هل نصدق تقرير بلير ؟

الاثنين 1 شعبان 1423 هـ الموافق 7 أكتوبر 2002 قضية المقاطعة وعرفات تشبه الانشغال بذبابة مزعجة مقابل الانشغال بالخطر الداهم من وحيد قرن معربد. واذا كان ثمة شيء جدي ينبغي تحقيق تنسيق كامل مع واشنطن حوله فهو سلوك اسرائيل في حالة تحقق السيناريو العراقي الاسوأ. خلافا لردود الفعل السياسية وغير المهنية في بعض الدول على التقرير الذي عرضه رئيس الوزراء البريطاني، توني بلير، في موضوع جهود صدام حسين للحصول على سلاح الدمار الشامل ـ فان الاستخبارات الاسرائيلية تتعاطى بجدية جمة مع بعض الاستنتاجات التي وردت فيه. ففي التقرير يوجد حتى معلومات جديدة بشكل جوهري فاجأت اسرائيل نفسها. الناطق بلسان البيت الابيض، آري فلايشر، الذي رد على الادعاء بأن ليس ثمة جديد في تقرير بلير قال ان المعلومات عن الاتصالات التي يجريها العراق مع دولة افريقية في محاولة للحصول على اليورانيوم وعن قدرته على استخدام صاروخ ذي رأس حربي كيماوي أو بيولوجي في غضون 45 دقيقة ـ لهي معلومات جديدة. ولكن في نظر اسرائيل ليس هنا تكمن المستجدات. فقد بات معروفا، مثلا، بأنه سواء المندوبين العراقيين أم الايرانيين يمشطون، على نحو مستقل، دولا في افريقيا في محاولة لشراء اليورانيوم. أما المعلومات الجديدة جوهريا في نظر اسرائيل فهي بيان بلير بأن العراقيين سيتمكنون من الحصول على سلاح نووي في غضون عام أو عامين. فكل تقديرات اجهزة الاستخبارات الغربية حتى اليوم قررت بأن العراق سيكون بوسعه انتاج السلاح النووي في غضون خمس حتى سبع سنوات. هذا ما نشر، وهذا كان الرأي الذي طرح في اللقاءات المهنية. وفي اسرائيل ايضا ساد تقرير مشابه في ان العراق لم يتخل، ورغم العقوبات، سينجح في الحصول على سلاح نووي في غضون خمس الى سبع سنوات. وها هو رئيس الوزراء البريطاني يعلن ان الحديث يدور حول فترة أقصر بكثير. ومن نواح عديدة يعد هذا انقلابا. من الصعب الافتراض بأن رئيس وزراء بريطانيا، الدولة الديمقراطية المكشوفة أمام النقد السياسي الداخلي، يمكن ان يسمح لنفسه بنشر دعاية كاذبة، لا سيما حين يدور الحديث عن شروع محتمل في الحرب، والاستخبارات البريطانية تعد هيئة مهنية جيدة، وفي مجال الخليج العربي هي من أفضل الاجهزة. وهي تفوق في بعض المجالات على ما يبدو الاستخبارات الاميركية، التي تمتاز أساسا في المجال التكنولوجي. يثير التقدير الجديد عدة اسئلة. يمكن الافتراض بأن البريطانيين نقلوا الى الايمكيين هذه المعلومات الهامة قبل ذلك. والسؤال هو لماذا لم تشرك هاتان الدولتان المعلومات المقلقة مع دول صديقة اخرى؟ وبالنسبة لاسرائيل، هل سيطرأ عندنا في أعقاب وثيقة بلير تغيير في تقدير الوضع والمتعلق بالقدرة النووية المتوقعة للعراق، أم أننا سنظل مرابطين عند التقرير القديم الذي يتحدث عن خمس حتى سبع سنوات؟ واذا ما طرأ تغيير، فكيف ستتصرف حكومة اسرائيل؟. بعد عدة اسابيع سيتعين على الاستخبارات ان تعرض على الحكومة تقريرها السنوي، والكثيرون سينتظرون لرؤية ما سيقولونه في هذه النقطة الحساسة. وفي نقطة اخرى، المتعلقة بالصواريخ التي بحوزة العراق، فان تقرير بلير يعرض بشأنها نهجا مقللا من قيمتها بالذات. فالاستخبارات البريطانية تقول انه بينما اعتقدت في الماضي انه بقي بحوزة صدام حسين اثنا عشر صاروخ ارض ـ ارض بعيدة المدى، فانه يقدر اليوم بأن الحديث يدور حول 20 صاروخا. وفي اسرائيل يقدرون منذ زمن بعيد بأن الحديث يدور حول 50 ـ 70 صاروخا. ليس هذا برقم دراماتيكي، ويجدر فحص هذا التقرير كي لا نفاجأ في حالة رغبة صدام مرة اخرى باطلاق الصواريخ على اسرائيل. وعلى أي حال، فان الامر الأهم ليس عدد محركات الصواريخ التي بحوزة صدام، بل أي رأس نووي يمكن للعراقيين ان يركبوا على هذه الصواريخ، وهل سيجرؤون على استخدام السلاح غير التقليدي. في ضوء هذه الاسئلة، فان قضية المقاطعة وعرفات تشبه الانشغال بذبابة مزعجة مقابل الانشغال بخطر داهم. واذا كان ثمة شيء جدي ينبغي تحقيق تنسيق كامل مع واشنطن حوله فهو سلوك اسرائيل في حالة تحقق السيناريو العراقي الاسوأ. بقلم :زئيف شيف عن « معاريف»

طباعة Email
تعليقات

تعليقات