على أنفسكم تكذبون!، حكاية «غسيل الاحتلال» الاسرائيلية تلغي 33 عاما من الظلم

الاثنين 1 شعبان 1423 هـ الموافق 7 أكتوبر 2002 اسرائيل شطبت من ذاكرتها 33 سنة من الاحتلال واعتبرت الانتفاضة خيانة فلسطينية لبادرة اوسلو التاريخية، والمطلوب الآن اعادة الانتفاضة لسياقها التاريخي وفهم أسبابها الحقيقية من اجل التقدم المشترك الى الأمام. هناك خط فرية محبوكة وخطيرة ومضللة يرتسم منذ عامين في الحكاية التي يحُدث المجتمع الاسرائيلي بها نفسه حول الصراع مع الفلسطينيين. فمع اندلاع الانتفاضة بدا وكأن صفحة جديدة قد فتحت في الوعي الاسرائيلي. صفحة جديدة في حكاية الصراع كله مع شطب صفحات كثيرة قبلها. بقدرة قادر، وسحر الساحر، غابت عن الوعي الجماهيري 33 سنة ـ من حزيران 1967 وحتى ايلول 2000 ـ من القمع والاحتلال والاذلال عندما حكمت اسرائيل الضفة الغربية وغزة. ومن المريح لأكثرية الاسرائيليين اليوم الاعتقاد بأن اعمال المخربين الفلسطينيين خلال العامين الاخيرين هي مثابة «تسوية حساب» مع تلك السنوات الطويلة من عمر الاحتلال. وان الفلسطينيين هم وحدهم المذنبون في الوضع الحالي. كما ان ما ظهر من العنف والدعم الجماهيري الذي تلاقيه من قبل اغلبية الفلسطينيين «يبرر» في وقت لاحق مظالم الاحتلال، ويمنح اسرائيل صفحا وعفوا عن الماضي بطريقة معينة وملتوية ومن المثير ان نرى مدى الكبت والرياء الذي يميز الحكاية التاريخية التي اختارت اسرائيل ان ترويها لنفسها.وحسب الحكاية الجديدة هذه ـ والتي لا يشكك أحد بها في وسائل الاعلام والاوساط السياسية ـ يبدو وكأن هذه البلاد لم تشهد خلال 33 سنة الماضية حواجز عسكرية على الطرقات وآلاف عمليات الاعتقال والابعاد وقتل الأبرياء، وانه لم يفرض هنا حظر التجول لأشهر طويلة والمضايقات التي لا تنتهي، أفلا يثير مجرد تعداد هذه الامور شعورا بعدم الارتياح والعصبية؟، وعمليات التفتيش في المنازل واقتلاع الكروم والأغراس واغلاق الآبار، وعلى وجه الخصوص ألم يكن هناك بناء لعشرات آلاف الوحدات السكنية الاستيطانية ومصادرة الاراضي بأحجام ضخمة خلافا لكل قانون دولي. في الغموض المقصود والمغرض الذي أنشأه شارون ووزراؤه والمتحدثون باسمه على اختلافهم يظهر بوضوح في ماضي حرب الايام الستة برج عدالتنا وصدقنا وبعده نوعا من الصحراء الفكرية الخالية من التاريخ والخالية من المسؤولية والخالية من الذنب، وعندها تظهر فجأة من داخل اتفاقات اوسلو «الاجرامية» اقتراحات باراك في كامب ديفيد ومن ثم الانتفاضة التي اندلعت بعدها في يوم صاف وجميل. حسب هذه الحكاية الجديدة انفجر الفلسطينيون في سبتمبر 2000 في نوع من الانفجار الحاصل في قوى الطبيعة وكأنهم تيار نار وحمم بركانية، وأشعلوا أوار المنطقة. ولم يكن لهم تبرير منطقي للقيام بذلك، ولم يكن هناك أي اعتداء اسرائيلي، لا بل على العكس كانت هناك عروض باراك السخية والتي قوبلت بردهم الخياني العنيف، ذلك لانهم بطبعهم يتحركون فقط بدافع من الجذور غير العقلانية القوية والمدمرة التي تحول دون حدوث التسوية في المستقبل ايضا. هذه النظرية هي أساس ادعاء اليمين المقبول لأغلبية الاسرائيليين على ما يبدو، والقائل ان اتفاق اوسلو ومؤيدوه هم الذين تسببوا في الواقع في اندلاع الانتفاضة وليس الوضع الذي لا يطاق الذي عاشه الفلسطينيون خلال 33 سنة، وليس الدعم الصامت من اغلبية الاسرائيليين لاستمرار الاحتلال مع اقناع الذات بأن هذا الاحتلال هو حكم حضاري وانساني والذي يكاد ان يفقد صفة الاحتلال كليا، ولا رفض كل حكومات اسرائيل ـ حتى حكومة رابين الثانية ـ التوصل الى تسوية حقيقية ومؤلمة مع الفلسطينيين، ولا مضاعفة عدد المستوطنات بعد اوسلو، ولا الطريقة التي أدار بها باراك المحادثات في كامب ديفيد واقتراحاته المطروحة على عرفات وكأنها انذار نهائي، هذه الاقتراحات التي كانت سخية بالمقارنة مع الماضي، الا انها لم تكن مرضية بالمرة في نظر الفلسطينيين. كل هذه الامور لا تعتبر سببا كافيا لانتفاضة شعب محتل وبائس، وانما السبب في نظرهم هو اتفاق اوسلو وحده. أي انهم يقولون انه لولا اوسلو لسلم الفلسطينيون وتقبلوا الاحتلال الاسرائيلي بحب وسرور حتى يومنا هذا. وكأن اوسلو كان عود الثقاب وليس عبوة الاطفاء. لا شك ان سر نجاح وقبول نهج «غسل الاحتلال» يكمن في انه «ينظم ويرتب» الواقع الخطير والفتاك بصورة منطقية ويبرر طريقة استمرار النهج القائم على القوة الشديدة تجاه الفلسطينيين. ولكن هناك خطر كبير في هذه الرؤية للواقع ذلك لانها ليست واقعية ببساطة. صحيح ان الفلسطينيين يرتكبون في العامين الاخيرين أخطاء، وانهم لو كانوا قد تصرفوا بطريقة اخرى لكان من المحتمل ان يمتلكوا الدولة الآن.ولكن اذا لم تكن اسرائيل معنية بمعاقبتهم فقط، وانما ترغب ايضا بتخليص نفسها من شرك الوضع، فان عليها ان تنهض وتعيد الى الحكاية الكبيرة من الصراع أجزاءها التي شطبت منها وأزيلت من الوعي في العامين الاخيرين. واذا لم نعد ونغرس الانتفاضة في سياقها التاريخي فلن تظهر هنا فرصة للفهم المتبادل بالحد الأدنى، والذي لن نتمكن بدونه من الشفاء الحقيقي. بقلم: ديفيد غروسمان عن «هآرتس»

طباعة Email
تعليقات

تعليقات