الحيوانات الرعوية الكبيرة حافظت على التوازن البيئي في أوروبا

الجمعة 27 رجب 1423 هـ الموافق 4 أكتوبر 2002 في الحكايات الشعبية الأوروبية، توصف الغابة البدائية بأنها مكان مظلم وبغيض يعج بالذئاب وما هو اسوأ من ذلك. ويقول البعض ان خوف الانسان من الظلمة يعود الى المخاطر التي تكمن في عتمة هذه الغابة الكثيفة العالية، وهي ذكرى باقية من تلك الايام البعيدة، قبل حوالي 14 الف عام، عندما تراجعت الاغطية الجليدية وغطت الغابات الكثيفة الاراضي المنخفضة في اوروبا. غير ان هناك رجلا واحدا يتحدى هذه الصورة الراسخة منذ امد بعيد للتضاريس التي سكنها أجدار الاوروبيين الحاليين. وهو ليس عالما بيئيا بارزا في مجال الغابات، وانما هو موظف حكومي هولندي ثائر يدعى فرانز فيرا. فبعد تخرجه من الجامعة متخصصا في علم البيئة، كان فيرا متوجهاً لعمل استثنائي في مجال المحافظة على البيئة حتى جعله اكتشاف عرضي على في اراضي هولندية قاحلة فضوليا بما فيه الكفاية لكي يثير أسئلة خرقاء قادته الى اجابات ثورية. وفي كتابه الأخير «علم بيئة الرعي وتاريخ الغابة»، يزعم فيرا ان اوروبا ما بعد العصر الجليدي لم تكن مغطاة بالغابات الكثيفة وانما بشيء اكثر ملائمة للعيش، اي بمناظر طبيعية شبيهة بما نشاهده في المتنزهات العامة. وأقرب شبيه لها اليوم هو «مرعي الغابات» الذي يمثله في بريطانيا الغابة الجديدة في هامبشاير، وهي ارض صيد قديمة للملوك. وفي هذه الغابة، تنتصب اشجار البلوط القديمة وسط مساحات عشبية مكشوفة مزينة بأجمات متناثرة. ويقول فيرا ان البساتين والمساحات الخضراء المكشوفة الجذابة كانت هي السائدة قبل عشرة آلاف عام وليس الغابات المخيفة. نشطاء البيئة وإذا كان محقاً في قوله، فان هذا يعني ان نشطاء الحفاظ على البيئة يجب ألا يشعروا وكأنهم خونة للتضاريس الطبيعية الأصلية اثناء عملهم للحفاظ على المروج والسهول ومراعي الغابات، التي تحتضن تنوعا بيئيا أكبر بكثير مما تحتضنه الغابة المغلقة. واذا صح كلامه ايضا، فان الفضل في وجود تلك المساحات الكبيرة المتنوعة يعود الى الحيوانات الثديية الكبيرة الآكلة للعشب مثل أيائل الألكة وثيران الأرخص التي شقت طريقها في يوم من الايام الى اوروبا. ويقترح فيرا ان افضل وسيلة للحفاظ على هذه المناطق من الريف والمحافظة على التنوع البيئي تكمن في اعادة ادخال النظائر الحديثة الأقرب لتلك الحيوانات. لقد حظي كتاب فيرا بتقدير كبير في اوساط العلماء البيئيين الذين اعتبروه مقنعا وملهما لجهود المحافظة على البيئة الطبيعية. أما الاكتشاف الذي جاء بالصدفة وقلب الأمور رأساً على عقب بالنسبة لفيرا الذي كان يعمل على اقناع المزارعين بعدم الاتيان بأشياء قد تدمر الحياة البرية، فقد كان متمثلا في قدرة الطبيعة على احداث التوازن البيئي بنفسها دون تدخل من الانسان. والمثال على ذلك حدث في ارض مستنقعات مستصلحة تم تصريف المياه منها بصورة جزئية من أجل مشروع تطوير صناعي وتبين في آخر الأمر انها لا تصلح لهذا الغرض فتم هجرها. والكل توقع ان تتحول الارض تلك الى ارض قاحلة مهجورة لا تغطيها سوى الاعشاب. ولكن هذا التوقع لم يحدث. والأمر الذي حدث هو ان ألوف الاوز الرمادي، وهو نوع برى قريب من الاوز الداجن، احتشدت في الأرض السبخة لكي تطرح ريشها القديم. ولقد التهمت الكثير من الغطاء النباتي لدرجة انها ابقت على المستنقع مفتوحاً ومتحرراً من التشابك الذي يحدثه نبات القصب. ولم يكن هناك حاجة لمن يديرون هذه الأرض من البشر، فالاوز الرعوي قام بالعمل بنفسه. ويقول فيرا بهذا الخصوص: «كان هذا شيئا مثيرا للدهشة بحق. وقد علمنا انه في المناطق الشاسعة على الأقل، يمكن اعطاء الطبيعة استقلالية أكثر. ويمكننا ان نعود الى المناطق الطبيعية التي التهمتها الزراعة بدون أدنى خوف من ان تكون النتيجة سيطرة غطاء نباتي أحادي فقير بالتنوع البيئي». وبحسب تصور فيرا، فان بالامكان المحافظة على التوازن البيئي في اوروبا بدون تلك الجهود المحمومة وذلك القلق الشديد على مصير الغابات، وذلك عن طريق اعادة ادخال الحيوانات الرعوية الكبيرة الى الاراضي الأوروبية مع ما يرافق ذلك من ضرورة ادخال الحيوانات المفترسة التي تتغذى عليها. ولكن البعض يتخوف من عواقب ذلك بالقول ان التنزه في الغابات لن يكون أمناً بعد ذلك كما هو الحال الآن. ضرار عمير

طباعة Email
تعليقات

تعليقات