كتاب ـ جرترودبيل ـ يوميات الجزيرة العربية (3) ـ الحكومة العثمانية تخلي مسئوليتها والإنجليز ينفضون أيديهم، مغامرة خارجة على القانون تعبر الرمال وصولاً إلى صحراء النفوذ

الاحد 29 رجب 1423 هـ الموافق 6 أكتوبر 2002 لم يمض وقت طويل حتى تلقت جرترود رسائل ديك الذي لقي مصرعه في جاليبولي. ولاسدال الستار على ذلك الفصل في حياتها تأكد لها انه من الضروري ايجاد وسيلة كي تنسى الماضي.في نوفمبر عام 1915 تم تعيينها في المكتب العربي في القاهرة، وهي وكالها تم تأسيسها لجمع وتوزيع المعلومات الاستخبارية عن الشرق الاوسط. وفي غضون ذلك كانت القوات البريطانية تحارب على جبهتين صحراويتين، وقد تزعزعت خطوط الاتصالات على جبهة دجلة من قبل عشائر آل رشيد وتعرضت للتهديد أيضاً على جهة قناة السويس حيث كانت القوات التركية مكونة من مجندين عرب. في مارس 1916 ونتيجة لتدخل لورانس انضمت لهيئة موظفي السير بيرسي كوكس المسئول السياسي الاول في العراق. وفي العام نفسه اصبحت سكرتيرة كوكس للشئون الآسيوية، وهي اول امرأة تعمل في خدمة التاج البريطاني. واصبح الشرق منزلها وموطنها الدائم لتصهر جاذبيتها العميقة للجمال الخشن، للارض واناسها، باهتمامها بالسياسة. وتبرز انشطة عدة تأثير بيل ونفوذها في العراق. ففي عام 1920 تم تأسيس اول مجلس عربي برئاسة نقيب جيلاني وحسب رأيها فإن ذلك كان نموذجاً لقدرتها على ممارسة سلطتها من خلال تقديم الاقتراحات. وفي صيف العام 1921 ساعدت على تنفيذ السياسة البريطانية عن طريق اقناع القبائل العربية بضرورة التصويت لفيصل رفيق لورانس في سنوات الحرب وعندما بات ملكاً للعراق وعد العرب بالحصول على الاستقلال. ثالثاً، بصفتها الصلة الاستخبارية بين بغداد ولندن، فقد كان صوتها هو الذي تحدث لحكومتها حول التطورات السياسية في العراق. وبأوامر من السير كوكس قامت بترسيم الحدود المتنازع عليها بين العراق والسعودية والكويت. واخيراً قامت بانشاء المتحف الوطني للآثار واختارت افضل القطع الاثرية من مواقع اثرية مختلفة وافتتح بعد الحرب العالمية الاولى ومنحت العراقيين سياقاً جديداً لفهم ماضيهم. وضم المتحف ايضاً مجموعتها الشخصية التي تضم آلافاً عدة من الكتب، وهي اداة لا تقدر بثمن من أجل اعمال البحث في الادب والتاريخ العربي. والواقع ان التاريخ ليس لطيفاً مع اولئك الذين تفشل تجاربهم وفي العام 1923 بدأت بيل بالتشكك في النوايا البريطانية في العراق. وكانت المشاعر القومية العربية اخذة في النمو في تلك الفترة. وباتت من حقائق الحياة في العراق. ولم يكن الملك يحظى بأي شعبية كما لم تول القبائل العربية اهتماماً كبيراً في المؤسسات الاجنبية. وبذلت بيل جهداً كبيراً لاقناع الوفود العراقية للموافقة على تصويت عصبة الامم على منح بريطانيا حق الانتداب على العراق. ولكن مملكة العراق لم تعمر طويلاً فقد سقط النظام الملكي على اثر انقلاب عسكري في العام 1958، ربما للافتقار إلى نموذج افضل للحكم. واستمر الحكم الملكي سبعة وثلاثين عاماً قبل ان يتقوض وسط ألسنة اللهب. لقد تجمعت الموضوعات الرئيسية في حياة جرترود وهي الانجذاب إلى رجال غير عاديين والمخاطر وحبها وعشقها للحاية السياسية ومواهبها الادبية الذكية في كتاب مذكراتها العربية. لم تسرد هذه المذكرات توقها للحرية الشخصية وتصميمها القوي في التغلب على العقبات بل تحيي إلى درجة غير عادية معبراً إلى العالم المجهول.ولو ان روح بيل ترفرف فوق أي مكان فلا شك انها قد تشعر بالراحة عندما تعلم ان كتابها حول الجزيرة العربية قد نشر في النهاية. يوميات دوتي ـ 1914 عدت اليوم إلى الصحراء واثناء توجهي مررت بمحطة (جيزة) زيزا توقفت وسألت ما اذا كانت رسائلك المفقودة قد وصلت هناك بمحض الصدفة. لكن لم توجد هناك اي رسالة وعبرت خط السكة الحديد الصيفي الذي يربطني هنا بالعالم الخارجي، قطعت ذلك الخط الضيق ومن الآن لن استطيع ان اسمع منك ولا من اي شخص آخر واكثر من ذلك هل تعلم أنني خارجة على القانون. لقد ابلغني السفير لويس موليت انني اذا مضيت في طريقي إلى نجد فإن حكومتي تغسل يديها مني وقد قدمت اخلاء مسئولية للدولة العثمانية قائلة انني سأواصل طريقي متحملة المخاطر ذاك هو الثمن الذي دفعته لانني احتجزت في الجيزة (زيزا). ونظراً لانني أسافر بدون حارس فإن الحماية البريطانية ليس لها قيمة كبيرة في هذه الاراضي الكاحلة. ولا اعتقد، اذا ما تعرضت للسلب وسرقت مني حوائجي الخاصة، ان ويلي تيريل سيسير جيشاً لاستعادة حاجياتي الشخصية. لم ابتعد كثيراً عن عمان حتى وصلت إلى مزرعة فيها بعض المسيحيين، وهي لا تبعد سوى 3 ساعات عن محطة جيزة إلى الشمال في ذاك المكان الذي احتجزت فيه وخرج جميع اصدقائي الذين عرفتهم قبل 9 سنوات لاستقبالي وقضيت الليل معهم. لقد كان مضيفي رجال عراض المناكب ضخام الاجسام وخشنو الاصوات مستعدين لتحدي جميع الصعاب التي تعترض طريقهم.في صبيحة اليوم التالي ارسلوا معي فارسين لرفقتي وعادا إلى المزرعة وأكملت طريقي حيث امضيت ساعتين قبل الوصول إلى مخيمي. وما إن جاء صباح اليوم التالي حتى بدأت الرحلة إلى نجد. 18 يناير امضينا يومين رائعين ونحن نغذ السير في اراضي شمر وبدأت حقيقة اجد متعة في الرحلة. ولابد ان اقول لك الآن ان الجزء الاول في الرحلة لم يرق لي سوى بصورة ضيئلة حتى انني كنت على وشك ان اعود. فهناك البرد الشديد القارس وغياب فتوح ويجتمع امر على آخر ليكون جبل من الآفات والشرور. لم اكن افعل شيئاً سوى التفكير بينما كانت عنياي تستديران دائماً إلى الخلف. ولكن بعد ان مضى يومان على الرحلة فصلت نفسي عن المدنية ولكنني شعرت انني القيت عن كاهلي كل الاعباء. ولم اعد افعل شيئاً الآن سوى النظر إلى الامام حتى الغد وحتى اليوم الذي يليه. وفوق كل شيء استمتع في كل لحظة وهي تمر ولابد ان توثق معرفتك بأعضاء الرحلة. وبداية هناك محمد المعراوي الكبير في السن رفيق السيد كاروثر. ففي شبابه كان يركب الخيل مع الرجاجيل من امثال محمد آل رشيد وفي الايام الأكثر حكمة كان يشتري ويبيع الجمال من نجد لكنه الآن يعيش سنوات عجافاً ويتقبل اية اعمال وضيعة يمكن ان تعرض عليه. وهو يعرف العرب في اي مكان حط فيه. الآباء والاجداد لجميع الشيوخ، الاصدقاء منهم والاعداء. وكانت حكاياته حول الحرب والمغامرات لا تنتهي سواء اثناء الركوب او الاستراحة حول موقد النار في الليل. وكان الشخص الثاني في القافلة سليم ابن شقيقه، الرجل الثاني الذي اعتمد عليه. كان يعتني بي ويساعد فتوح وهو ابن العاصمة. لقد كان خادماً ممتازاً، متعلماً وحسن السلوك. ويأتي بعده علي وهو شاب شجاع كالأسد وفي ساعات الخطر كان يبدو رابط الجأش لا ترتعش فرائصه. لم يغادرنا قط على عكس ثلاثة من العجيلات استأجرتهم لقيادة الجمال. كان هؤلاء مترددين في الذهاب معي او العودة. واخيراً قرروا العودة ولحسن الحظ فقد جاء شخص آخر هنا، وهو من دمشق وابن شقيق محمد وكان كنزاً فعلياً وهو سعيد وكان على رأس قيادة الجمال. ولم يبد عليه انه يبالي وقام بعمله كرجل. ومن ثم فقد كان هناك زنجي رافقني منذ البداية ويدعى فلاح. وبداية كان مسئولا عن الرعي فقط لكنه يعمل الآن في خيمة الرجال وهو دمث الاخلاق يحبه الجميع واخيراً هناك فتوح وهو البداية والنهاية لكل من معي وكانت عيناه تراقب الجميع على الرغم من انه لم يرفعهما عني. وفي الوقت الراهن لدينا رفيقان شيراري وهو لم اره كثيراً والضحاري وصياح وهو الاكثر عذوبة بين جميع رفاق السفر. فقد كانت لغة هؤلاء عذبة وواضحة وينتمي هؤلاء إلى قبيلة الصخور وكان هذا الاخير يوفر لي كل المعلومات حول القبائل. واخيراً حل برفقتنا الليلة الماضية ضيف شاب ينتمي إلى الصخور وهو ابن عم هثمل الذي نحن بصدد الذهاب اليه وانضم الينا هو وعبد له واقام معنا الليلة الماضية. وابدى رغبة قوية في صحبتنا حتى نهاية العالم. وفي صبيحة اليوم التالي مضى لحاله. واليوم عبرنا منطقة تفصل البحر الميت عن مياه سرحان. وهي منطقة صخرية كانت تمتليء بالنوق وهي ترعي وتملكها قبيلتا الجبور والصخور ووصلنا إلى وادي جداف وإلى القصر الاموي في طوبة الذي التقطت له صوراً كثيرة. وتناولت اول طعام لي في الهواء الطلق. خيمنا في الواقع داخل اطلال القصر واليوم نحن في ضيافة الملوك وشعرت بالفرحة كوني متلقية لهذا الكرم. بعد ثلاثة ايام غيرنا طريقنا لانه على ما يبدو ان هذه البقعة في البلاد لا تتلقى اي مطر وقررنا ان هثمال لابد انه تحرك شرفاً وخشيناً اننا لو تحركنا إلى مضاربة في هلبة الا يكون هناك والا نجده ولا شك اننا سنقاسي لو ابتعدنا عن آبار مياه الهوسة دائمة المياه، خاصة واننا بدأنا منذ الليلة نشعر ان مياه الشرب بدأت تنضب ولا مياه دائمة طوال العام سوى مياه الهوسة. واحمد الله اننا تخلصنا من هضبة تمتليء بحجارة الصوان. ونظرت عبر منظاري المكبر ورأيت جروف ثور الطبيق إلى الجنوب (جبل طبيق) وانحدرنا إلى واد فسيح وانطلقنا نحو الجنوب الشرقي. ورأينا على الرمال آثاراً لجمال وعرفنا ان العرب لابد انهم من حولنا وقال: «الليلة سوف نسمع كلامهم». ويبنما لم نعرف من هؤلاء فعلاً قمنا بالاتجاه إلى كتف الوادي وعسكرنا في منخفض من الارض بحيث لا يرى احد نيران موقدنا وعندما استقربنا الحال صعدت انا وعلى وصياح إلى هضبة مجاورة لاستطلاع المناطق المحيطة بنا ودفعتنا الجرأة إلى صعود مرتفع اعلى حيث اطل على مشهد عظيم. في الاسفل كانت تقع منحدرات رملية في منخفض «الجارة» ويتفرع إلى الجنوب والغرب فيما تتناثر التلال والجروف المتفتتة وكانت الرمال التي تتقاذفها الرياح تصعد إلى سفوحها. واخذت اتعجب عن الاسباب التي تجعل الانسان يعجب ويمتليء قلبه بالسرور لرؤية هذه المشاهد. وتبقى الحقيقة ان الانسان يسر لهذه المشاهد. فلو كنت هنا لاعجبت بهذا المشهد مثلي تماما. في اليوم التالي ما لبث صياح ان صرخ على علي: «يا علي هناك دخان». وما ان قطعنا شوطاً حتى قال احد سائقي الجمال: «حظها حلو» وشمت الجمال رطوبة الارض وما لبثت ان عثرت على الماء حتى ارتوت بينما تركنا الرجال يملؤون القرب الجلدية وما ان ارتوت الجمال حتى شرعنا انا ومحمد وعلي وصياح ثانية سعياً للعثور على مصدر النار. وانتهى بنا الامر إلى عدد قليل من الرعاة وتأكد لنا اننا وصلنا مراعي الحويطات وشعرنا ان مضاربهم لن تكون بعيدة عناً. وتقدم الينا الرعاة ليزفوا لنا النبأ والحقيقة ان الصخور كانوا قد اتجهوا شرقاً. اذن لن يكون باستطاعتنا رؤية هثمل ولاناسه. وجاءت مغادرتهم على عجل بعد حادث مؤسف ادى إلى مصرع احد رجال الحويطات ويبدو ان صياح احس بالقلق خاصة وانه ينتمي إلى الصخور. واتجهنا جنوباً حيث هناك احد شيوخ الحويطات ويدعى حارب وغطت السهل، بدءاً من الخبرة حيث ارتوت الجمال وسقينا، نباتات قصيرة وفي جهات كثيرة كانت خضراء. وكانت خضرتها التي لم تعتد عليها أعيننا لفترة طويلة مذهلة وبراقة وفشلنا في العثور على حارب في تلك الليلة، بل عثرنا فقط على آثار اقدام. في ذلك اليوم تحركت مضاربه لكن كان هناك بعض الحويطات بالجوار وقاموا بزيارتنا. وبالامس لحقنا بحارب ووجدناه يخيم في منطقة التلال. واستقبلنا بود وترحاب كبير حتى انه رحب بصياح على الرغم من ان ضيوفا من الضمور قاموا الليلة الماضية بمهاجمة مضارب الحويطات وقتلوا نحو 3 رجال وفقد احد رجالهم ولجأوا إلى هثمل. حدث كل ذلك ليس بعيدا عن المكان الذي خيمنا فيه. ونحر حارب خروفاً من اجلي وفي الليل كنا نتناول العشاء ووصل عندئذ ضيف آخر هو محمد ابوثايه ابن عم الشيخ «العود» وهو شخص يتسم بضخامة جسمه الصلب كالحجارة واوضح ما فيه عيناه الثاقبتان على نقيض شخصية البدوي نحيل الجسم. بدت عيناه قلقتان لا تعرفان الاستقرار وبداية تحلى بالادب الجم ولكن الحديث اتخذ منحى غريباً عما اذا كنت حصلت على اذن من الحكومة، ام لا وما اذا كان البدو يحبون رؤية الاجانب في ديرتهم. عند هذا الحد نهضت وتوجهت إلى سريري تاركة الأمر لمحمد المعراوي ليهديء الامور. وهو ما فعله بنجاح كبير. ولكن العرب انخرطوا في نزاع وصياح حول شأن يخصهم هم والقيت بنفسي في السرير وانا اصغي وكلي قلق وخشيت انهم يتعاركون مع صياح الرجل الطيب. ولكن هذا القلق تبدد في الصباح. فلم يكن ذاك الصياح سوى امر عادي على الرغم من الضجيج الهائل الذي كان يصدر عنهم في الليل.امضيت اليوم مع الشيخ حارب ولم يكن هناك ماء سوى تلك البركة اسفل منا وتبعد 3 ساعات سيراً وكان علينا ملء قربنا الجلدية قبل ان نواصل الطريق. وتحدثت إلى حارب وشربنا القهوة وتحدثنا ثانية والتقطنا صوراً وبدا النهار طويلاً ومنحت ريشاً وبيضة نعام كهدية. اريدك ان تعلم ان السمات التي تتطلبها الحاجة عند السفر بين العرب ليست الشجاعة بل الصبر وهو ما افتقر اليه كما تعلم. ولكنني تعلمت هذه السمة من قبل انتهاء هذه الرحلة وفي هذا الصباح تجمع رفيق جديد لنا والشيخ حارب وشقيقه وابن عمه ابوتايه، وهو الشخص نفسه الذي جلب لي بيضة النعامة، في خيمة الرجال وحذروني من ان الطريق محفوف بالمخاطر. غادر الحويطات الديرة وتوجهوا غرباً لقد كانت صحراء قاحلة ولكنها ملك للغزاة من امثال الهيثم والغجر والعطية. وكانت نصيحة الجميع ان اتجه شرقاً إلى وادي سرحان وبعدها شرقاً. ولو انني وافقت شقيق حارب فإن عواد سيراني آمنة وفي سلام في الوادي. واكثر من ذلك فإن رجالي كانوا يتوجسون ضيفة من الاتجاه على الطريق الجنوبي حتى علي لم يخف توجسه ولم لم اتبع تلك النصيحة لكان ذلك ضرباً في الجنون. انطلقنا اليوم مع شقيق حارب عواد كرفيق درب وسرنا فوق التلال الرملية ووصلنا إلى خيمة ابوتاية الضخمة. وعلمنا انه غير موجود لانه يقوم بغزو الشمر. ولكنني توقفت مدة نصف ساعة حيث شربت القهوة والتقطت بعض الصور لخيمته ونسائه خاصة شقيقته الحسناء علياء وتلقينا النبأ بأن قبيلة الروالة يخيمون في غرب سرحان. ولم يكن يعنيني نبأ أين يقيمون مضاربهم ولكن كان يعني ذلك الكثير بالنسبة لعواد لان اي رجل في الروالة سنلتقي به سيقوم بذبحه دون تردد ولو للحظة. وبات رفيقنا عديم الفائدة واسقط بأيدينا. واتجهنا إلى طريقنا وتناقشنا حول ما يمكننا عمله وفي النهاية ارسلناه إلى خيام محمد التي كانت قريبة منا حتى يرسل لنا بديلاً. وما لبث محمد ان جاءنا نفسه ومعه عواد وآخرون من بيت الشيخ وحملوا لي حملاً صغيراً مرقطاً بالابيض والاسود وكان علامة على الصداقة الحميمة لكنني لم اكن اتحمل فكرة نحره وفي الوقت ذاته لا يمكنني حمله مثل اوزة بايرون. كما جلبوا لي جلد نعامة جميلاً ملوناً بالابيض والاسود ايضاً. وكان يرغب محمد في البقاء حتى اليوم التالي لكنني آثرت الانطلاق لانني اقمت ما يكفي هنا. لم تكن تلك الايام التي قضيتها في مضارب الحويطات مضيعة للوقت. لقد تعلمت الكثير عن الصحراء وقاطنيها وكان محمد يحتفظ ببعض الظباء الصغيرة في خيمته، تلك المخلوقات الصغيرة والجميلة الفاتنة. وكان محمد يمثل قبيلته لدى الحكومة فهو شيخ «الذويلة» ويسلم ضريبة الجمال إلى قائمقام معان. لقد ادى خط السكة الحديد (خط الحجاز) إلى وصول الحكومة إلى كل القبائل. لكن قبيلة الروالة بقيت مستقلة، وسأرى هؤلاء عما قريب بدون ادنى شك في طريق العودة وكذلك نجد. وما ان حل الصباح حتى انطلقنا ثانية ومعنا رفيق جديد. ولا شك اننا كنا نبعد عن حائل مسيرة عشرين ليلة. تخطينا التلال ووصلنا إلى حافتها الجنوبية حيث تنحدر سريعاً لتصل إلى تلال صغيرة حمراء تبدو بلا نهاية وتتبعها امتدادات لا حدود لها من الرمال تنتشر امامنا بلا نهاية. وعند سفح جبل طبيق قمنا بضرب خيامنا وبدا النهار قصيراً. وعند العصر تسلقت تلالا رملية وكانت السماء مغطاة بالسحب وداكنة ولكن عن بعد كانت الكثبان الرملية الصفراء تتلألأ تحت وهج الشمس بينما تضفي التلال الحمراء لوناً ودفئاً على المشهد.وبدت مناطق مهجورة واعتقد ان احداً لن يستطيع العبور هنا والعودة كما اتى. ولم تكن تلك الامتدادات الصفراء صحراء بل كانت مليئة بالاعشاب. ففي هذا الفصل من السنة تزدهر بالنباتات وتصبح جنة بالنسبة للقبائل التي تقوم بنصب خيامها فيها، وهي ممتازة ايضاً بالنسبة لجمالنا وحملنا مياه لمسيرة ثلاثة ايام وشربنا ايضاً عند آبار حيزان (بئر حيزان). يبدو ان الامير ليس في حائل ولكنه يخيم إلى الشمال مع قطيعه من الجمال. وخشيت ان يكون ذلك متعباً بالنسبة لي وكنت اتمنى التعامل معه بدلا من التعامل مع وكيله وتشير التقارير ايضاً انه ابلغ جميع رجاله بأنني قادمة. ولا اعلم اكان ذلك للترحيب بي او لتوقيفي. لا اعلم ولم اعلم ايضاً ما اذا كان ذاك النبأ صحيحاً ام لا. 13 فبراير 1914 قطعنا مسيرة يومين في صحراء النفوذ ولانزال نخيم وسط رمالها. لا تزال الرحلة بطيئة صعودا وهبوطا عبر التلال الرملية، لكنني احببت ذلك. فالنباتات كانت ممتعة كما ان التلال الرملية كانت ممتعة أيضاً وعند انتصاف النهار امس وصلت إلى مرتفع وصعدت اليه بدون عناء شديد ومن القمة رأيت اول جبال نجد وعرنان وإلى الغرب ارتفعت التلال فوق تيماء وانتشرت من حول القفار الرملية. ولدى هبوطي علمت ان احد جمالي اصيب بمرض وانه تخلف مسيرة عشر دقائق. وعدت انا ومحمد والفتى الزنجي (فلاح) لنرى ما يمكننا عمله له ولكن ما ان وصلنا اليها حتى كان في النزع الاخير. وقال محمد «لقد مات». وقلت «هل ننحره لقد كان الافضل» ورفع سكينه قائلاً «بسم الله والله اكبر» وذبحه وطوال الطريق كانت الارض تمتلئ بآثار ابقار وحشية، وقد رأى الرفاق 3 بقرات لكنهم لم يقتربوا منها.واتجه الرفاق لرؤية من هناك وعادوا ومعهم عودة بن هبرون وهو شيخ العويجة. واعرب عن استعداده لصحبتنا وبدا شخصاً مستساغاً ومقبولاً.وصلنا مساء الى بئر، وهي من الآبار النادرة عند حافة النفوذ وتوجهت لرؤية السقاية. ولم تكن بئر حيزان سوى منخفض شديد محاط بالتلال الرملية شديدة الانحدار وكذلك فالبئر ذاتها عميقة جداً، وقال الرجال إنها من صنع الأولين بمعنى اجدادهم الاوائل وبالطبع فلم يكن اي بدوي اليوم يستطيع حفر مثل هذه البئر في الصخر وبناء جدار جاف من حولها.ولكن من يقول كم عمر هذه البئر؟ لا توجد هناك اية اثار دالة على تاريخها الا الرمال والحفرة السحيقة. ورأينا عدداً من العرب يسقون جمالهم وهم من قبيلة العنزة من عواجي كانوا يضربون خيامهم بالقرب منا. شاهدت هؤلاء العرب يعملون بجد كبير والتقطت لهم صوراً وتركوني دون ان يتحرشوا بي على الرغم من ان احدهم لم يشاهد اوروبياً من اي نوع. وبداية احتج واحد او اثنان منهم على التصوير ولكن الشمري في صحبتي طمأنهم وواصلت عملي بسلامة. ومضينا في مسيرتنا يومين اخرين عبر النفوذ لأنه قيل لنا ان الطريق هو الاكثر اماناً وقد امتلأت برغبة الا اتوقف الان الا بالقرب من حائل. كانت مسيرتي نحو جبل ميسمة الذي لا يبعد سوى مسيرة يوم عن ابن الرشيد. وكنت اود ان انتهي من هذه المغامرة بخاتمة مثمرة لأننا اصبحنا الان في رعاية الله وحفظه فقط. 16 فبراير 1914 عانيت من نوبة شديدة من الاكتئاب اليوم ونبع هذا الشعور من شكوكي العميقة ما اذا كانت كل تلك المعاناة والرحلة تستحق تلك المكابدة. وبدأت اتساءل ما هي الفائدة التي سأجنيها من كل ذلك ولا ادري ما هو العرض الذي سيقدمه آل رشيد لي عندما اصل، واشك ما إذا كانوا سيسمحون لي بالسفر الى بغداد فلم تعد لهم السلطة القوية التي كانوا يتمتعون بها فيما مضى.والطريق الى بغداد كانت مطروقة كثيراً فيما مضى. والحقيقة ان الرحلة الى نجد بمقياس اي فائدة حقيقية او اي اضافة حقيقية للمعرفة لم تكن لتضيف الشيء الكثير. وبدت تلوح لي الحقيقة بوضوح ان ذلك هو كل ما كنت استطيع تحقيقه. هناك طريقان لمرحلة مفيدة الى الجزيرة العربية. احداها هي طريقة «الصحراء العربية» اي معايشة الناس هنا والعيش مثلهم لشهور واعوام معهم. وبهذه الطريقة يمكنك تعلم شيء ما هنا. والواضح بالنسبة لي انني لم اكن استطيع القيام بذلك.اما الوسيلة الاخرى فهي طريقة ليخمان، اي ان تعبر هذه الفيافي وبيدك بوصلة من اجل رسم خارطة وليس لشيء اخر. والنتيجة الختامية هي كما اعتقد لابد انني اكثر نفعاً اذا ما عملت في وظيفة في بلدان اكثر مدنية حيث اعرف ما انا فاعلة، وكيف ادون تجربتي. ولو كان هناك اي شيء يستحق التسجيل فلن تجده او تصل اليه. والواقع ان كل مشاهداتي على الطريق سواء قابلنا قبيلة معادية او كان الطريق شحيحاً وليس فيه ماء أو اي شيء من هذا القبيل لم تكن تستحق العناء والذكر. بئران كما اشرت من قبل، وفي الحقيقة لا استطيع التفكير بأي شيء اخر. قبيل الغروب وقفت على قمة تلال رملية ورأيت اطراف الامطار وهي تغسل عرنان وتغادر جبل ميسمة. بعدها تسير الغيوم مسرعة فوق الرمال ومرة ثانية كانت الامطار تحيط بنا وتبللنا. ولم نعد نخاف الان من نقص الماء. 24 فبراير 1914 أصبحنا اليوم على مشارف حائل وكان من الممكن ان أواصل رحلتي ولكنني آثرت ارسال اثنين من رجالي في صبيحة اليوم الباكر وهما محمد وعلي وأقوم في هذه الاثناء بضرب خيامي خارج البلدة، ورغم الارهاق فإن اقامة مخيمي فوق جبل كان شيئاً جذاباً. تسلقت الصخور وعثرت على زهور في شقوق الصخور، وهو ليس بالشيء الكثير، ولكنه منظر أخاذ بالنسبة للعيون في هذه البقعة. وفي اليوم الثاني والعشرين وقعت أعيننا على أول قرية بعد «جيزة» وتبعد عنا مسيرة خمس أو ست ساعات وشاهدنا حقلاً أو حقلين من الذرة وبعض أشجار الأثيل في احد وديان النفوذ. وخرج الرجال شاهرين بنادقهم وهم يظنون اننا غزاة، ولكن عندما اكتشفوا اننا لسنا مصدر ايذاء أو ضرر عادوا ادراجهم وجلبوا لنا قربة جلدية مملوءة باللبن الممتاز.وبالامس مررنا بقريتين أخريين. ومن احداها كانت هناك أشجار الخوخ، كم كان مشهداً جميلاً وخلاباً! واليوم وصلنا الى مشهد جبل عجا الجرانيتي الداكن وحططنا رحالنا في سهل حائل. وكنت من مرتفع اشاهد أرض وأبراج وحدائق حائل والسفيلي وهي تنبسط أمامنا وكلها ذكرت في كتاب «الصحراء العربية» وأحسست كما لو انني كنت أقوم بنوع من الحج وأقوم بزيارة أماكن مقدسة. وكلما كنت أشاهد المزيد من هذه الاركان كنت أشعر بقيمة الانجاز الذي حققته في هذه المرحلة، ولكن أليس ممتعاً انه كان علينا ان نعبر أراضي نجد بتلك السهولة، كما لو اننا كنا نتنزه في البيكاديللي. 2 مارس 1914 استقبلت في حائل استقبالاً حافلاً وخرج العبيد يرحبون بي وجاءوا راكبين للقائي وطمأنوني ان ابراهيم وكيل الأمير مسرور جداً بزيارتي، والتففنا حول سور البلدة ودخلنا من البوابة الجنوبية وليس بعيداً من مدخل البوابة، مشينا الى فناء فسيح لمنزل بناء محمد بن رشيد لقضاء الصيف فيه.وفي هذا المكان تقع منطقة ضخمة كانت فيما مضى بساتين وحقول ذرة ولكنها الآن أصبحت متروكة بدون سقاية أو زراعة. استخدم الحجاج من فارس في الماضي هذا المكان للاقامة فيه وحط رحالهم.وما ان رحل عني الرجال للعناية بالجمال والاهتمام بالخيام حتى ظهرت سيدتان، كانت الأولى أرملة عجوزاً تدعى لولوة وهي ناظرة تتولى الاشراف على المنزل وتقيم في هذا المنزل مع عبدة تلازمها وابن الأخيرة. أما السيدة الاخرى فقد كانت مرحة وتعدى تركية وهي شركسية تخص محمد الرشيد وهي المحظية لديه. وأرسلت من القصر لاستقبالي واضفاء البهجة على قلبي، وهو واجب كانت تتقن القيام به، وعند العصر حضر ابراهيم (الوكيل) وكله أبهة وترتسم على وجهه ابتسامة عريضة، كان ذكياً ومتعلماً بصورة مبهرة وبقي معنا حتى صلاة العصر، وعندما خرج أبلغ محمد المعراوي استياء العلماء من وجودي هنا!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات