فاتحة للديمقراطية في المغرب، الإسلاميون أصحاب اليد العليا في الانتخابات البرلمانية

الاثنين 1 شعبان 1423 هـ الموافق 7 أكتوبر 2002 ظل منير يكابد من اجل الاختيار بين العين والسيارة والمنبه والمصباح والحصان والدبور والميزان. هذه الرموز كانت موضوعة على ظهر احدى اوراق الانتخابات بمركز للاقتراع يقع في حي يعقوب منصور، احد احياء العاصمة المغربية الرباط الذي يقطنه افراد من الطبقة الكادحة، لتمثل الاحزاب السياسية حيث يتم تقديمها للناخبين في الوقت الذي يستعد فيه البلد الأكثر ارتفاعا في معدلات الامية للبدء بالخطوة الأولى نحو الديمقراطية الصحيحة!! وفي النهاية صوت منير وهو سائق سيارة اجرة في التاسعة والثلاثين لصالح الحصان الذي يقف على قائمتيه والذي يرمز لحزب الاتحاد الدستوري المحافظ. قال «أتمنى ان يفلحوا في تغيير الأمور». كان الحزب الذي اختاره واحداً من بين 26 حزباً تتنافس في اول انتخابات حرة ونزيهة تحدث في هذا الجزء من العالم للمرة الأولى منذ سنة 1991. ففي ذلك الوقت فاز الاسلاميون المتشددون في الجزائر المجاورة بالجولة الأولى من الانتخابات التي تم الغاؤها فورا، الأمر الذي اشعل نيران حرب اهلية راح ضحيتها الى الآن اكثر من مئة الف شخص. التجربة الجزائرية الدامية كانت حاضرة في اذهان الناس في المغرب التي مرت بجملة لا مثيل لها من التجارب المروعة تورط فيها الاسلاميون المتشددون، منها المتفجرات التي تم العثور عليها في طائرة متجهة من مراكش الى فرنسا والقاء القبض على اعضاء في جماعات اسلامية مسلحة متهمين بالقيام بعدة جرائم كما اضاف القاء القبض على اعضاء خلية من تنظيم القاعدة كانوا يخططون لشن هجمات على سفن اميركية وبريطانية في مضيق جبل طارق اجواء انتخابية ساخنة. هذه التجربة الانتخابية هي افكار الملك المغربي الشاب محمد السادس، الذي اصدر تعليمات صارمة بأن تكون هذه الانتخابات نظيفة على العكس من سابقاتها. في حين صرح المراقبون في مراكز الاقتراع بأنه لم تكن هناك دلالات تذكر على حوادث لشراء الاصوات والتلاعب في اصوات الناخبين. كما ان رئيس الوزراء الاشتراكي عبدالرحمن اليوسفي اقر بنفسه بأن كل الانتخابات السابقة بما فيها تلك التي اوصلته الى السلطة كانت نتيجتها تحدد من قبل العاهل المغربي السابق الحسن الثاني الذي خلفه ابنه محمد السادس. وصرح بذلك بقوله «ان على الناس ان يتأكدوا الآن بأن الامور قد تغيرت. ونحن نسعى الى تلمس القوة الحقيقية للأحزاب السياسية المختلفة». وكانت الانتخابات قد اشارت منذ البداية الى افساح المجال بحذر لتولي التيارات الاسلامية المتنامية، التي تشعر بالقلق والتي يغلب عليها الطابع المعتدل، للسلطة. لقد كان متوقعا تحول الاسلاميين الى قوة سياسية سريعة النمو ذات جبهة مسيطرة من الاصوات في برلمان تابع لبلد تقع كل منافذه على مسافة اقل من بضعة اميال من الحدود الجنوبية الغربية للاتحاد الأوروبي في اسبانيا وبدا واضحا ان الاسلاميين سيمنحون اصواتهم لحزب العدالة والتقدم، الذي يتألف من جماعة الديمقراطيين المحافظين الجدد، التي تأتي على رأس اولوياتها مسألة تفنيد المدونة المغربية القمعية المتعلقة بالمرأة. يقول عبدالاله دنكير زعيم الجماعة ان حزبه يتبنى اتجاها حذرا خاليا من المصادمات للوصول الى السلطة ولذلك فقد قررت ان يدخل الانتخابات بنصف عدد اصوات ناخبيه لكي يتجنب الحصول على عدد كبير من المقاعد الأمر الذي قد يوصل الى النتيجة نفسها التي قادت اليها الانتخابات الجزائرية الدامية. ويضيف دنكير وهو