ليس لدينا يسار ولا معارضة!، الاسرائيليون يتصرفون بروح القطيع تجاه الاحتلال والحرب

الثلاثاء 2 شعبان 1423 هـ الموافق 8 أكتوبر 2002 الاجماع المطبق في اسرائيل خلف قرار الحكومة، سواء بالنسبة للعراق أو بالنسبة للاحتلال، يؤكد انه لا يوجد فيها معارضة حقيقية، وهذا أخطر بالنسبة لها من الحرب. فكيف حدث ان خرج في بريطانيا 50 ألف انسان للتظاهر ضد الحرب في العراق، بينما لم يخرج في اسرائيل أي متظاهر واحد؟، وكيف حدث ان لا تشهد اسرائيل نقاشا جماهيريا حول ضرورة هذه الحرب في الوقت الذي يحتدم فيه الجدل حولها في الولايات المتحدة واوروبا؟ هل يعقل ان لا يكون في اسرائيل من يشكك في جدوى الحرب أو يخشى من نتائجها؟ اسرائيل تتحدث مرة اخرى بصوت واحد ـ صوت الحكومة. مثلما يحدث في المسألة الفلسطينية حيث تميز الجدل الجماهيري خلال العامين الاخيرين باللامبالاة والصمت والتناغم، ينطبق الشيء نفسه على الحرب ضد العراق ـ حيث لا نشهد في اسرائيل نقاشا جماهيريا جديا حولها. الحكومة تقود الامور، ولا يقوم أحد تقريبا بطرح التساؤلات. والصوت الوحيد هو صوت الضجر في صفوف من لا يوجد لديهم صبر لانتظار الضربة الاميركية مدة أطول. وزير الخارجية شيمون بيريز مثلا الذي عارض قصف المفاعل النووي العراقي حينها يقوم الآن بالالتواء يُسرة ويمنة كعادته من دون ان يرمش له جفن، ويحث الاميركيين على الخروج للحرب ضد صدام حسين نفسه. ما الذي تغير في هذه الاثناء؟ فقط حقيقة ان من كان وراء القرار الأول هو مناحيم بيغن، بينما كان بيريز رئيسا للمعارضة، أما الآن فالقاصف هو بوش، وبيريز محسوب على الحكومة. من البديهي ان يؤيد، ولكن لماذا يحث؟ لا يطالب أحد بيريز بتوضيحات حول تغيير موقفه. رئيس الحكومة ووزير الدفاع يؤيدان بحماس شن الحرب طبعا، ولكن لماذا لا يوجد في اسرائيل موقف آخر؟ وحتى اذا كان هذا الصوت موجودا فهو يبتلع في صخب الجوقة. ميل القطيع ونزعته التي تعززت في اوساط الجمهور الاسرائيلي منذ فشل محادثات كامب ديفيد واندلاع الانتفاضة يعبر عن نفسه في هذه المسألة ايضا. وسائل الاعلام تركز فقط على طرق الفرار والدفاع عن النفس، وتتحدث عن موقع المقابر الجماعية والى أين سيفر سكان رمات غان. في ظل هذه الثرثرة الكثيرة لا يرتفع صوت يتحدث ضد منطق الحرب، أو يطرح تساؤلا حول كيفية انتهائها. ممثلو حداش أو غوش شالوم الذين يعبرون بالتأكيد عن موقف انتقادي يعتبرون بالطبع خارج المعسكر. والغريب الذي سيجد نفسه هنا لن يصدق نفسه: في بعض الاحيان يبدو ان الاحتجاج ضد فطام الأوز ـ مهما كان عادلا ـ أقوى وأشد من الاحتجاج ضد الاحتلال أو ضد الحرب في العراق مع كل التباين. وأحد الاسئلة الصعبة التي تثيرها امكانية شن الحرب على العراق، طرح في الاسبوع الماضي في لجنة الخارجية والامن من قبل يوسي ساريد الذي كان من القلائل الذين تجرأوا على التشكيك جهارا في ضرورة الحرب. ساريد تساءل عما سيحدث اذا نجحت الحرب وتمت ازاحة صدام حسين وساد في العالم العربي هيجان وتململ يؤدي الى ايصال ثلاثة صدامات بعده. لم يقم أحد سوى ساريد بطرح هذه الامكانية، وهذا طبعا التساؤل المزعج الوحيد. من الممكن الموافقة على ان صدام هو زعيم مستبد، والتشكيك رغم ذلك في جدوى الحرب الهادفة الى اسقاطه. لا يسأل أحد كيف تحول العراق فجأة الى خطر كبير جدا بعد سنوات من ادعاء جهاز الدفاع ان الخطر الأكبر الذي يهددنا يأتي من ايران. كيف يمكن حل التناقض بين أصوات التهدئة الكثيرة التي تتعالى هنا بشأن الخطر الذي يلوح لاسرائيل من العراق (رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية السابق عاموس ملكا قال انه يخاف من حوادث الطرق أكثر من خوفه من العراق) وبين الحاجة الى ضرب العراق بسبب الخطر الهائل الذي يأتي منه؟، هل هي حرب وقائية؟ وماذا سيحدث اذا فشلت الولايات المتحدة وتراجعت عن موقفها في ظل سقوط عدد كبير من الخسائر في صفوفها كما حدث في الصومال؟ ان قوة صدام ستتعزز أكثر فأكثر. وهل هو الزعيم الفظيع الوحيد في العالم؟ وما هو مصدر الهوس الذي أنشأه الرئيس الاميركي تجاهه؟ ولماذا لا تمنح الامم المتحدة فرصة نزيهة لتسوية المشكلة؟ ولماذا يتوجب على اسرائيل ان تكون شريطة في هذه الحرب؟ النموذج الاخير للحرب التي خاضتها الولايات المتحدة ليس مشجعا بالمرة: أسامة بن لادن ما زال حيا، وفي افغانستان قتل أكثر من 3 آلاف شخص ـ القسم الأكبر من المدنيين ـ وتنظيم القاعدة يواصل بسط شبكته في أرجاء العالم كله. هل كانت الحرب في افغانستان ضرورية وملحة؟ وحكيمة؟ وعادلة؟ وبماذا تختلف عن الحرب التي توشك على الحدوث الآن؟ من البديهي ان الولايات المتحدة هي حليفة اسرائيل الهامة، وهذا يلزم الاخيرة باتخاذ مواقف معينة، ولكن اميركا حتى لم تكن لتحول دون اجراء نقاش انتقادي في الدولة التي تعتبر في نظرها الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الاوسط. اوتوماتيكية بلورة الموقف الاسرائيلي والشعور بأن الجمهور ينقاد خلف حكومته انقيادا أعمى ومنصاعا بصورة تامة، يجب ان تثير قلقا أكبر. ومرة اخرى يتضح انه لم يعد في اسرائيل يسار حقيقي هام وملموس مثلما يوجد في كل دولة غربية، ولا توجد معارضة شعبية ولا من ينبس ببنت شفة. وهذا أكثر خطورة من الحرب القادمة في العراق. بقلم: جدعون ليفي عن « هآرتس»

طباعة Email
تعليقات

تعليقات