كتاب ـ جرترودبيل ـ يوميات الجزيرة العربية (2) ـ جيرترود تبدأ أولى مغامراتها في أعماق الجزيرة العربية، أسيرة حائل تقطع رحلتها وتعود لبغداد بوسام ذهبي

السبت 28 رجب 1423 هـ الموافق 5 أكتوبر 2002 كانت برودة الطبع جزءا لا يتجزأ من الثقافة البريطانية الأدواردية لفترة ما قبل الحرب العالمية الاولى وفي الحقيقة فقد كانت تتجه جرترود الى عالم تكتنفه الحرب القبلية ومكان تجرأت على الدخول اليه حفنة من الغربيين وحدث ذلك فقط عندما كانت المهام المهمة تفرض عليهم ذلك. الحرب القبلية المتأججة في نجد كانت حربا بالنيابة تخوضها قبيلتان رئيسيتان نيابة عن تركيا وبريطانيا في العام 1913. وكانت تركيا تخلت منذ امد بعيد عن هيمنتها على نجد، واحد الاسباب لذلك كانت المناوشات الدائمة بين البدو للهيمنة على المنطقة. ونجحت عائلة آل سعود في بسط نفوذها على أجزاء واسعة من المنطقة في ثلاثينيات القرن التاسع عشر ونجح آل سعود في تأسيس عاصمة دولتهم في الرياض. في الوقت الذي طلب من بيل اختراق نجد كان آل سعود قد سيطروا على الجزيرة العربية وهرع الكابتن وليم شكسبير من قاعدته في الكويت الى الرياض لمناقشة مضاعفة الدعم البريطاني. وكان يأمل في الحيلولة دون اندلاع حرب قبلية واسعة. وما يدعو الى السخرية ان شكسبير قتل بعد 15 شهرا خلال معركة كان يخوضها فرسان آل سعود. وفي خريف العام 1913 كان الوقت عصيبا بالنسبة لامرأة حزمت امتعتها واستعدت الى رحلة لعبور اعماق الجزيرة العربية. والحقيقة ان الليدي آن بلنت كانت المرأة الوحيدة التي قامت بزيارة حائل قبل بيل بثلاثين سنة. وكانت قد جاءت الى الجزيرة العربية لشراء خيول عربية. وكان تشارلز دوتي عم ديك دوتي العالم الجيولوجي قد غادر دمشق في اوائل سبعينيات القرن التاسع عشر في قافلة حج في جولة استغرقت عامين بين سوريا وصحراء الجزيرة العربية وقام خلالها بزيارتين لحائل وكتبت الليدي بلنت ودوتي عن تجربتهما في الجزيرة العربية وعكفت بيل على قراءتهما بالحماس نفسه الذي اظهرته في استطلاع الاثار الاسلامية القديمة. واتسم كتاب دوتي «الصحراء العربية» بالاسلوب الغريب ووصف تي اي لورانس اللغة بأنها «شديدة جدا في كلماتها وجملها حتى انها ارادت قارئا نزيها» اما بالنسبة لبيل فقد تحول الكتاب الى مصدر لايحاءاتها ومرشدا، وفي احدى الفقرات لم يكن دوتي واثقا في انه سيلقى الترحيب المناسب. ويقول في هذه الفقرة «جلست.. في وسط حائل.. وفي غضون ذلك كانوا يتناقشون ربما حول حياتي هناك وراء الجدران الطينية للحصن». وافترضت الليدي بلنت انها وزوجها سيحظيان بالاحترام المناسب بسبب وضعهما المرموق وانتمائهما لطبقة نبيلة بريطانية. ولكن بعد سوء فهم صغير مع حاكم حائل لاحظت في كتابها «الحج الى نجد» انه «كان درسا وتحذيرا، درسا بأننا ـ الاوروبيين ـ لا نزال بين الاسيويين وهو تحذير بأن حائل لاتزال عرينا للاسود، على اننا لحسن الحظ كلنا اصدقاء للاسود». جرترود بيل من جهتها لم تعترف قط بأنها تخشى من أي اسد. رهينة في حائل اكتست دمشق بحلة الخريف وبدت بلون واحد واستدعت بيل اصدقاءها وتجولت في اسواق المدينة لشراء اغراضها ولابتياع الجمال من اجل الرحلة المهمة. لقد كان تنظيم القافلة فناً بحد ذاته وعرضا مكلفا ايضا. ونصحت جرترود باصطحاب 16 جملا في رحلتها وكان الجمل الواحد يكلف 16 جنيها استرلينيا بما في ذلك المحمل وكان لابد ان تحسب انها بحاجة الى الطعام وخصصت 50 جنيها استرلينيا لذلك و50 جنيها للهدايا مثل العباءات والكوفيات والقماش القطني. كانت القافلة صغيرة بالمقارنة مع قوافل التقليديين او قوافل الحجاج، وحزمت بيل ايضا وسط حاجات السفر طقما من الصحون ومشغولات فضية واقمشة كتانية وأعمال شكبير الكاملة وكتبا اخرى. وحملت معها ايضا خيمة ومغطسا للاستحمام وعدستي تصوير ومنظارا ومساحيق تجميل وادوية لكل الحالات الطارئة وحملت معها كرسيا يمكن طيه ومقعدا ومسدسات واجهزة مسح زودتها بها الجمعية الجغرافية الملكية. كان هناك عنصران حيويان لنجاح اي رحلة استطلاعية. اولهما وجود قائد للقافلة وطاقمه. واحتاجت جرترود بيل لاستئجار نحو سبعة رجال، ولسوء الحظ فان خادمها فتوح الذي جاء من حلب لاصطحابها في الصحراء اصيب بالحمى، وخشية التأجيل قررت ان تغادر بدونه على ان تلقاه لاحقا في عمان. وانتهى بحث بيل عن مرشد ذي خبرة بعشاء في احد مطاعم دمشق في اوائل ديسمبر عندما التقت برجل يدعى محمد المعراوي واستأجرته. وجاء محملا بأرفع التوصيات وأكثر من ذلك فقد كان يعرف أمير آل رشيد التي كانت تأمل ان تلتقيه. واصبح المعراوي جزءا حيويا من طاقمها باعتباره قائدا للقافلة. وتأكد من ان الرجال يعرفون اتيكيت الشرطة الشخصية وادب السلوك والمجاملة عند البدو وكانت لديه كل اصناف الخبرة في مواجهة المخاطر وقاد القافلة على دروب الصحراء الرملية، واراضي الحماد في البادية السورية وصحراء النفوذ التي لم توضع لها اي خرائط والحواجز الجبلية المكونة من الكثبان الرملية الحمراء العالية التي يصعب المرور عبرها وهي التي تفصل نجد عن سوريا. والماء كان يوازي ذلك اهمية لبقاء القافلة على قيد الحياة والحقيقة ان صحراء نجد، مقارنة ببيئة جنوب سوريا ذات البيئة المعتدلة، لم تكن تنبئ بوجود اي مياه او خضرة باستثناء تلك الاعشاب التي تنمو بعد هطول الامطار وبالكاد توجد اي تجمعات بشرية حيث يمكن العثور على الغذاء والعلف. ومن الارث الذي خلفه الرومان في سوريا التي كانت تابعة للامبراطورية الرومانية تلك الحصون العسكرية عند مصادر المياه المهمة في الصحراء. وحتى وان كانت اثار متفتتة فانها لا تزال تقوم بوظيفتها كمراكز للتجمع لأي شخص يعاني العطش، وتمثل طرق القوافل سلسلة مترابطة من الطرق التي تربط بئرا بالبئر الذي يليه على الدرب وهي نسخ مبكرة للطرق الرئيسية المعاصرة، ومع الاتجاه لمسافات ابعد جنوبا تنتهي تلك الدروب الى لا شيء او الى العدم. وأخذا بالاشاعات المتناقضة حول حالة الحرب القبلية قررت بيل الخروج من دمشق في صبيحة يوم الثلاثاء السادس عشر من ديسمبر العام 1913. ووضعت اخر رسائل ديك دوتي في سلتها. وحتى وان احرق جميع رسائلها فانها اثرت الاحتفاظ برسائله. يتساءل دوتي في احدى رسائله «يا ليتنا نكون رجلا وامرأة كما خلقنا الله ونكون سعداء، اعلم ما تشعرين به وماذا ستفعلين ولماذا لا تفعلين ولكنك مع ذلك لا تزالين لا تعلمين وفي ذاك الطريق يكمن شيء عظيم ورائع، ولكن بالنسبة لك فان ذلك يشكل كل انواع المخاطر». وما ان خرجت من دمشق للقاء مجموعتها عند نقطة الانطلاق رأت «المشمش ملفوفا بالورق الذهبي والذرة يخرج من بين الاكمام الورقية الخضراء تحت اشجار الزيتون الوارفة الظلال بينما المزارعون يجنون موسم الزيتون». كانت الايام الاولى للرحلة الشتوية مضطربة. وغذت القافلة سيرها على طول الارض البركانية الباردة ونادرا ما التقت بأي انسان او شيء يتنفس. ولكن سماع حركة او رؤية سحابة دخان عند خط الافق كان سببا لاثارة الاهتمام او القلق اذ ان اي عابر للصحراء يخشى الآخر. وعزز توقعها طلق ناري مر من فوق رأسها في صبيحة ذات يوم وجاء رجل ممتطيا فرسا من وراء كثب رملي ودار حول فريقها وكأنه رجل مسه جنون، مجردا سيفه من غمده محاولا ان يسلب رجالها من مسدساتهم وذخيرتهم. ولولا ظهور اثنين من الشيوخ الودودين لكانت عادت ادراجها من حيث اتت. وافادت هذه البداية التي كان طالعها السوء فقط كتذكير بأن البدو ورغم كل التزامهم بقواعد النبل والشرف ينشأون وهم يعتبرون ان الغزو هو نشاط طبيعي. لكن في العموم فان الفضل يعود الى توظيف وسطاء قبليين جعلوا المسافرين يأمنون الكمائن او حتى القتل. وتابعت القافلة سيرها في منتصف ديسمبر تحت المطر والضباب. وأمضت المجموعة مساء اعياد الميلاد في حلقة مهجورة وهي قصر بوركو وهو موقع مجهول يمكن ان تكون اثاره رومانية، وتحولت الآن الى ركام من الصخور الداكنة المصطفة على طول حافة حفرة مائية، وكانت تلك الليلة ذات جمال خاص، فضوء النجوم يغسل اثار برج داكن ويحوله الى مصدر لراحة النفس وكان مخيمها يلفه الهدوء. وفي صبيحة اليوم التالي نهضت بيل باكرا دون اسف على ضياع فرصة الاحتفال بعيد الميلاد في موطنها وطفقت تتجول بين الاثار وتقيس وتصور. بدأ العام الجديد بتوجسات جديدة، استدارت نحو الشرق حيث تقع محطة زازا لسكة حديد الحجاز، حيث خططت للقاء فتوح. وأملت ان تتجنب الالتقاء بالجنود الاتراك يقومون بدوريات في المنطقة وكان موقف البدو تجاه الاجانب وديا بصورة عامة اذا كانوا بصحبة ادلاء او مرشدين ولكن لم يكن المسئولون الاتراك ليوافقوا على مرورهم دون تحقيق. في المقام الأول كان السلطان زعيما دينيا لكل المسلمين. ولم يكن الاتراك يسهلون النفاذ والمرور عبر الاقاليم الصحراوية. وكان الحاكم العام للمدن المستقرة يتمتع بامتياز حرمان المسافرين من أي حق في المرور، واما بيل فقد كانت كلها أمل بأن تزحزح اي احد عن موقفه اذا ألح في طلبه ان يرى اوراقا لا تحملها او ليست بحيازتها ولسوء الحظ، فلدى عودتها الى مخيمها بعد ان احضرت فتوح وجدت ثلاثة جنود في انتظارهما وما لبثت ان احصت عددا اخر من الجنود الخيالة الذين كانوا يتجهون اليها. كان مشهدا محيرا فقد طارت البرقيات الى اسطنبول فيما يخص المرأة الاجنبية. وتعامل معها المسئولون الاتراك المحليون برفق وهم لا يعلمون ما اذا كانوا سيرجعونها من حيث اتت ام يسمحون لها بمواصلة طريقها. واما هي فقد كانت واثقة انه لو غادرت بدون ان يؤذن لها فان الجنود الاتراك لن يوغلوا وراءها عندما تواصل السير في عمق الصحراء. وفي عصر ذات اليوم وخلال فترة توقف حضرت بيل عرسا وشاهدت وكلها دهشة الضيفات يرتدين الالبسة المزركشة ويرقصن على انغام الموسيقى التي كانت تصدر عن جهاز الاوكورديون بينما كان اخر يقيس الوقت بحركات نظامية مستخدما عصاتين. بعد ذلك اخذت الى بيت اخر حيث كانت العروس مغطاة وبقيت قابعة في الداخل بعيدا عن الاحتفالات اذ حسب العادات فان العروس لم تكن لتظهر الا عندما يهبط الظلام. في تلك الليلة بالذات وقعت بيل وثيقة يتبرأ فيها كل شخص من مسئولية سلامتها وفي صبيحة اليوم التالي غادرت عمان وهي تشعر بأنها طليقة حرة. وكتبت تقول انها شعرت بالراحة لأنها اصبحت الآن خارج نطاق القانون. وكانت الصحراء تمتد امامها متثائبة وعلى امتداد البصر لا عوائق فيها لكنها تحمل في طياتها اشياء قد تثير الفزع في النفس. وفتحت بيل دفتر ملاحظاتها، وهي غير قادرة حينها على الاتصال بدوتي وبيلي وبعد ان بعثت برسائلها الاخيرة الى بقية العالم، وبدأت ملاحظاتها اليومية الخاصة بديك عن الليالي المختلفة. واستخدمت ملاحظاتها اليومية المختصرة لانعاش ذاكرتها بأحداث الرحلة العادية وكأصوات طلقات الرصاص التي قد تعكس نوايا خبيثة لقبيلة معادية او شجيرة صحراوية مزهرة او بركة مليئة بالماء. او تصف له السماء الصافية ليلا والمتلألئة بالنجوم. وقد حولت هذه الصور الدقيقة الى حكايات ترقى لأعظم ما كتب في ادبيات الرحلات والسفر.في الليل وبعد نصب الخيام وربط الجمال وتناول طعام العشاء كانت تنضم الى الرجال فتجلس أمام نار تحضير القهوة لسماع الحكايات والسير الماضية عن المعارك او الاحداث المشهورة في التاريخ وقصص ابطال العرب الذين يقدمون صورة صادقة عن العرب. ولا شك ان بيل كانت تفضل صحبة الرجال اينما كانت. فقد كانت تقاسم اهتماماتهم وافكارهم ولم تدع ان النساء كن يلفتن انتباهها في العادة. ولا غرابة، في ضوء طبيعتها المغايرة، ان تنضم الى الحملة المناهضة لحق المرأة في الانتخابات في انجلترا. وفي الجزيرة العربية كانت تجلس لفترات طويلة في ركن الحريم البدو وهو المكان المخصص للنساء. وخلال الاسبوع الاخير من يناير عام 1914 عندما حلت ضيفة على مخيم عشيرة الحويطات سجلت بعض الاحاديث مع نساء العشيرة. واسرت اليها النساء بمشاق الحياة بعد ان لمسن فيها تعاطفا واذنا مصيغة لهن. فهن كن يعشن حياة الترحال ويتناولن وجبات طعام تقتصر في الغالب على التمر والحليب ويعانين من الجوع في ايام الشتاء القارصة وكانت مهامهن تقتصر على رفع الخيام ونصبها وملء الماء واعداد الطعام. ويجمعن روث الجمال لاستخدامها في اشعال النار ودائما يتحملن مشاق ومعاناة تربية الاولاد. وسجلت بيل بعضا من اللقطات للنساء للاحتفاظ بالصور في ارشيفها الخاص. وعلى الرغم من حقيقة ان صورها كانت بصورة عامة وصفية وليست مركبة كما يمكن ان يتوقع الانسان ازاء الوثائق المعدة بالمقام الاول لاغراض الاثار، الا انها كانت تمتلك عينين ثاقبتين للتكوين وامكانات جمالية لتفعيل الانسجام ما بين الابيض والاسود. وفي احدى صور حريم شيخ الحويطات في طور الطبق كان هناك توازن ما بين ألبسة النساء الداكنة وبقع الضياء ويقف ثقب في اقصى وسط الخيمة مقابل الاشرطة المنخفضة للنسيج الخاص بقطع الخيمة الداكنة. وكان على اليسار يتوارى رأس شيخ القبيلة وتظهر ثيابه المتطورة مختلفة عن زي الحريم ويقف الشيخ دافعا بعباءته جانبا ليكشف حزامه المشغول بالوانه الجميلة. وتظهر هذه الصورة الحياة الضيقة للمرأة البدوية. اما الشيخ فقد بدا غير مقيد بحدود عبر الابعاد الضئيلة للخيمة بينما تجلس النساء القرفصاء على جانب واحد يحملقن بالعدسة الى ما لا نهاية. مضى على بيل الآن ثلاثة اشهر وهي في رحلتها، ولا تزال تسجل مذكراتها اليومية حول الاراضي التي تعبرها والعشائر التي تلتقيها. ولا شك ان تلك الملاحظات كانت مهمة جدا بالنسبة للجغرافيين مسئولي الحكومة الذين لم يطأوا هذه الارض قط وقد ملأت مياه الامطار الحفر الارضية بالمياه على طول الطريق، وهو مشهد لابد انه فتنها وملأ قلبها سعادة. لكن بدلا من ذلك بدأ اكتئاب يحدق بروحها لانها شعرت بوحدة سريعة واحست في اعماقها بأن اللعبة لا تستحق تلك الجهود. ودعتها واقعيتها الى التفكير بأن اليأس في تلك اللحظات لم يكن فقط بدون جدوى بل خطرا ايضا. لو انها تلقت رسائل من ديك وواكبتها في الصحراء فلا شك ان مزاجها الكئيب كان تلاشى وارتفعت معنوياتها. لقد كتب لها ديك في نهاية ديسمبر يقول «لقد منحتني حياة جديدة لقد اعطيتني المفتاح الى قلب» على الرغم من ان لدي اصدقاء بعضهم من النساء وحتى زوجتي فقد خرجوا من الحديقة التي تجولنا فيها لقد تنبهت الى العالم وشعرت بالوحدة ولجأت الى الاحلام والفلسفة وعشق الموت الصامت». ووعد ديك بيل، وهو يتأمل اثناء وحدته، التي كان يقضيها عشية عيد رأس السنة مع والده في الريف، في خيالاته، ان «اجلس معك في خيمتك وعندما تجلسين على صهوة الجمل وترحلين سأترك قلبي بجوارك». في اواسط فبراير دخلت بيل ذلك الجزء المعزول وغير الوارد على الخريطة في منطقة النفوذ حيث قامت باجراء بعض القياسات الطبوغرافية المهمة، وعند الظهيرة في التاسع عشر من فبراير قررت حرف طريقها قليلا نحو الاتجاه الجنوبي الشرقي وعندئذ واجهت اول اختبار للتحمل وهي في مواجهة رياح عاتية. ورأت مشهدا مفزعا مجسدا بالعزلة وارض ايباب تتناثر فيها الصخور الداكنة وتنساب على جانب دربها. وصرخ احد الرجال قائلا «يا الهي ان هذه جهنم بعينها». ولعبت هذه الجغرافية الكابوسية دور المقدمة لاحتجازها في حائل والذي دام نحو احد عشر يوما. في الخامس والعشرين من فبراير قادها احد المضيفين ويدعى ابراهيم الى مساكن في العقد الصيفي عند السور الجنوبي للبلدة. ولم يتجاوز عمر الامير السادسة عشرة ويعد الحلقة الاخيرة الضعيفة في سلسلة من الامراء الذين لقوا حتهم. وكان غائبا في احدى حملات الغزو ضد جيرانه رفض ابراهيم تقديم اي تطمينات حول الموعد الذي يمكن للضيفة ان تغادر المكان فيه. ومضى اسبوع وكانت صديقاتها الوحيدات هن الحريم التي اصبحت واحدة منهن صديقة حميمة لها. كان اسمها تركية لانها تنحدر من اصول تركية، واتسم حديثها بنوعية قريبة الشبه بأحاديث شهرزاد، لقد روت وبمناسبات عدة قصة حياتها. لقد اختطفت عندما كانت صبية صغيرة وبيعت في سوق النخاسة وما لبث الحاكم ان زوجها من رجل طيب. وكان من مهامها ان تنقل الى فاطمة جدة الامير كل ما كان من الممكن ان تعرفه عن بيل. وبقيت تلك العجوز الغامضة مختبئة في مكان ما وسط الحريم ولكن جرترود شكت، كما شك احد العبيد ويدعى سعيد، بأنها كانت السلطة القوية وراء الأمير. في احدى الليالي الحالكة الظلام غادرت بيل برفقة العديد من العبيد عبر ازقة حائل الضيقة لزيارة القصر. واستقبلها ابراهيم في قاعة فسيحة تمتلئ بالسجاد وتتناثر فيها الارائك هنا وهناك. وكانت جرترود منشغلة بالاستمتاع في الاصغاء الى قصصه حول تأسيس امارة «آل رشيد» واخيرا وبعد تدخل اثنين من الزوار وتوصية تركية بها عند فاطمة ابلغها سعيد بأن قافلتها حرة في المغادرة. وما لبث ابراهيم ان قضى نحبه طعنا نجنجر فيما يبدو ان السبب هو خلاف بينه وبين فاطمة حول مصير السجينة. لقد بقي سؤال يعذبها وظل بدون اي اجابة: هل حياة بيل في خطر؟ في بغداد في نهاية مارس حزمت مذكراتها الخاصة بديك وبعثت بها اليه في اديس ابابا حيث كان يمثل بريطانيا في لجنة ترسيم الحدود الجنوبية لاثيوبيا. ورد على تلك المذكرات بحماس شديد فقال: «عزيزتي لقد قرأت مذكراتك عن الرحلة باهتمام شديد وبالطبع ستكتبين عن هذه الرحلة النادرة لانها تمثل بطولة عظيمة. بالنسبة لي فهي عمل رائع وتم تأديته بصورة ممتازة وتم التغلب على المصاعب والمخاطر». وعلى الرغم من مديح ديك فقد وجدت ان بقية الرحلة كانت مملة وتحملت الرحلة غربي بغداد بفارغ الصبر، وعندما وصلت في النهاية إلى دمشق في مايو لم تكن بعد واثقة من الانجازات التي حققتها بل كانت منهكة بالكامل. وحتى بعد ان نشدت الراحة في منزل صديقاتها ازعجتها احلام صور جمال مضطربة وهي تجري على غير هدى في الصحراء. نهاية الرحلة على الرغم من منح الجمعية الجغرافية الملكية البريطانية لبيل ميدالية ذهبية بسبب الانجازات التي حققتها فان اي معيار للنجاح في اي نوع من الرحلات كان ينطبق فقط على الرجال. ولم تكن هناك اي ميداليات مخصصة للنساء على أنهن بطلات. ولكن وفقا لأي معيار حازت بيل على هذا اللقب. فقد سافرت الى اماكن بعيدة ومعزولة ومجهولة وحافظت ظاهريا على اعصابها في لحظات حالكة وفي المواقف العصيبة. وحظيت باحترام فريقها وحصلت على معلومات حول الجزيرة العربية اثبتت انها ذات قيمة بالنسبة لبلادها في وقت الحرب. ومن الناحية الشخصية فقد ارضت حاجتها للعمل وتعرفت على دوافعها ومشاعرها. ولكن شيئا واحدا لم يتغير.. توقها واشتياقها لديك. ولدى عودتها الى انجلترا في يونيو العام 1914 وبينما كان الريف الانجليزي يغط في هدوئه الاخير، نحت مشروع وضع كتاب عن الجزيرة العربية جانبا وكان دوتي ويلي لايزال بعيدا في اديس ابابا. وكتب دوتي في احدى المناسبات يقول: «ماذا افعل لاراك تجلسين قبالتي في هذا البيت الذي تحيط به كله اجواء العزلة». لم يكن مفاجأة اندلاع الحرب في ذاك الخريف، وسألته «هل تعلم ماذا سيحدث في هذه الحرب؟ اعتقد انه ستحدث نكسة ولا اعتقد ايا من الطرفين المتحاربين سيفوز طريق مسدود، شجاعة عقيمة وجهد خاسر». لا شك فأن تشاؤمها كانت له مبرراته ففي اكتوبر من عام 1914 اجتاحت القوات الالمانية اراضي بفلاندرز وتم توجيه قوة استطلاعية بريطانية لعرقلة تقدم الالمان في ايبريس لكنها ابيدت بالكامل. وتراكم عدد المصابين على مراسي السفن وفي محطات القطارات في بولون حيث نشطت بيل وعدد اخر من متطوعي الصليب الاحمر الذين عملوا ليل نهار وهم يسجلون قوائم بأسماء الجرحى والموتى ويعدون تقارير لارسالها الى وزارة الحرب البريطانية. وبينما كانت زوجة ديك في فرنسا ايضا تقوم بتنظيم المستشفى العسكري كان هو يكتب الى بيل. في يناير 1915 تلقت بيل برقية تقول ان ديك سيغادر اديس ابابا ويتوقع ان يصل الى مرسيليا في التاسع من فبراير. لقد التقيا وافترقا فدوتي ويلي ذهب الى الحرب تلاحقه رسائل جرترود المترعة بمشاعر الاشتياق التي كتبت على خلفية الانباء المفزعة الاتية من جبهات القتال دون ان تلوح في الافق أية بوادر لنهايتها. كتبت جرترود يوم السابع من مارس 1915 تقول: اجلس مع وحدتي وحيدة معك ووحيدة على الرغم من ذلك، اجتاحتني هذه المشاعر كأمواج البحر. اغمر نفسي بتأثيراتها لفترة ولكني لا ألبث ان اطفو لأعوام على الذكريات وعلي اصداء جملة واصعد الى السطح لألتقط مشهدا عبر تلك اللحة المريرة ويعلق بصري بأرض فردوسية حيث اوقن انني سأفوز هناك وانني لا شك سأفوز، تلك الارض افكر وافكر بها ولا ادري ماذا سيكون مصيرها عندما اصل اليها.في التاسع من مارس 1915 كتبت بيل تقول وقد ملأها الشوق اليه «اه يا ديك ارجوك ان تكتب لي. اثق واؤمن انك ستكترث بي دعني اقف وقامتي منتصبة عندئذ سيغفرون لي ولك، كل اولئك الاناس الذين لهم صلة بنا سيغفرون لنا. ولكن انت من ينبغي ان يقول ذلك وينبغي ان تقولها الآن، ولست انا، اما انا فلن اقولها لأحد». ثم يوم العاشر من مارس 1915 خاطبته قائلة: «ابلغك اقدس واعمق اسرار حياتي، وهي ما تكشفت لي اخيرا بعشوائية، اصغ الي، اقول لك باجلال بأن الثمن لم يكن كبيرا بالنسبة لتلك الساعات التي قضيتها معك، نقول ان العاطفة المتأججة ستأكل نفسها. ستنام ولكن بين جوانحي سيخفق لك القلب. هو شعوري الحالي الذي اعيشه في كل لحظة. ثم في 12 مارس 1915 قالت له «لقد عشت ساعات عظيمة يمكنني ان اموت عليها وانا سعيدة ولكنك انت، لم تحصل على ما كنت تتمناه». وما لبث ديك ان اجابها على تلك الفورة العاطفية بما لا تتمنى: «اما بالنسبة للأمور التي ذكرتها عن المستقبل في اماكن بعيدة، فهي ضرب من الحلم، حلم امرأة لا غير، ينبغي ان نسير على طول الطريق، ان ذاك الجنون هو للشعراء والحالمين ليس لنا الا بما يقاس وفقا لاحلام المحبين. تلك امور لا يستطيع الانسان ان يتناولها بالجدل. فهي مشاعر تنمو كالليل ولا تلبث ان تغمرنا. واحسب انك لا تعجبين بمنطق الفلسفة او ان تكوني فيلسوفة، واعني ان اللذة هي اللذة وليس الخوف والشك والتردد ليست سوى طريق شائكة تقفز منها السعادة واللذة. جاءتها هذه الرسالة ردا على خطابها المفعم بالحيوية في الخامس عشر من ابريل ورجاها ان تكف عن تلك المشاعر المنغمسة بالاشتياق لأن روحه ستكون في ذاك العالم البعيد اشد حزنا. ولكن ما يثير السخرية ان زوجته هددت بطريقة مماثلة انها ستلجأ الى فورة المشاعر تلك ان هو غادر هذه الحياة.وفي العشرين من ابريل كتب لها يقول «غدا سأستقل سفينة انزال من الناحية السياسية، وحتى من الوجهة العسكرية، اعتقد ان هناك فرصا عديدة جدا، فاذا فشلنا ستكون هناك كارثة سياسية». وفي السادس والعشرين وبعد ان قاد كتيبة انزال على الشاطئ اصيب دوتي برصاصة في رأسه ولفظ انفاسه على الفور على مرتفعات مطلة على جاليبولي، ومنح وسام فكتوريا ولم تكن جرترود تعرف انها تكتب رسائلها للريح وواصلت الكتابة حتى تلقت نبأ مصرعه. تأليف: روزماري أوبريان

طباعة Email
تعليقات

تعليقات