كتاب ـ جرترودبيل ـ يوميات الجزيرة العربية (5) ـ الصراع محتدم بين الانجليز والاتراك والألمان على التجارة في العراق، اليهوديات يحيين الليالي في مقاهي بغداد وأرباحهن خيالية

الثلاثاء 2 شعبان 1423 هـ الموافق 8 أكتوبر 2002 تجاذبت مع قنصل بريطانيا في كربلاء محمد حسين خان وكان تخاطبنا باللغة الانجليزية التي لم أسمعها أو اتحدثها منذ الخامس عشر من ديسمبر. وافتتح حديثنا عن الدين بقوله انه يعتزم السفر لانجلترا في اجازة «وربما اطلق زوجتي قبل الرحيل» وتعجبت لمسار حديثه وتحدث لي بعد ذلك عن متاعبه الاسرية فلم تكن زوجته تسعده وتحملها طوال 15 سنة ولم يعقد قادرا على التحمل. وقال انه ذاهب الى انجلترا للعثور على زوجة وآمل ان استطيع العثور له على زوجة، واحدة تسعده. احب هذا الرجل ضئيل الحجم. نمت الساعة الحادية عشرة ونهضت الساعة الثانية بعد منتصف الليل لأن عربة البريد ستتحرك في الساعة الثالثة فجرا. لقد كنت مرهقة ومتعبة جدا وتواقة للحصول على رسائلي وبدا المشهد البابلي الرائع مهترئا وعديم القيمة، فقد اصبح كالخرابة ولم يبق من التاريخ المجيد والرخاء أي شيء. وصلنا الى بغداد في الواحدة والنصف. بالطبع كان فتوح بصحبتي وألقيت عليه نظرة سريعة فقد كان منهكا وطلبت منه ان يغفر لي وشرحت له كيف تطورت الامور. وتوجهت فورا الى مقر اقامة الحاكم وحصلت على رسائلي من العقيد ارسكين وكانت زوجته لا تزال نائمة ومصابة بجرح في ساقها على اثر تعثرها قبل 3 اسابيع. لم يوفر لي مكان الاقامة، ولم ابال لذلك لأنني أردت ان انعم بالهدوء واقرأ رسائلي واستعيد رباطة جأشي. واصلت قراءة الرسائل طوال العشية وحتى ساعة متأخرة من الليل وراجعتها مرارا وتكرارا. كانت كومة رسائل كبيرة، وخلال الفترة الماضية لم تصلني أية انباء من أي نوع. وانت تعلم مأساة لوريمر الذي قتل نفسه في بوشهر باطلاق الرصاص على نفسه عن طريق الخطأ. ولم يكن هنا أحد فقد ذهب الجميع الى بوشهر. وتناولت العشاء مع العقيد وذهبت الى زوجته التي كانت راقدة في السرير تتعافى. بالطبع لم يكن العقيد ارسكين يعلم شيئا هنا بعد حتى انه يجهل من هم آل رشيد وكيف ان لوريمر احب ان يستمع الى حكاياتي والى اي مدى كان من الممكن أن نميط اللثام معا بمساعدة ما أعرفه. لقد حدث كل ذلك وفي نهاية كل مغامرة ينتهي الأمر بكل انسان دائما بالشعور بخيبة الأمل. الا تعرف ذلك؟ لقد حاولت تثقيف نفسي من قبل بتذكير نفسي كيف كانت نظرتي الى المستقبل كيف حلمت بالمستقبل وكيف كان طموحي في اوقات اخرى وحتى النهاية، وعندما عثرت على ما كنت اتوق اليه تبدد كل شيء. فالغبار والرماد في يد وعظام الموتى الذين بدا انهم لن يبعثوا ابدا. ولم يكن هناك أي شيء يبعث على الامل وابتعدت وتنهدات تملأ قلبي واحاول ان الفت انتباه اي شخص الى الامور الجديدة قبل اي شخص اخر ذاك كان شعوري لدى وصولي الى بغداد. لم تكن هذه المغامرة ناجحة ايضا. فلم احقق ما كنت اصبو اليه، لكنني تجاوزت ذاك الامر الآن منذ امس فقط، كل ما أريده الآن شيء اخر مهم لكنني فقط تجاوزت ذلك. ولكن يبدو انني لم أتجاوز ذلك حقيقة. ولا اشعر بميل الى الكتابة عنه. ولكنني قد أكون قريبة جدا منه. واعتقد انه من الافضل لو كان بعيدا قليلا ولعلي اجد الاشياء التي تجعلني اتحدث عن تلك الرحلة، لا ادري. اعتقد ان الامور الوحيدة التي يستحق الحديث عنها تلك الاشياء التي لا استطيع الحديث عنها لانني في جوهرها فكيف تبدو هذه النفس في اعين الكيان البشري ضعيفة وجاهلة وتائهة وخائبة الامل. ان الانسان لا يضع مثل تلك الاشياء في دفتر مذكراته لأن الانسان لن يحاول ان يرسم الصورة، انها هنا أمامنا قد لا اكتب، لا ادري. اتمنى لو انني رأيت الكثير من الجزيرة العربية. ان ذلك الاسم اكبر مما استطيع قوله لكنني احب ذلك الاسم، حسن، فأنا سعيدة جدا لأنني فتحت قلبي لك حول الوهم الذي جاء مع النهاية. البريد لن يسافر الا في الاسبوع المقبل وقد اسمع عن الاوضاع المحلية التي تثير الاهتمام وسأكتب كل شيء هنا قبل ان ابعث ببريدي. لقد بعثت برسائل الى اصدقائي في الوطن بأنني هنا وانني سأقابل ميسنر باشا، انه هنا يقوم بانشاء خط للسكة الحديد الشيء الاول الذي رأيته لدى وصولي الى بغداد كان محطة السكة الحديد وهي الشيء الوحيد الذي يبدو انه يسير بخط مستقيم بدلا من الدوران والالتفاف. واشعر بسعادة لرؤيتها. لن تحضر جمالي الا في الغد. لدي بعض الترتيبات الخاصة بها واعتقد انني سأقوم بعدها برحلة الى بابل وامكث مع اعزائي الالمان. وسأعود الى دمشق عبر البادية السورية وارتحل بخفة وانوي شحن معظم اغراضي بحرا. لن اسافر عبر طريق البريد فلم يعد البريد يرسل بهذه الطريقة، بل سأسافر عبر طريق اخر اريد ان اراه. وهي طريقة آمنة، انها البادية السورية. ويستطيع اي انسان الترحال عبر اي مكان يريد فيها اذا كان لديه رجل وانا لدي رجل يعرف كل مخلوق يعيش فيها، علي يعرف الجميع. 28 مارس 1914 لقد رأيت وسمعت الكثير، ليس من اريسكنز، لا شك اننا امة «الانجليز» غريبة الاطوار، لم يدعوني اريسكنز وزوجته قط. لقد زرتهما مرتين بناء على مبادرة مني، انه لا يعرف اي شيء عن اللغات الاخرى، مثل الفرنسية، كما لا يعرف عن تركيا فدماغه فارغ بالمرة حول تركيا او البلاد العربية الخاضعة لتركيا بصورة خاصة. وها هو هذا الرجل الذي نبعث به الى هذه المنطقة في لحظة تعتمد بغداد فيها عليه من ناحية ومن ناحية اخرى على مشاريع الري التي تتحول فيها الخطط الى حقيقة. في غضون ذلك عززت من صداقتي مع مدير شركة لينش تود وزوجته الفاتنة ضئيلة الجسم. وسأمكث معهما عند عودتي من بابل. وحظيت بترحيب بالغ من الجميع، انجليزا كانوا ام اجانب، وامضيت اليوم ساعتين ممتعتين مع صديقي الحميم، النقيب، انه الشخص الاعظم هنا في عالم الدين، وينبغي ان اعرفك انه لا يستقبل أي امرأة في العالم باستثناء خادمتك المطيعة المتواضعة. انه يرفض مصافحتي لكنني شغفه به وبأحاديثه. بعدئذ زرت عائلة عظيمة هنا ايضا ومرة ثانية استقبلت بطريقة اشاعت الفرحة في قلبي. لقد كنت على حق ازاء مشاعري الخاصة بالعراق. لقد سمعت بالترحيب في كل ناحية، ان كل شيء هنا خارج عن السيطرة، فخلال الحرب لم تعد الطرقات آمنة وتراجعت التجارة وقد اصيب كل شيء وآل الى خراب. انه لشيء مفزع، والجميع هنا يتأسفون على ناظم باشا الآن، كل اولئك الاشخاص الذين كرهوه عندما كان هنا، لأنه كان صلبا وشديدا معهم، بعدها تناولت طعام الغداء مع تود وقرينته. فليباركهما الله. اه يا ديك ينبغي ان احكي لك قصة رائعة، كان هناك تاجر غني جدا من المحمرة كانوا يلقبونه باسم «حجي ريس التجار» وكان شيخ التجار ذهب في رحلة الى أوروبا وعندما كان على وشك العودة اخذ يعمل ويجهد التفكير بما يمكن ان يجلبه من هدايا الى شيخ المحمرة في تلك الاصقاع الاجنبية. فاشترى تمثالين من الشمع لنساء والبسهما ثياب المساء في احدث طراز لنساء يمتلئن حياة سيصبحن عزيزات ويصعب الحصول عليهن. وعندما اكتشفت ان ذراعهما من خشب، اوصيت على استبدال الاذرعة الخشبية بأخرى من الشمع بتكلفة 250 فرنكا للذراع الواحدة، وكما ترى فقد كانا تمثالين كاملين. ولكن لم تكونا كاملتين جدا لكن التاجر اوصى بجرامافونات توضع بداخل التمثالين. وقال التاجر «خوش فكرة» اليست هذه افكار رائعة. عند العصر اتى ميسنر باشا لاحضاري ودعوت تود ايضا وعبرنا نهر دجلة بقاربه البخاري ونزلنا في فندق بغداديان ورأينا كل ما يمكننا مشاهدته. وكانت الاشجار تحني رؤوسها اجلالا للنهر عند الشاطئ بينما يصطف عنده اسطول من القوارب القديمة وكانت اشرعتها منشورة. وعلى طريق عريض وسط حديقة من اشجار التمر تصطف السكك الحديدية وتقف عليها عدد من القاطرات من احدث الطرازات. مظاهر الشرق القديم تتمثل كلها في فيضان دجلة وظهور الطمي والمياه العكرة واشجار النخيل والعربان اصحاب الملابس المهترئة ووسط كل ذلك تقف العربات ذات البريق والالمان الشقر اصحاب العيون الزرقاء بحركاتهم السريعة والحاسمة. والهيئة العكسرية الذكية التي تجسد الغرب. يخرجون للغزو والقيام بالغزو بسلاحهم الوحيد هو العلم. هل ترى الصورة بكامل تفاصيلها أود لو انك تراها من خلال عيني، والمستشفيات التي قمنا بزيارتها والمخازن وبناء المحطة وكل شيء يحتوي على الدقة بكاملها ونفس الفكرة وهو النظام الغربي المستورد. ولكن الصعوبة هي ان عليهم استرداد كل شيء. ولا يستطيعون استخدام المياه لانها مالحة وينبغي تصفيتها، ولافتقارهم الى الحجارة كان عليهم صب الاسمنت ولافتقارهم الى الرمال، فان عليهم سحق الحجارة. وقال لي ميسنر باشا: «ليس لدينا الحجار ولا الخشب» تناولت العشاء مع عائلة ميسنر الليلة الماضية وزوجته هي ابنة عبدالحميد الارمني الجوهرجي، وهي امرأة جميلة جدا. لقد كانت حفلة فاخرة وضخمة. بعد العشاء تحدثت الى ضابط تركي قائد الفرق الثانية للجيش العثماني هنا وابلغته بكل دقة ما يفعله آل رشيد. وكنت آمل ان ينفعل ولا يعتمد كثيرا على مساعدتهم لاستعادة الاحساء من ابن سعود لانهم أثبتوا ان قدرتهم محدودة على تحقيق ذلك. واعتقد ان الاتراك لن يستعيدوا الاحساء وفي اعتقادي انه لا ينبغي عليهم بذل اي مجهود لتحقيق ذلك. فقد هزمهم ابن سعود دون اطلاق رصاصة واحدة وتوجهت المحميات كلها باتجاه الساحل وجردتهم من كل سلاحهم حتى المدافع. ولم استبعد ان يقوم بتسليم الاحساء الى امير الكويت. وستكون هذه خطوة ماهرة لانها تنتقل آليا وتوضع تحت حمايتنا، وسيبذل الاتراك قصارى جهدهم للاحتفاظ بها. وقد فرغت للتو من العشاء بصحبة القنصل الالماني. ميسنر ثعلب عجوز مستشرق لكنه رجل رزين في تعامله معي وتحدث الي عن العقيد اريسكن فقال: «لقد حصلنا على تأكيدات عندما رأينا العقيد اريسكن، ولانكم ترغبون في اتباع سياسة شديدة في هذا البلد فانكم لم ترسلوا قنصلا عاما لا يعرف البلاد او اللغة». والآن اعتقد ان علي انهاء هذه الحكاية، البريد يسافر يوم الثلاثاء ولكنني ذاهبة الى بابل يوم الاثنين وينبغي علي تسليم الرسائل في دار الحاكم غدا، لا اتمنى ان تنتظروا اسبوعا اخر لحصولك على أخبار عني وعن نشاطاتي، ولذلك ينبغي ان امزق الصفحات غير المكتوبة واترك لهذا الكتاب ان يذهب. اما بقية قصة بغداد، لو ان هناك اي شيء اقوله لك، سأدونها في رسالة اخرى قبل مغادرتي الى دمشق. واتساءل الآن ما اذا كنت لاتزال في اديس ابابا. لم اتصور الرحلة ولا ادري كم ستدوم. باتت الساعة الآن بعد منتصف الليل وعلي ان اختم كلامي لقد كتبت الى السفير لويس موليت وابلغته انني قد احضر اليه الى اسطنبول اثناء رحلة العودة الى بريطانيا وسأقضي نحو الاسبوع في دمشق اولا وسأغادر بحرا من بيروت. وينبغي ان اصل الى اسطنبول لأرى بنفسي الحفريات في كارشميش وسأذهب لارى تلك الحفريات في سرديس ولكنني لا اعلم حتى الآن. وسأذهب الى هناك اذا بقي لدي طاقة للقيام بذلك. اعتقد انني سأكون في انجلترا في نهاية مايو. اسبوع ابكر او اسبوع متأخرة لكنني سأكون في انجلترا. عمت مساء ومع السلامة في هذا الكتاب ولهذه الليلة. السيد تود يبعث برسائلي. 12 ابريل 1914 حزمت اغراضي وانهيت نزاعا ماليا مع علي يقول السيد ويلز ان شرب الخمر ورقص البنات عادي هنا منذ وضع الدستور، انهم حضاريون! فالبنات الراقصات هن يهوديات. والنساء لديهن حرية اكبر وتراجع ارتداء الحجاب فلم تكن النساء يتجولن كثيرا في الخارج. اليهود يجلسون في المقاهي مع المسلمين ويعاملون معاملة جيدة، وشوهد السيد داوود، الذي سيصبح نقيبا عما قريب، وهو يقود سيارته مع ارمني، انه ابن عم النقيب الحالي، وفي البصرة كما هنا في الصحراء يتجول الناس بحرية مع الراقصات، انهن يجمعن مالا كثيرا، فالرجال يجلسون ويلعبون القمار وعندما يكسب رجل 5 جنيهات استرلينية يفتح زجاجتين للفتاة، وهي تكسب 60 جنيها في الليلة ويرقصن طوال الليل في القهوة هنا عند دجلة. بعد الغداء جاء عبدالرحمن جميل زاده واحضر معه قريبا، بعد ذلك ذهبنا انا وعائلة تود على مركب عبدالقادر ووصلنا حتى الكاظمية في الحر الشديد ويبدو النهر متألقا جميلا ومررنا بجوار قصر الخليفة وميناء القفة على الجانب الغربي من دجلة. ونزلنا وتناولنا الشاي تحت الشجر المزهر وجلب لنا الاطفال الورود. 13 أبريل 1914 الفالوجة. انطلقت، ولكنني لم ابتعد كثيرا بعد، وكنت مشغولة التفكير فهل ابتعد اكثر، اليوم على اقل تقدير. تعاركت مع علي الليلة الماضية في بغداد لاسباب واهية ليس لها قيمة. لقد عصى الاوامر واستدعى الجمال التي كنت بعثت بها الى الفالوجة. وعندما اصدرت اوامري طلبت من فتوح ان يشرف على تنفيذها في حين توجهت مع اسرة تود في نزهة الى النهر ولم أكن موجودة عندما عاد فتوح لابلاغي عن سير العمل. اذن، فقد بذل قصارى جهده واخذ الجمال في النهاية وكان علي معه ووصلا الى الفالوجة عند الظهر واحضرا عربة لي في المساء، ووصلنا هنا في الواحدة ولم نعثر على الجمال ولا على علي ولا على أي شيء. الساعة الآن الرابعة وكان ينبغي ان اكون في الصحراء قبل ساعتين وانصب خياما. لا شك ان عليا شخص متعب بصورة غير عادية لا يختلف عن الطفل المشاكس، فلا ينجز عملا ولا يتحمل مسئولية، ولكنه يفيد في مسألة واحدة فقط وهي الثرثرة بين القوم. فهو يعرفهم جيدا وهو معروف لديهم. واقدره على نحو خاص بفضل سعة خياله وهو ما يضفي السرور على القلب، ولكنني اخشى انني سأتخلص منه الآن، اذا لم يقدم لي ايضاحات مقنعة واخشى انني لم اعد قادرة على اصطحابه ثانية. اظن ان كتابتي لك جلبت لي الحظ فقد رأيت النوق على الطرف الاخر من الجسر. دع العدل يأخذ مجراه عليْ الذهاب للشجار مع علي: «يا علي انني امقت اسلوب العمل هذا. فالجمال من ناحيتها تكره عبور الجسر. فالفرات فائض وانت لا تكترث ماذا حدث لأي منا». وجاء علي الى المخيم وكان يغلي غضبا ففصلته من العمل. لقد حصل على ما يكفي من الاجور لتغطية الرحلة بدون بقشيش وبذلك انفصل عنا ليجد طريقه الى بغداد. ولا عجب، بالنسبة لي اذا ضللت طريقي في الصحراء السورية «البادية» ولم اتمكن من الوصول الى دمشق، واصطحبنا احد الاشخاص من الخان لايصالنا الى اقرب مكان من الشيخ وليم، وهكذا بدأت الرحلة. لكننا لم نذهب الى الشيخ لأنه كان يبعد نحو الساعتين وكان الوقت متأخرا واقترح هذا السيد ان نضرب خيامنا معه، فهو وليمي ايضا، وخيامه في طريقنا وتبعد نصف ساعة عن الفالوجة، وعاد علي، ومرة واحدة قدمت فيها شديد اعتذاري لكنه رحل، واتوقع ان يعود ولكنه اذا لم يعد فانني لن احفل بذلك. فهناك شيخ الدليم «العود» في طريقنا صبيحة اليوم التالي واستطيع الحصول على دليل منه. يتكون فريقي الآن من فتوح وفلاح الاسود وسيف الشيراري، وكما تذكر فان فلاح اصطحبني من دمشق وسيف منذ غادرت زيزا (الجيزة) ولدي الآن ثماني نوق. فنحن لم نجد أسعارا مشجعة في بغداد ولا نستطيع بيع اثنين من النوق جلبناهما معنا من حائل وليس لدى هذه الجمال ما تحمله سوانا، لأننا سنسافر خفيفين جدا. فقد تركت امتعتي في بغداد لكي تنقل الى لندن بحرا. ولدي خيمة خفيفة وصغيرة مع سرير مطوي في حقيبة وكرسي واحد وهذا كل شيء احمله باستثناء حقيبة ملابسي، لا استطيع التخلص من كل ملابسي لأنني سأسافر الى اسطنبول بالاضافة الى انه ليس هناك من سبب يجعلني لا اخذ الحقيبة لأنه لم يكن هناك اي احمال تثقل ظهور النوق. والرجال ايضا كانت لديهم خيمة خفيفة وحملنا معنا مؤونة تكفي مدة 3 اسابيع، ولا تشرب النوق الكثير من الماء الآن حتى يجف العشب. ليست هذه صحراء نشرت سريري على العشب ولا يبعد عنا الفرات اكثر من 10 دقائق. وعدنا الى العراء ثانية، الى الارض المفتوحة، وقفز قلبي فرحا لذلك، احب خيمتي الصغيرة، ومن الناحية النظرية احب افتراش الارض للنوم لكنني سأرهق من ذلك، اعرف ذلك «آه يا ديك كيف ستتوسد عظامنا قبورنا في النهاية، وكم ستتألم» وها هنا تأتي النجوم باعدادها الكبيرة بقوافل ضخمة كلها باتت صديقاتي. وفي الامس قمت بنزهة مع عائلة تود استعرنا مركب عبدالقادر باشا القديري الذي يضع كل بغداد في قبضة يده وعزز صداقته معي لانني صديقة كاظم باشا الذي يكن له كل الحب وأبحرنا على متن القارب في ذاك الحر اللاهب حتى وصلنا الى الكاظمية وهناك ترجلنا وتناولنا الشاي تحت شجر الاثل التي كانت مغطاة بالزهور، وعند الغروب ابحرنا على طول التيار وكانت بغداد ترقد على ضفتي النهر كمدينة خيالية تلمع تحت صهد الطقس الحار. وتحت جنح الظلام رسا مركبنا عند منزل عبدالقادر وصعدنا اليه لشكره ووداعه. لقد كانت خاتمة رائعة لزيارتي لبغداد ولكن هل تدري ان بغداد آلت للاوباش. فالكل يخمر حتى الاسياد والزعماء كلهم يسكرون ويقامرون حتى منتصف الليل ويحتسون العرق ويمضون الشطر الاخر من الليل مع الراقصات اليهوديات. هؤلاء الراقصات يجنين ارباحا ضخمة وهن رهيبات بصورة منقطعة النظير، لقد قيل لي انهن احط مخلوقات الله. وقد حدث كل ذلك في السنوات الاربع الماضية عندما اطلقت الحريات واعلنت قوانين حضارية. وانتابني احساس بأن بغداد تعودت على هذا النمط من المدنية بصورة سريعة جدا وعادت بقدها وقديدها لتحيي اياماً غابرة ربما ليس عن طريق العرق بل الراقصات اليهوديات، واشياء اخر، هل قرأت مسرحية دانونزو الرائعة «سيتامورتا»؟ فهي صورة خيالية لاكتشاف ميسناي. وبينما هم يحضرون نهضت شرور قديمة من رقادها في القبور. واطلق العنان لشرورها واطبقت الخناق على من حفر قبورها وانتشرت الخطايا والكراهيات المريرة والمشاعر الشديدة هل تذكر انني ابلغك ان هذه الشرور والخطايا ستصبح خالدة اذا بقي اي منها حية؟ وقلت لي لا، لقد انتهوا ولن يعودوا قط. لا لم تنته تلك الشرور فقد خرجت من مرقدها في بغداد، وهؤلاء الرجال خرجوا يخمرون ويرقصون انها صورة مرعبة، أليس كذلك؟ لقد تحولت بغداد الى هذه الصورة القبيحة الان سآوي الى فراشي لقد تجاوزت الساعة الآن الثامنة وسنصحوا باكرا، فالى سريري على الارض الآن. 14 أبريل 1914 نهضنا في الساعة الخامسة والربع صباحا. لم يعد علي، ركبنا النوق وسرنا على امتداد الفرات الكبير عبر الكثير من حقول الذرة بعد ذلك خرجنا الى الارض الجرداء والتلال القاحلة التي تطل على النهر ولم تشتد الحرارة فعلا الا عندما وصلنا الى الرمادي وهو ما حققناه في الساعة الواحدة والنصف. مسيرة طيبة، وهناك دلفنا الى منزل الشيخ علي سليمان وكان قد رحل الى بغداد لكن اشقاءه كانوا في البيت واصطحبوني الى البستان حيث جلسنا في ظل خيمة في العراء شربنا القهوة. بعدها ذهبنا الى خيمتي حيث شربنا الشاي بماء ورد البرتقال وبحثنا مسألة الحصول على دليل «رفيق». هناك الكثير من القصص حول بغي علي وعدم امانته ففي النجف استولى على امداداتنا ونقلها الى البيت واكلها مع افراد اسرته ولم يدع احداً من رجالي لتناول الطعام معه واحتفظ بعدد من اغراضنا في منزله، ولم يعدها واحتفظ بالمال الذي اعطيته اياه لشراء طعام لاثنين من رجالي لسقايتهما واطعامهما وتركهما يتضوران جوعا وتشاجرت معه في بغداد لأنه اراد اصطحاب ابن عمه لان لم يكن يريد ان يخدم في العسكرية مع جيش العثماني.. رفضت طلبه لأنني لم اكن أرغب في ان اخالف قوانين الحكومة العثمانية. وامعن في تمرده واصطحب ابن اخيه الى الفالوجة لتحيتي وشعرت بسعادة غامرة عندما عادا ادراجهما الى بغداد، معي كل الحق كما ترى. وحصلت من الشيخ علي سليمان على دليل يدعى عدوان اعطيته 7 جنيهات كأجر لاصطحابي الى «جارة» لكي التقي برجال العنزة. في اليوم الذي قمت مع اسرة تود بنزهة قال مستر تود ان اهم نقطة حول النقليات ان من يستولي على النقليات يستولي على تجارة العراق. واضاف السير تود قائلا انهم يأتون اليه الآن من اجل المضخات واشياء اخرى. وابلغني ان الالمان يقومون بمحاولات قوية للسيطرة على التجارة في قارون. وافتتحت شركة ملاحية تركية، ولو لم يحصلوا على دعم قوي وجوهري من الالمان. ما كان الاتراك يستطيعون انشاء مثل هذه الشركة. بعد ذلك عمد مستر ميسنر الى تشغيل مركبين بخاريين في البصرة مخصصين للنقل اما شركة لينش فقد دشنت قاربا لنقل الرسائل ولكن الارباح كانت محدودة، ولم تبدأ الارباح الفعلية الا بعد ظهور النفط. ولم يكن نشاط مركبي السيد ميسنر بذات اهمية كبيرة، ولذلك لم يحققا اية انجازات تذكر. وكان احد المركبين مؤجرا لشركة تركية لنقل البريد ما بين البصرة والمحمرة واشتكى تود الى ميسنر الذي قال انه لم يكن يدري شيئا عن ادارة الاعمال والتجارة وتساءل تود لماذا يرغبون هم في تجارة قارون التي تكسب من تجارتها شركة لينش بعض الارباح بشق الانفس ان لم يكن ذلك لاغراض سياسية. سيرشدني عدوان إلى جارة حيث تنزل قبيلة العنزة وسيوصي بي إليهم. كان عدوان يتمتع بابتسامة عذبة جداً ووجه باسم ابداً ولذلك فهو رجل معروف جيداً وينحدر من اسرة علي سليمان من قادة الدليم. وهكذا تجاوزت الحاجز الاول. وفي جارة سأحصل على دليل آخر، ولم تكن لدي ادنى شكوك وقد تعهد عدوان بالعثور على من يخلفه في الرحلة. وها أنا الآن اجلس مع الشيوخ. وبات كل شيء مألوفاً جداً وممتعاً. قدموا لي عشاء مبهجاً في الحديقة بناء على طلب مني، ولكن البقية الباقية من الليل لم تكن بتلك البهجة والنشوة. ولم يكن هناك اي عذر يبقيني مستيقظة في تلك الليالي الحارة. وكانت ثرثرة الحارسين اللذين اوكل الشيخ لهما بحراستنا تكفي. واخيراً نهضت من الفراش بغضب وطلبت منهما ان يبتعدا قائلة انني افضل آلاف اللصوص، الذين لن يحاولوا ايقاظي على الاقل، على حراس لا يكترثون اكنت نائمة ام لا. ونهضنا قبل الفجر لقد كان يوماً قائظاً شديد الحرارة. وبدأنا رحلتنا عبر الصحراء المرهقة المملة وانا شبه نائمة ممتطية ناقتي. اما اولئك الذين يمكثون في بيوتهم ويقولون كم هو ممتع استطلاع الاراضي القاحلة فهم لا يعلمون. هل يعلمون؟ ما هو الثمن الذي يدفعه الانسان في مثل هذه الايام لاستطلاع تلك الاماكن. كم هي الجلبة كبيرة التي احدثتها في تلك الليلة الرديئة. يوم حار وطريق ممل. في الساعة الخامسة وعشر دقائق استيقظنا وفي الخامسة والعشرين دقيقة كنا نعبر القناة. لقد كان اليوم حاراً جداً ولحسن الحظ لم يمض وقت طويل حتى تعرفت على محيطي من سحابة دخان كثيفة تنطلق من ابوالجير. قال عواد ان العرب يضيئون الآبار كي يتونسوا. وما لبثت الصحراء ان بدت بكل ما فيها من خلاء وفراغ وجفاف. وفي الثالثة والرابعة بعد الظهر قمنا بضرب خيامنا بعدها فاجأتنا عاصفة رملية ورعد. وحدث هرج ومرج وساد الخوف من احتمال ان تنخلع الخيام من اماكنها. عصفت بنا ريح مجنونة ولم يهطل سوى القليل من المطر. تهدمت خيمة العرب لكي خيمتي صمدت رغم كل شيء ولم يخف عدوان دهشته. وحكى لي اليوم الاصول التقليدية للديلم وهم خروج من الجزيرة العربية في اول الزمان وكان الجدان ثامر وجبار، الاول هو جد الدليم والآخر هو جد الجبور. وقادتهما غريزتهما إلى مهيار. ولم تكن تلك اسم المنطقة في ذاك الزمان. لم يعرض اسمها. ولدى وصولهما عثرا على عرب واخفى هؤلاء البئر تحت الفراش وتأكدا ان هؤلاء غريبين ولن يجعلوهما يشربان من البئر وانهم سيحتفظون بالماء لانفسهم فقط. لكن في الحقيقة فقد كان الماء يكفي كل العرب. وبحث الشقيقان عن الماء ولم يعثرا عليه وفي النهاية قال احد الشقيقين ابحث تحت العلف وازاح العلف فوجد الماء تحت الفراش. واخذت ابنة ثامر الذلول، التي هي هنا، ووضعت كتابات عن حال الشقيقين في شدادها وعادت الذلول إلى نجد. وعند عودتها إلى نجد وجدت رجالاً يسقون الجمال عند بئر. ونظراً لانها عطشى اقتربت وشربت حتى انقطع حزام الذلول على الارض. وسقطت الرسائل والتقط اثنان من العرب اللذان كانا يسقيان الجمال وقرءا محتواها وتوجها لنجدة الشقيقين ومنذ ذلك الحين فإن الدليم يسيطرون على الديرة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات