الفرات وهو الذي أبحث عنه، واتبعت النصف الثاني من مهيوير الى الفرات. كان ذلك في عام الثلج. سنصل الى المهيوير غداً. اما الطريق الى الغرب فلم أكن اعرفه. لكنني سمعت عن وجود موقعين اثريين صغيرين هناك وهو ما كنت اطمح الى رؤيته. سرنا بخطوات سريعة اليوم ولساعات طويلة. نجحت في النوم على ناقتي، وهو ما لم أفعله من قبل نصف ساعة كاملة قضيتها نائمة على ظهر ناقتي. شعرت باعتزاز عندما استيقظت ونظرت الى ساعتي. لم تكن هناك أي متاعب في الطريق، لأنه كان طريق البريد الذي يتجه بخط مستقيم الى المهيوير وإلا ما كنت نمت. ابن شعلان كان يقوم بالغزو وكذلك فهد بك كان يفعل ذلك ايضاً، آمل انهما سيسعدان بغزو كل منهما الآخر ولا يلتفت احدهما الينا. وقال الرجل من العنزة ان الشيخ فهد بك كان يغزو ولد علي بينما ابن شعلان كان يغزو السباع لكنه لم يستفد من الغزو. وعاد الآن الى مكان قرب الجوف. اما الرولة فهم يغزون شمر نجد، واستولوا على الكثير. حاولنا استئجار الرجل كي يأتي معنا كدليل، لكنه رفض المضي معنا بشروطنا. وغادرنا عدوان لرؤية جدعان ابن شقيق الشيخ فهد، ولكنه ليس جدعان الذي رأيته قبل خمس سنوات في الجزيرة جدعان الذي أعرفه توفي. لقد كان على ما أظن ابن عم الشيخ فهد. 19 أبريل 1914 عاد عدوان متأخراً الليلة الماضية ومعه وعد من الشيخ جدعان بأنه سيمنحنا دليلاً، وكل ما تمنيته قال انه مستعد لتقديمه لي. ولكن هل احضر اليه لرؤيته في الصباح؟ هذا ما فعلته وذهبت على استحياء وعدم رغبة، لرؤيته في الصباح لأنني لم أنم كثيراً وبدت الأميال العشرة الإضافية مرهقة (كانت مضاربه لا تبعد سوى خمسة أميال فقط). ولكن ماذا سأفعل هنا؟ خرجنا نعدو تاركين الرجال والجمال الاضافية تذهب بحالها على الطريق وبينما كانت الشمس تصعد الى كبد السماء وصلنا الى مضارب جدعان الممتدة، وكانت الخيام كلها متقاربة من بعضها لأن العمارات كانوا فزعين من غزو الأمس. وهرع رجل الينا، واوضح لنا الموقف. لقد تابعوا غزو الشمر واشتبكوا معهم، واستولوا على 10 من جيادهم، وقتلوا جوادين، وأصيب احد المغيرين برصاصة وذبحناه. وتساءلت «هل بقي زملاؤه لدفنه؟» وطرأت على خاطري صورة ذاك الرجل ذبيحاً في عراء الحماد. واجاب «لا والله تركوه حتى تأكله الكلاب». لم أدرك ما يقوله. فلم أتخيل ما يقول.. وهو أن الذبيح يظل ملقى في العراء حتى تأتي الكلاب في النهاية وتنهش لحمه. فتنهي المهمة. لقد كان جدعان ينقل مضاربه جلسنا داخل خيمته وشربنا القهوة في حين كانت النسوة تحمل النوق. واعتقد ان العمل سيسير بصورة سرمدية وبلا نهاية وبدت الأحاديث بطيئة ومملة وكنت مثقلة بالشقاء والمتاعب والافكار السوداء. وحسبت الأمر وكأنه مسيرة طويلة بلا نهاية، وباتت روحي غير قادرة على تحمل كل ذلك. وتساءلت ما إذا كنت خائفة، وتساءلت عما إذا كان ينبغي عليّ أن أصرخ من الارهاق وان أترك دموعي تنساب في موقد القهوة. يا عزيزي ديك، لا تكشف هذا الامر لأحد، ان سمعتي كرحالة ستتضرر ولكني لا يضرني أن أروي لك ذلك، لانني اعرف انك مررت مثلي بمثل هذه الظروف الحالكة. عندما يكون كل الذي يقوم به الانسان يبدو مجرد عبث أو تفاهة وشقاء. عندئذ نظر جدعان إلي وقال «لا تقلقي فإن كل شيء سيسير وفق ما تشائين ويشرفنا ان نكون في خدمتك!». كان جدعان رجل مروءة ولطف اما بالنسبة للعرب فهو صاحب همة. حصلت على دليل يدعى «عاصف» واعجبت به. سيأخذنا الى بوهارة بالقرب من تدمر، اذا رغبت في ذلك واعتقد أن تلك العقبة الثانية التي سنتحملها. وبهذه المرحلة كان عليّ وداع عدوان، وقمت بذلك على استيحاء لأنه كان رفيقاً رائعاً طوال الطريق، وأحببت وجهه الباسم، وجهه الجميل جداً، وهو ما يجعل الانسان يشعر بالفرحة عند النظر اليه. قبل يدي وأسرع في طريقه. وجاء دورنا لجمع النوق والركوب والانطلاق بسرعتنا القصوى، ولكن على الرغم من كل تسرعنا فقد كانت الطريق تبعد 11 ساعة. طريق طويلة بالنسبة إلينا، وبينما كنا نقترب من وادي حوران الكبير فاجأنا شخصان يركبان جملين. واخرج فتوح وعاصف بندقيتيهما ولقماهما وجاءنا الرجلان غاضبين، وهما يطرحان الاسئلة، ولكن كل شيء كان على ما يرام، وكانا من رجال ابن مجلاد، وهما من فخذ آخر من العنزة، واصبحا صديقين، حالما اكتشفا انه لا خوف يخشى منا، واقمنا مضاربنا على مرمى حجر من مياه المهيوير العذبة الطيبة وها قد جاءنا ضيف راكبا الجمل ينبغي ان اذهب لأرى من هو. انه عجوز مصاب بالصمم، يعرج، وعليه اثمال بالية، ومحمل بأكوام القذارة، وهو ينتمي الى فخذ آخر من العنزة، من السويلمة، ويسعدني انه وكل ما جلب معه لن يقم في خيمتي، وهذه الليلة باردة وممطرة. في خيمة جدعان، كانت هناك ظبية، احضروها لي، ووضعوها في حجري، حيث نامت وهي ملتفة على نفسها، كقطعة العاج، نامت، كما لو ان احاديثنا البطيئة قد خدرتها. وخلال ذلك مضيت اقلب بصري في أعين الرجال الذين تحلقوا حول ركوة القهوة، واتذكر وجهي القلق، معتقدة انه من بين كل اولئك الرجال لم يكن أحد يخلو قلبه من الخوف، باستثناء تلك الظبية الصغيرة التي خلدت للنوم في حجري، وعلى ركبتي، تلك الثقة الصغيرة النائمة كانت تشحن نفسي بالشجاعة. لقد كان العجوز يبحث عن مهرة شاردة بالقرب من حمض، وقد ضاع هو الان بعد المهرة وها هو يبحث عن عشيرته. وكان عدوان قبل أن يغادر قد صلى في خيمة جدعان وتحدث مع الأخرين عن حياة الشقاء التي يعيشها البدو، وعن الخوف والجوع. واتفق المتحدثون على ان افضل شيء هو العيش مثل فهد بك، الذي يأخذ أتاوة من الجميع. 20 ابريل 1914 هطلت امطار غزيرة جداً الليلة الماضية، امطار الشتاء، وليست امطار الربيع، واسرع الرجال لحفر أخدود حول خيمتي، واحتملت الخيمة، ولم تسمح لاي نقطة مطر بالدخول الى خيمتي، واليوم تراجع ميزان الحرارة وسجل عشرين درجة مئوية. مبارك هذا التغير وتبعاً لذلك تحسنت أحوالي، وينتظر اليوم وهم شديد للغاية. عندما نزلنا الى بركة المهيوير النقية التي اعتقدت انها نبع كانت قد جفت . لم تكن سوى شق مليء بالماء. لقد كانت هناك مياه في سهل حوران لكن يا لهذه المياه! كانت رائحتها فظيعة بسبب الجمال حفرنا جورا على حافة عالية من الرمال، فاكتشفنا وجود مياه فيها، وملأنا قربة او اثنتين من المياه العذبة التي تكفينا لمواصلة الطريق لاغراض الشرب، وهي كافية ليومين، لقد كانت البادية السورية مليئة بالجمال، وكأن جمال العالم اجتمعت هنا، والقطعان الاعظم هي للعنزة بعد ان عبرنا وادي حوران، وخرجنا ثانية الى المستويات العظيمة خرجت امامنا تعدو بالألوف وهي ترعى، كانت أشبه بنهر بطيء عظيم، أعشق رؤية الجمال، ومن حين لآخر كان الرعاة يمرون بجوارنا، ويتواصل مرور القطيع نصف ساعة ويعرف الرعاة منا الأخبار لقد كان عاصف حريصاً على أن يروي لهم كل شيء وانني مقبلة من حائل، فينفعلون ويثور فضولهم فيقولون: «والله!» إنه كالطائر الذي يزف البشارات. ويثرثر بلا نهاية أو يغني. وعلق بعض هؤلاء الرفاق الذين لم تدم رفقتهم اكثر من نصف ساعة على صغر حجم قافلتنا فقلت: «تكفينا القافلة بهذا الحجم» واكد احد الرجال» «اتمنى لكم السعادة وافضل حال!» واسمع الان انني في الصحراء ثانية مع أناس صحراويين حقيقيين «البدو» الذين لم يعرفوا حياة الاستقرار. لكن تلك هي المرة الاولى التي اكون فيها وحيدة معهم من دون ان يكون هناك احد معين لي، ففتوح هنا غريب، كما انا غريبة مع هؤلاء الرجال وكان علي ان اتكلم مباشرة بنفسي من دون اي وسيط يعجبني ذلك، ويعجبني ان اؤدي الدور بنفسي، وحتى الان سارت كل الامور على ما يرام. ولا عجب ان عاصف اصبح وكأنه واحد منا منذ البداية وبحماس، وقد وعدته نصف وعد، ان أخذه معي الى انجلترا لابحث له عن وظيفة راع هناك. وعند العصر ما لبث الحماد أن انتهى، وكلها خطوات مشيناها ووصلنا الى جوف جارا. انت تعرف معنى جوف، اليس كذلك؟ انها الارض الواطئة المنخفضة) عند حافتها القينا مضاربنا، بعد يوم من المسير، وكان يوماً قصيراً أقل من العادة وباتت النوق جائعة ومنهكة. وفي هذا الليل جاءنا ضيف آخر، وهو متوجه الى فهد بك انه يمكن ان يأخذنا الى جارا، ولكني لا أهتم بذلك لان لدي دليلا جديداً. كل قطعان العنزة هذه تعني اننا لا نزال في امان شديد في الوقت الراهن حيث تنتشر خيام العنزة في كل مكان. 22 ابريل 1914 كنت منشغلاً امس مع شيخ ومع المطر وحدث انهما تزامنا معا، الشيخ كان فهد بك، ولكن علي أن ابلغك من هو، اقول لك ان قبيلة العنزة الجنوبية تتبع ديرة ابن سعود، اما العنزة الشمالية فهي تنقسم الى شقين احدهما يحكمه ابن شعلان والثاني ابن هدهدل. وهو يقيم مضاربه في السهل تحت جرف صخري منخفض يطوق الجارا. وأحصيت نحو 150 خيمة قربه وهناك اعداد مماثلة من الخيام خلف الاطراف العشبية التي تنتشر الى منتصف الطريق على طول جارا. ويلاحظ أن مضارب العشائر تحتل مساحة واسعة من الارض وبينما يقرفص راكبوا الجمال وينيخون نوقهم الذلول أمام خيمتي منهم يترجلون ويدخلون دون ان ينبثوا ببنت شفا ليتناولوا العشاء وينامون، هكذا انحنت ناقتي امام مضافة الشيخ فهد بك بجوار خيمة تقديم القهوة وتقدمت الى الخيمة، وجلست بجوار الموقد. وتلقاني بلطف ابوي، واحببت ان اكون بجواره. انه رجل بلغ السبعين من عمره على ما اعتقد، مركز قيادته يقع بالقرب من كربلاء، حيث يمتلك بساتين التمر، ولكنه يخرج الى الصحراء مع جماله وعشيرته كل سنة. اما ابنه متعب فهو يتولى عمليات الغزو، ونشر سجاداً جميلاً، جلسنا عليه واستند الى سرج جمل اما صقره فكان يقف على منقلة مرتفعة خلفنا بينما كان كلبه السوقي يقف بجوار الصقر تحدثنا وشربنا القهوة وذهبت بعدئذ الى خيمة الحريم، وقمت بتحية احدث زوجاته رأيت صغرى ابنائه، بعد ذلك توجهت الى خيمتي حيث تناولت الطعام وركبت ناقتي وأخذت اعدو ولم يبق بيني وبين الآثار سوى مسيرة ساعة، وكانت مختلفة عن أي اثار اخرى رأيتها في الشامية لقد كانت بلدة بحالها، تخيل! بلدة في قلب البادية السورية، ولكنها بلدة كانت ذات طابع بدائي اصيل جداً. وهي تقع فوق جرف على نوع من شبه جزيرة تشكلت بواسطة وادي حلقوم الملتوي العريض وكان الطريق الوحيد إليه من المستوى الاعلى عنقاً ضيقاً كان محصناً بجدار برجي، وثانية اقول ان كل شيء كان من النمط البدائي وكانت كل الآثار مدمرة. وعلى أي حال فها هو جدار وأبراج تحرس الطريق الى مساحة غير منتظمة من أكوام حطام الآثار غير المنظمة الشكل. وكانت هناك آبار مياه غير محدودة في اسفل الوادي، وكان الطريق اليها درجاً ضيقا يتجه الى اسفل الجرف، ولا استطيع ان احدد عمرها وليست لدي أي فكرة عنها. ولكن أليس ذلك يثير الفضول؟ ورسمت خارطة وصورت بوابة الجدار، ولا اشك انني كنت اميل الى وضع خاطرة لشبه الجزيرة التي تقع عليها البلدة ولكن في هذه اللحظات تتكاثف سحب داكنه حالكة اللون وكان واضحاً ان لدي الوقت الكافي للوصول الى خيمتي قبل أن تهطل هذه الغيوم برداً ومطراً. والواقع اننا وصلنا قبل أن تهطل زخات كثيفة وقبل أن تتساقط موجات من البرد. وعندما انتهى المطر ارسل الشيخ فهد اليّ يقول انه يأمل ان يأتي لزيارتي. وجلس في خيمتي طوال ما تبقى من المساء. وقدم لنا العشاء هناك في خيمتي. وصراحة فإن العشاء الذي قدمه الشيخ فهد كان الافضل الذي قدمه لي شيخ عربي. وتناولنا العشاء وهبط المساء وعادت الامطار لتهطل من جديد وكنا لانزال نتحدث عن احوال الطرق ومستقبل تركيا وعن اصدقائنا في بغداد حتى غادرني في النهاية في الساعة الثامنة وآويت الى الفراش. وفي صبيحة هذا اليوم، شربت القهوة معه ومع ابنه متعب، وغادرت وسط بركاتهم التي انهالت عليّ وبموجب نصيحة من الشيخ فهد اصطحبت دليلاً آخر هو رجل من الرولة، من عشيرة ابن شعلان الذي صادف أنه موجود في خيام فهد. وهكذا اصبحت آمنة من كل العنزة ولكن البادية حتى بوخارا كانت خلاء وخاوية على الرغم من انني احببت الخلاء. واحب الصحراء لأخلو لنفسي لا أنكر انه ليس هناك امان كامل فيها. وانخفضت الحرارة جداً هذا الصباح واحسسنا بالبرد في اسناننا وهبت عواصف ممطرة عظيمة من حولنا وكانت تدفعنا لشدتها من حين لآخر وصارعنا الريح والبرد والمطر طوال ثماني ساعات ونصف الساعة وعبرنا جارا ووصلنا الى اكثر الاجزاء عزلة في البلاد حيث لا تتوفر فيها التلال الا بنسب قليلة. وكنت متعبة ومنهكة جداً، وخلدت الى النوم لمدة ساعة. الان اصبحت افضل وجاءنا اثنان من الصلوبا هذه الليلة مع حميرهم وخرافهم، اتعلم من هؤلاء؟ قبيلة الصيادين والحدادين غريبة الاطوار، وقد حيكت حولهم الحكايات والقصص الكثيرة. وفي الصباح خاف الرويلي الذي جاء معنا كدليل وآثر العودة من حيث أتى، وقال انه يخاف طوال الطريق، ويرغب في العودة الى عشيرته، اعتقد أن الرياح والامطار لم ترقه، وثبطت عزيمته، وقلنا له انه من العيب ان يحنث الانسان بوعوده ويتخلى عمن وثقوا به، فعاد عما كان قد عقد العزم عليه واتوقع انه ندم على ذلك، وخلال الليل عصفت ريح هوجاء وتساقط المطر مع الريح واذا كان البدوي يرتجف في هذه الاجواء فإنني احبها، ولا شك في ان هذه الامطار ستؤدي الى انتشار الاوراق والاعشاب الخضراء من جديد، لا أحد يحب الريح ونمت على الارض. تذكرت ذلك، وتساءلت ما اذا كان شعري سينظف يوما ما، لقد اصبح لون شعري رماديا من شدة الغبار لقد مضت علينا عشرة ايام بعد مغادرتنا بغداد ولاتزال امامنا الطريق طويلة ولكنني آمل ان تكون نهاية الطريق.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات