أفقه السياسي موجود وليس غائباً، شارون يريد استدامة السيطرة الاستعمارية اليهودية على الفلسطينيين

السبت 28 رجب 1423 هـ الموافق 5 أكتوبر 2002 المضمون: شارون لا يفتقر الى أفق سياسي، بل ان أفقه هو السيطرة التامة على الشعب الفلسطيني وفرض السيادة اليهودية الاستعمارية عليه. نعم لحصار المقاطعة، لا لحصار المقاطعة، نعم لعملية في نابلس، لا لعملية في نابلس - كل المداولات العقيمة هذه تأتي بدل البحث الذي ينبغي ان يجري هنا. فليس صحيحا ان ليس لرئيس الوزراء أفق سياسي. فلديه مثل هذا الأفق بالتأكيد. ولكنه ببساطة لا يتضمن ما يقصده الكثيرون عندما يستخدمون هذا التعبير المتآكل.الأفق السياسي لشارون وعصبته واضح. وهو يقوم على أساس مفهوم متخلف بعض الشيء للمبدأ الحديدي لجابوتنسكي. العرب معنيون باندثارنا. وهم يشخصون كل ضعف اسرائيلي كشق في البوابة التي يمكن دفع قدم أو اثنتين عبرها. ولا يجوز لاسرائيل بالتالي السماح بأي شق، أو أي نافذة فرص. واللغة الوحيدة التي ينطق بها في الشرق الاوسط هي لغة القوة. وعلى اسرائيل ان تستخدمها باستمرار، خشية ان تفقد «قوة الردع». وقوة الردع ليست هدفا محددا، بل مثابة جوهر مستقل، مسار يتطلب تضحيات لا نهاية لها. فرض الرعب والذل والسيادة - ليست هذه تعبيرا عن ضعف في الشخصية، بل أدوات مدروسة وموثوقة للبقاء. الهجمات على ياسر عرفات، مثلا، لا ترمي الى تحقيق أي هدف ملموس، بل الى اهانته ومن خلاله اهانة الشعب الفلسطيني. ينبغي الامتناع عن طرده، وبالذات لانه لا يزال له قيمة رمزية. وعندما يصبح تافها تماما، عندما يفهم الشعب الفلسطيني ان محاولة إنماء قيادة مستقلة ومعارضة لاسرائيل فشلت فشلا ذريعا، عندها فقط يصبح ممكنا رميه كأداة لا حاجة لها. الأحلام الفلسطينية خطيرة، اذ انها مهما كانت ضعيفة في هذه اللحظة، الا ان من شأنها ان تمنحهم القوة. وعليه فان مهمة اسرائيل هي دفع الفلسطينيين للتخلي عن أحلامهم، والوصول الى اليأس المطلق. وعندها فقط يكون بوسع اسرائيل ان تشعر بالأمان في ظل شارون. والتنازل المطلق عن كل تطلع أهم بكثير من الاراضي ومن الدبابات. فمعناه ان الفلسطينيين وافقوا أخيرا على السيادة الاسرائيلية. عندها يمكنهم ان يحبوا أسيادهم، ذلك لاننا سنكون أسيادا طيبين. عندما يتنازلون عن تطلعاتهم الوطنية - لاننا نضربهم، لاننا نجزيء ارضهم بوافر المستوطنات، لاننا نصفي كل قياداتهم ولأنهم سيكونون متعلقين بنا تعلقا تاما - عندها يمكننا ان نظهر الجانب الانساني عندنا، وان نرمم لهم المدارس وآبار المياه ونمنحهم تصاريح العمل في مدننا. مفاجيء مدى قوة هذا الأفق السياسي في المجتمع الاسرائيلي. فهو ينسجم مع المفهوم الكامن فيه والذي يقول ان الضحايا هم جزء من جوهرنا، ففي كل جيل يقومون ضدنا لابادتنا. هذه النبوءة بالطبع تجسد نفسها. سياسة استغلال وسلب وعنف تثير ردود الفعل العنيفة التي تبرر العنف المضاد وتعزز شعورنا بالاضطهاد. وميزة هذه السياسة هي انها بغير حاجة الى الوثائق والمخططات المفصلة. ينبغي الاستمرار بما نحن عليه - ولشارون دور مهم في هذه المحن - ولسنوات طويلة: الانطلاق في عمليات رد لا داعي لها للاحباط الممركز والاستيطان بكل قوة، والاعتذار عن الخلل في العمل والاستمرار، والتشخيص لكل استعداد للحلول الوسط مع الضعف ومع الانعدام للوطنية، التخطيط والتنفيذ لحملات صنوبر كبرى وصنوبر صغرى - غابات بأكملها. ان الفشل في هذا المفهوم السياسي مزدوج. فهو يتجاهل تجاهلا تاما التطورات العالمية. وحتى بعد ان يضرب الاميركيون أو لا يضربون العراق فلن يتغير اتجاه التاريخ. فمن يرغب في الانخراط في كتلة الدول الديمقراطية لا يمكنه ان يواصل كونه استعماريا. صحيح ان الاوروبيين كانوا استعماريين سيئين. ولكن هذا كان ذات مرة. في التاريخ، على حد تعبير سبيرو أجنيو «أبناء الزنى يغيرون القواعد ولا يبلغون أحدا بها». واذا صرنا دولة كما يشاء شارون فسيكون لنا فائدة للاميركيين، ولكن يجدر فحص ما حصل لمصير الحلفاء المهزوزين للولايات المتحدة: عندما أنهوا دورهم ظهروا غير جديرين لتناول الطعام مع الضيوف الكرام وردوا على أعقابهم الى منازلهم. ما كنت لأثق بمحبة اسرائيل لدى عائلة بوش. الاخفاق الثاني هو الافتراض بأن النسغ الاجتماعي في اسرائيل سيواصل البقاء ثابتا حتى عندما تواصل صورة اسرائيل الاخلاقية ووضعها الاقتصادي بالتدهور. وما يشجع هذا الوهم هو العناد الاسرائيلي في وجه العنف. العنف من الخارج لن يحطمنا، ولكن الابتعاد عن العالم الديمقراطي الذي نرغب في الانتماء اليه سيدفعنا الى الانهيار من الداخل. فلا تفاجأوا: فمع شارون هكذا هو الحال دوما - نبدأ بالصنوبر ونبقى مع الهباء المنثور. بقلم: افيعاد كلاينبرغ عن « هآرتس »

طباعة Email
تعليقات

تعليقات