أميركا تريد مصير عصبة الامم الاسود لخليفتها، بوش يسوق مشروع تغيير النظام العراقي للسيطرة على النفط وإضعاف أعداء اسرائيل حتى الشلل

الثلاثاء 2 شعبان 1423 هـ الموافق 8 أكتوبر 2002 اذن، فلقد اصبح جورج بوش الابن الآن خبيراً بشئون عصبة الامم أليس كذلك؟ فقد راح يخبر جماهيره في انحاء اميركا بأن الامم المتحدة تواجه خطر ان تصبح مجرد منظمة بالية تنتمي لحقبة ما قبل الحرب العالمية الثانية وهو الآن يستخدم تعبير «دكان لبيع الكلام» للاشارة الى عصبة الامم ليته ينظر في كتب التاريخ بين الفينة والاخرى. تشكلت عصبة الامم في اعقاب حرب 1914 ـ 1918، وكان الرئيس الاميركي وودرو ويلسون من الاشخاص الذين اشرفوا على ولادتها، فلقد اراد حماية حقوق الاقليات ومنح الشعوب استقلالها، وكانت النقاط الاربع عشرة التي جاء بها مصدر الهام لكل الامم الراغبة في ان تصبح كيانات مستقلة في العالم. وقد طالب بقانون دولي جديد ـ ظلال جورج بوش الأب ـ والمساواة بين الامم. واعلن الجنرال سموتس في عام 1918 انه يتم الآن تصفية ممتلكات اوروبا، وعصبة الامم هي الوريث الشرعي لهذه الممتلكات العظيمة. وهكذا بزغت للوجود بلدان جديدة مثل بولندا ويوغسلافيا وتشيكوسلوفاكيا وأوروبا بقالب جديد وبالطبع شرق اوسط جديد، ان دولة العراق الحديثة «نرجو منك ملاحظة ذلك ايها الرئيس بوش» تدين بوجودها لعصبة الامم التي تمخض انتدابها البريطاني والفرنسي عن ولادة فلسطين وسوريا ولبنان وبدأت اطراف اخرى تطالب بدول مستقلة ايضا، فالاكراد ارادوا ان تكون لهم دولتهم المستقلة، والارمن ارادوا ان يعودوا الى ديارهم في تركيا التي هاجروا منها تحت وطأة القمع. لكن الرئيس ويلسون اصابه المرض والكونغرس الاميركي رفض الانضمام الى عصبة الامم وتحولت الولايات المتحدة الى تبني سياسة انعزالية لم تخرج منها إلا بعد بيرل هاربر وبعد «نرجو من الرئيس بوش ان يلاحظ مرة اخرى» عامين مربحين اقتصادياً من الحياد في زمن الحرب لم يكن الاميركيون يرغبون في الانضمام الى عصبة الامم، والقوة العظمى المستقبلية، التي كان بوسعها استخدام نفوذها بشكل مفيد جداً للسلام العالمي، والتي كان يمكن لقوتها العسكرية والاقتصادية المتنامية ان تجعل هتلر يراجع خططه ـ ادارت ظهرها لعصبة الامم. والنتيجة ان الاكراد لم يحصلوا على دولة، والارمن لم يعودوا الى ديارهم. القوى العظمى الاخرى انضمت الى عصبة الامم والفرنسيون ارادوا لها ان تكون قوية وان تمتلك قوة عسكرية متعددة الجنسيات ـ على نسق قوات حفظ السلام التي تستخدمها الامم المتحدة اليوم ـ لكن البريطانيين الذين ارادوا ان يظلوا القوة العظمى الاولى في العالم، رفضوا الفكرة. وجاء أول اختبار حقيقي من اليابان فقد اقترح عدونا المستقبلي في الحرب العالمية الثانية ادراج فقرة في ميثاق الامم المتحدة تتبنى مفهوم المساواة العرقية لكن مستشار ويلسون الخاص ادار ظهره للفكرة ـ لان الاميركيين كانوا لا يزالون متحمسين للانضمام لعصبة الامم في ذلك الوقت، وكتب مستشار ويلسون في حينها ان «من شأن تلك الفقرة اثارة القضايا العرقية في انحاء العالم». وفي النهاية لم يسمح باقحام قضية «الاعراق» عنوة إلا عندما كانت عصبة الامم ترغب في المطالبة بحماية الاقليات في الدول الصغيرة الجديدة التي نشأت بعد الحرب العالمية الاولى، واصبحت الاقليات العرقية في بولندا وتشيكوسلوفاكيا تحت رعاية عصبة الامم ولم تكن الدول الكبيرة تكترث بمثل هذه التدابير الاحتياطية. لذلك عندما بدأ هتلر في اضطهاد يهود المانيا بعد عام 1933 كانت عصبة الامم عاجزة عن فعل اي شيء، وفي عام 1923 وبغياب الدعم البريطاني لجيش عصبة الامم، قام الفرنسيون باحتلال مقاطعة رانيلاند بالمانيا لاجبار الألمان على دفع تعويضات مالية عن زمن الحرب، وهكذا بدأت الدول تتجاهل عصبة الامم. ثم جاء الغزو الايطالي للحبشة عام 1935 والحرب الاهلية الاسبانية عام 1936 ليثبتا تفاهة وانعدام قيمة عصبة الامم وفي عهد هتلر الذي لم يكن بالطبع مهتما في المساواة بين الامم ـ تخلت المانيا عن العصبة ومن المفاجيء ان السوفييت استمروا في دعمهم لها، كما ان العقوبات الاقتصادية على اسبانيا لم تضع حداً للحرب الاهلية، واميركا بقيت خارج عصبة الامم. عندما كان الايرلندي ايمون دي فاليرا رئيسا لمجلس عصبة الامم سلف مجلس الامن الحالي، اقترح تأسيس قوة عسكرية متعددة الجنسيات لايقاف العدوان الايطالي في عام 1935، وكان مستعداً ان يلزم جيش بلاده الجديد الهزيل في المشاركة بمثل هذا المشروع. لكن القوى العظمى لم تكن مهتمة واشتكى دي فاليرا من هذا الموقف السلبي قائلا: لم نستطع ان نخضع اراداتنا لنضحي بمصالحنا الانانية عندما تتصادم مع تحقيق العدالة للآخرين وبحلول عام 1939 اصبح دي فاليرا يستخدم تعبير «الانقاض» للاشارة الى عصبة الامم. والآن يشير الرئيس بوش الى ان الامم المتحدة ستصبح ايضا انقاضاً اذا لم تجر صاغرة وراء اميركا وتتبنى مطلبها بغزو العراق، ويريد بوش استخدام الولايات المتحدة لمشروعه المتعلق بـ «تغيير النظام» والذي سيغير خارطة الشرق الاوسط ويوفر فرصة مناسبة لجني ثروات النفط من قبل الشركات الاميركية ويضعف اعداء اسرائيل الى درجة العجز الكامل. والمطلوب منا ان نصدق ان الأمر يتعلق بأسلحة التدمير الشامل العراقية ـ وان نتناسى ان الولايات المتحدة باعت البوتولينوم السام وجراثيم الجمرة الخبيثة وقوارير من فيروسات غرب النيل الى العراق ما بين عامي 1985 و1989 وخلال تلك الفترة كانت العراق تقاتل ايران في حرب كانت الامم المتحدة تحاول انهاءها. اذن كيف يمكن لصدام حسين ان يحترم الامم المتحدة؟ لماذا ينبغي للعراق ان يراهن على الامم المتحدة في وقت تهزأ فيه اسرائيل بمقررات مجلس الامن حتى اليوم؟ ان الاميركيين لا يكترثون بعدم انصياع اسرائيل لمقررات الامم المتحدة، تماما كما لم تكترث المانيا بعصبة الامم عندما اعادت الدخول الى رانيلاند او عندما غزت ايطاليا الحبشة. ان القوى العظمى هي التي تحكم الامم المتحدة وسوف يستخدمونها او يسيئون استخدامها كما يروق لهم. والغريب ان الولايات المتحدة التي لم تدفع التزاماتها المالية للامم المتحدة منذ سنوات بدأت تثير شبح عصبة الامم، فسخرية وعجرفة القوى العظمى هي التي دمرت عصبة الامم، وبالطريقة نفسها يمكن لاميركا ان تدمر الامم المتحدة اليوم. بقلم: روبرت فيسك _ ترجمة: علي محمد عن «اندبندنت»

طباعة Email
تعليقات

تعليقات