التعامل مع قضية العراق بمثل الطريقة السخيفة في المقاطعة عواقبه وخيمة

الاربعاء 25 رجب 1423 هـ الموافق 2 أكتوبر 2002 قبل أكثر من عامين بقليل، عندما أمر رئيس الوزراء باراك الجيش الاسرائيلي بالانسحاب من جنوب لبنان، كتب رئيس المعارضة، أرييل شارون، مساهمة كتابية في ملحق السبت في صحيفة «يديعوت احرونوت» اتخذت عنوان «بعيون مهانة». وقد انتقد شارون بشدة العجلة التي نفذ فيها الانسحاب. فأين الوعي بالردع تساءل. أين الحفاظ على كرامة اسرائيل. واحتج قائلا «اننا شعب التطرف. فمهانة وعار الأمس يصبحان بهذر الشفاه النصر الأعظم اليوم». ولكن ما يكتب من هناك، من كرسي رئيس المعارضة، يبدو مغايرا تماما من هنا، من كرسي رئيس الوزراء. فقد كان بوسع شارون ان يعرف مسبقا بأن المشهد في المقاطعة لن يكون مغايرا، من حيث الأجواء، عن الصور المحرجة التي رافقت انسحاب الجيش الاسرائيلي من لبنان. فقد كان يعرف، وعلى الرغم من ذلك قرر الامتناع عن مواجهة مع الرئيس بوش. وان يستوعب الاهانة وان ينثني. ومثل هذا القرار يحتاج الى شجاعة. وهذه تقف في صالحه. وللأسف الشديد، فانها النقطة الوحيدة التي تقف في صالحه في هذه القصة السيئة. فتسلسل قضية المقاطعة يبين علامات استفهام عظمى حول حكمة الحكومة ورئيسها. فقد بدأ كل شيء في العملية القاتلة لحماس في تل ابيب. وقد تميز شارون غضبا. وطالب برد قاس للغاية، شامل، وكان يفكر بقطاع غزة. أما الجيش الاسرائيلي الذي خشي من عملية متسرعة في غزة، ففضل عملية عديمة المخاطرة العسكرية في المقاطعة. وفي الدينامية الناشئة بين شارون وبين اليعازر وقادة أذرع الأمن، اعتبرت هذه العملية حلا وسطا. ولكن شارون لم يأخذ بالحسبان الضغط الذي تعيشه الادارة الاميركية. فالرئيس بوش لا يركز الآن الا على موضوع واحد: الهجوم على العراق. وقد اصطدم بمصاعب متنامية في تجنيد العالم الى جانبه. وما كان له ان يسلم بأي عملية من جانب اسرائيل، الدولة المرعية، تعرقل الحملة العراقية. ناهيك عن ان هذه العملية ـ التدمير الوحشي لمعقل سلطوي ـ تبث في كافة قنوات التلفزيون العالمية. ان العلاقات مع البيت الابيض هي مجال المسئولية الشخصية لشارون. كما انها انجازه الأكبر كرئيس للوزراء. والخطأ في فهم مدى الغضب في البيت الابيض يقع بكامله عليه هو نفسه.الدرس للمستقبل هو ان المفتاح لكل اتفاق في الشرق الاوسط موجود بيد بوش وفي يده فقط. لا حكومة اسرائيل ولا الكنيست ولا وسائل الاعلام الاسرائيلية، بل كبيرة واحدة في البيت الابيض، واسمها كونداليزا رايس. ربما أكثر من أي رئيس وزراء سبقه، يحذر شارون من المواجهة مع واشنطن. ومن المثير للاهتمام ان نرى ماذا يمكن لبوش ان يفعل في النفوذ الهائل الذي له هنا فيما لو أراد. الخطأ الثاني لشارون هو في فهم السياقات الداخلية في القيادة الفلسطينية. فبقدر ما كان هناك احتمال لحشر عرفات في الزاوية، وجعل شعبه والعالم يمله، فان هذا قطع بسبب الهدم في المقاطعة. فرجال الاستخبارات العسكرية الذين أعلموا شارون وبن اليعازر بالتقديرات القائلة ان الحصار على عرفات سيحث طرده، قد اخطأوا خطأ مهنيا جسيما. فقد ضللوا الرجلين. وقد أضيف الى ذلك مناورات ـ اهانة صبيانية «منع الفاصولياء مثلا» والتي كان يفترض بها ان تنزل المحاصرين على الركبتين، ولكن بدلا من ذلك حولت اسرائيل الى مثل وسخرية. فمكتب رئيس الوزراء كان أحد الأماكن الوحيدة في البلاد الذي اعتقد ان النتيجة ستكون ايجابية. وذلك الى ان التقى روبي كونداليزا.ينبغي التعلل بالأمل بأنه في العالم العربي، ولا سيما في المنظمات الفلسطينية، لا يفسر هذا الخضوع الاسرائيلي في المقاطعة كدليل على الضعف، ومن يشمت بالحكومة الاسرائيلية اليوم لا يفكر الا للمدى القصير.ان ادارة الحرب ليست عملا سهلا. فالمشاعر تطلب العمل. الشارع يطالب بالعمل. وأحيانا العقل السليم يطالب بالعمل. عدة مرات في الماضي طرح شارون اقتراحات شاملة من المشاعر وكبح جماحه في النقاش مع الجيش، أو في الحكومة. وكلما طال البحث هدأ شارون. وسياق الكبح الغريب هذا استخدم في قضية المقاطعة، ولكنه أعطى أكلا فاسدا. واذا ما اندلعت الحرب في العراق بالفعل، واذا ما هوجمت اسرائيل بالسلاح غير التقليدي، فان القرار الذي سيتعين على حكومة اسرائيل ان تتخذه ـ هل ترد، وبأي سلاح ـ سيكون في غاية الصعوبة. والويل لنا اذا ما اتخذ بذات الطريقة البائسة التي اتخذ بها قرار هدم المقاطعة. بقلم: ناحوم برنياع عن « يديعوت احرونوت»

تعليقات

تعليقات