واحدمن القلة السياسية المغربية الكارزمية: «ان ما نسعى اليه هو التغيير الهاديء، وليس كما حدث في الجزائر. نحن اسلاميين. وهو ما يعني ان علينا ان نسير ببطء وان نكون حذرين حتى لا نتسبب في غرق السفينة. وعلى الرغم من ذلك يرى بعض المراقبين ان قرار السماح لمن هم في سن العشرين بالتصويت كحد ادنى كان يهدف في الواقع الى ابقاء الاصوات لحزبه الذي يتمتع بشعبية كاسحة في اوساط الشباب المحبطين العاطلين عن العمل. الا ان ابرز المتغيبين عن الانتخابات المغربية كان الحزب الذي مازال هو الاكثر شعبية رغم مقاطعته الانتخابات، حركة العدالة الذي يتزعمه الشيخ عبدالسلام ياسين، والذي يعتقد المراقبون انه كان قادرا على الفوز لو دخل المنافسة. يقول ابوبكر جاماي من حزب الاصلاحيين العلمانيين «حتى في اجهزة المخابرات السرية يعتقدون بأن هذا الحزب هو الحزب الاكثر نفوذا». وعلى الرغم من كونه قريبا من حزب العدالة والتقدم في رفضه العنف ودعوته لنوع من الديمقراطية الاسلامية المتسامحة الا ان حزب العدالة رغم كل شيء يتوقع قيام ثورة دامية يؤججها الفقر والفساد الاداري المنتشر في بلد يعيش فيه الناس على اقل من دولار واحد في اليوم. كما انه وعلى العكس من حزب العدالة والتقدم اوغيره من الاحزاب الاخرى كان قد دخل في تحديات مع السلطات الحاكمة بما في ذلك احتجاجه على سلطة الملك محمد السادس كحاكم اسلامي للبلاد او سلطته «كأمير للمؤمنين». ومن جهته صرح فتح الله ارسلان المتحدث باسم الجماعات المحظورة بقوله «على الرغم من ان الديمقراطية هي اعظم انجاز انساني إلا ان المؤسسات الديمقراطية التي تملك القدرة على حكم المغرب لن تأتي من هذه الانتخابات. انها مجرد اصوات ضاجة تعمل من اجل لفت انتباه الغرب والحصول على مساعدته». وكان الحزب يستعد للسعي الى استعادة عافيته في اعقاب فقد الثقة بالحكومة. وكان ارسلان قد توقع ذلك بقوله «ان هؤلاء الذين يمسكون السلطة سيدفعون الثمن». ان شخص كجاماي على الرغم من اختلافه مع اسلامهم كان يريد من حزب العدالة ان يلغي مقاطعته الانتخابات. وقد قال محذرا «نوعا ما هم على صواب» اننا نريد ان نقحم هؤلاء في السجال السياسي لكي نشبع رغبة الناس وبالتالي سيصبح بإمكانه ان يأتي بحلوله لمشكلاتنا». غير ان هذا الحزب ليس وحده الذي يشكك في قيمة انتخابات لم يجرؤ حزب على الدخول من خلالها في نقاش حول الدستور الذي يترك غالبية السلطة في يد الملك ونخبته المختارة من تكنوقراطيي السلطة الذين لم يتم انتخابهم. وكانت مجوعات من احزاب اليسار المتطرف قد دعت الى المقاطعة يقول على المرابط من مجلة ديمين الاسبوعية: «ان السلطة الحقيقية في المغرب توجد في القصر وليس في البرلمان. والقرارات الاقتصادية الكبرى تصدر عن حاشية المتسلقين الموجودين هناك. في حين ان الملك وحده هو الذي يعين رئيس الوزراء ووزراءه وكبار المسئولين المدنيين. ان والانتخابات المغربية سيتم النظر اليها كما لو انها استفتاء على سجل الملك محمد السادس المزدوجة كملك وضع يده على السلطة منذ وصوله الى العرش قبل ثلاث سنوات. واذا كان الاعراض الكبير عن الانتخابات يشير الى الدعم الشعبي فإن القليل منه سيشير بلاشك الى ان قلة يشعرون بالثقة، أو حتى يفهمون ما ترمي اليه وعوده بالديمقراطية الأكبر. يقول منير: «لا ادري ان كانت الامور ستتحسن الآن. إلا ان الانتخابات ستكون عادلة هذه المرة. وهو ما يعني خطوة الى الأمام على الأقل». ترجمة: مريم جمعة فرج عن «غارديان» بقلم: غليز تريمليت

طباعة Email
تعليقات

تعليقات