كتاب ـ جرترودبيل ـ يوميات الجزيرة العربية (1) ـ «بنت الصحراء» تعشق تسلق الجبال الجليدية، «المس بيل» تترك للعالم 1600 رسالة وسبعة آلاف صورة نادرة - البيان

كتاب ـ جرترودبيل ـ يوميات الجزيرة العربية (1) ـ «بنت الصحراء» تعشق تسلق الجبال الجليدية، «المس بيل» تترك للعالم 1600 رسالة وسبعة آلاف صورة نادرة

الاربعاء 25 رجب 1423 هـ الموافق 2 أكتوبر 2002 وصفت جرترود بيل بأنها بنت الصحراء، وملكة العراق غير المتوجة فقد كانت امرأة من أكثر نساء عصرها نفوذاً في الامبراطورية البريطانية. فهي مغامرة، ومستعربة، وعالمة آثار، ومستشارة للملوك ورؤساء الوزراء، مقربة من السياسي المحنك ونستون تشرشل ورجل الدولة اللامع لويد جورج، والصديقة المخلصة لتي. إي لورانس (أو لورانس العرب) وجون فيلبي، والصديقة المفضلة لدى الكثير من القادة العرب. لقد كتبت جرترود بيل ذات مرة تقول: «لحظات الابتهاج قليلة، مثل تلك اللحظات التي تأتي وكأنما يقف الانسان على عتبة رحلة غامضة» لقد كانت «المس بيل» كما بقيت دائما تحب الترحال والسفر. ففي سويسرا كانت تتسلق ذرى القمم الجليدية، التي لم يسبق أن اقتحمها أحد من قبلها، وفي تركيا تزور المعالم الأثرية البعيدة، وفي بلاد مابين النهرين تدرس العربية وتتربع علي سنم الجمل عابرة الصحراء. وعرفها العرب بـ «بنت الصحراء» وفي الحرب العالمية الأولى كانت تعد مصدراً حيوياً للمعلومات بالنسبة للانجليز لقد رسمت خرائط لمناطق صحراوية غير مطروحة حددت خلالها معالم آبار المياه وخطوط السكك الحديدية. واكثر من ذلك فقد كانت تخمن من هو الصديق ومن هو العدو بالنسبة للبريطانيين، وفي الخلاصة فقد كانت المرأة الوحيدة التي جندت عميلة للاستخبارات في المكتب العربي في القاهرة. وظلت المعلومات المهمة التي تقدمها «المس بيل» عن العراق وايران مادة بالغة الاهمية خلال سنوات ما بعد الحرب. وعندما عين ونستون تشرشل وزيراً للمستعمرات في 1921 استدعى كبار مستشاريه في شئون الشرق الاوسط الى مؤتمر عقد في مصر لتحديد مستقبل بلاد الرافدين. ودعا للمؤتمر 39 رجلاً وامرأة واحدة هي «المس بيل» ولعبت دوراً رئيساً في رسم حدود العراق الجديد وفي اختيار حاكمها الأول، وهو الأمير فيصل وطوال سنوات كانت أقرب شخص إليه ومستشارة سياسية له، وهو المنصب الذي منحها لقب «ملكة العراق غير المتوجة». لقد كتبت في احدى المرات تقول «لا آبه للاقامة في لندن على الاطلاق فأنا احب بغداد والعراق بأسره انه عين الشرق، ويثير فيّ أحاسيس كثيرة كل الاحداث تقع هناك، إن كل أجوائه الرومانسية تلمس شغاف قلبي وتغمرني» ولدت جرترود مارجريت لوثيان بيل في الرابع عشر من يوليو 1868 في واشنطن هول في مقاطعة دورهام بانجلترا بدأت تعليمها في البيت بعدها اخذت تحضر في ليدي مارجريت هول واصبحت أول امرأة تحصل على رتبة الشرف الأولى، وامضت زمناً طويلاً تدرس الظواهر الاجتماعية في لندن ويوركشاير، وأخذت تطوف ارجاء أوروبا، وقامت بزيارة ايران، واستمرت رحلاتها في جولتين حول العالم بين العامين 1897 ـ 1898 والعامين 1902 ـ 1903 وكانت تعشق تسلق الجبال، واستغلت زيارتها لسويسرا في تحقيق تلك الهواية. وادت معرفتها بالمنطقة الى تقديم خدماتها للاستخبارات البريطانية خلال الحرب العالمية الثانية وخلال اقامتها في القدس في الفترة من 1899 الى 1900 تعلمت اللغة العربية، ودرست مواقع أثرية عربية عديدة، وشاركت في الحملة العسكرية البريطانية الاستطلاعية في البصرة وبغداد. وعندما واجهت المرض والوحدة قبيل غروب شمس عمرها تناولت جرعة قاتلة من اقراص منومة، ورحلت عن عالمنا في 12 يوليو 1926 في بغداد بالعراق. وبعد مرور عام على وفاتها نشرت رسائلها التي يصل اجماليها الى 1600 رسالة موجهة لوالديها وللصحافة. وقد احتفظت بهذه الرسائل طوال رحلاتها فضلاً عن اغراض متنوعة. كما التقطت نحو 7000 صورة خلال الفترة ما بين 1900 ـ 1918. وتعود اهمية الصور الخاصة بالمواقع الاثرية الى ان الآثار التي صورتها طرأ عليها منذ ذلك الحين بعض التغييرات، وبعضها اختفى الى الأبد. على الطريق في السادس عشر من يناير 1914 كانت حملة استطلاعية تتجه جنوبا من دمشق نحو الجزيرة العربية وتوقفت ليلا. وانتهزت جرترود بيل آخر شعاع للشمس، وجلست بجوار خيمتها، وبدأت في تسطير مذكرات خاصة بالميجور تشارلز هوتهام مونتاجو دوتي ويلي، وهو شخص متزوج تعلقت به عاطفياً. وفي صفحاتها رسمت صورة استثنائية وعجيبة لامرأة مستكشفة خلال رحلتها الأعظم. سيدة انجليزية عبرت حاجز النوع والقيود الاجتماعية للوصول الى قمة الشهرة في الشرق الأوسط. كما أنها احترفت علم الآثار، وأصبحت معلقة وخبيرة في الشئون العربية التركية. وغدت في عقد العشرينيات من القرن العشرين وزيرة مفوضة للشئون الشرقية لدى المندوب السامي البريطاني في بغداد. وفي اطار ذلك الدور تركت أثراً مهما في تشكيل العراق الحديث. لقد احبت جرترود السفر والترحال كثيراً وفي 1913 شرعت في رحلة صعبة وخطيرة الى نجد، وهي منطقة لم يكن لها وجود على خارطة المنطقة الشمالية من الجزيرة العربية. واعتقد انها الى حد ما قادرة على رسم مقاربات جديدة لواحة حائل، في جبل شمر، حيث ستقوم بإجراء لقاء مع حاكم المدينة. لو أنها نجحت لكانت ألفت كتاباً حول المنطقة لدى عودتها الى بريطانيا، لكن حافزاً شخصياً أقوى كان يكمن وراء تلك المذكرات والرسائل التي يضمها الكتاب الذي نناقشه هنا. لقد اصبح الشرق بالنسبة لجرترود ملاذاً وعشقاً، مفضلته على بريطانيا البرجوازية وعلى اسرتها وأصدقائها هناك. لقد عشقت الحرية وتاقت اليها في الجزيرة العربية. وسافرت عبر الصحارى لاستطلاع الشرق الغامض الذي كان مثيراً بالنسبة لكل اطفال العصر الفيكتوري من خلال اقاصيص ألف ليلة وليلة. لقد واكبها الحظ متمثلاً في قدرتها على الاستفادة من نماذج نساء فاتهن قطار الزواج في العصر الفيكتوري أولئك اللواتي استخدمن طاقتهن وذكاءهن لصياغة حياتهن المستقلة. لقد أمضت جرترود بيل سحابة عمرها في عالم الرجال، لكنها مع ذلك لم تفقد انوثتها واهتمامها بالملابس النسائية والاعتناء بحديقة منزلها. ولاشك انها كانت تتساءل عن احوال من يعيشون في حائل عندما ظهرت أخيراً وسطهم في شتاء 1914. ولاشك ايضا ان المحيط الذي ولدت فيه اسهم في بناء ثقتها بنفسها، ولابد أنها امتدحت جدها اسحق بيل لمكانته الرائعة في الساحة الاجتماعية. في سن السابعة لم تكن جرترود قادرة على بلورة مشاعر محدودة تجاه زوجة ابيها الباريسية فلورانس أوليف التي انضمت في عام 1877 الى بيت العائلة وكانت تتسم بالصرامة التي تحاكي شدة المشد الذي كانت ترتديه. ولم تكن امرأة جميلة، لكنها كانت متقدة فكريا، واعتزمت ان تغذي عقل تلك الطفلة جرترود بمفاهيم الواجب والعناية بالمظهر، خاصة بعد أن سمعت انها فوضوية. ولم يكن من العدل أبداً أن تشن حربا ضد فلورانس بيل بأن تتهمها بأنها زوجة أب يخلو قلبها من الرحمة. كما تصور ادبيات العصر الفيكتوري امرأة الأب. وتركت فلورانس بصفتها كاتبة قصص اطفال قامت بدراسة عن العمال في مصانع بيل تحت عنوان «في مجالات العمل»، أثراً عميقاً على حياة جرترود الأدبية، وفي حقيقة الأمر فإن فلورانس بيل حملت علامات الكفاح من أجل المرأة منذ بداية حياتها، ولكنها لم تكن تؤثر اصطلاح مناضلة من أجل حقوق المرأة وليس من المبالغة افتراض ان اهتمام جرترود بيل بتعلم المرأة العراقية في العشرينيات من القرن العشرين ينبع من الفترة التي كانت تصطحبها فيها زوجة أبيها في جولاتها في منازل عمال الحديد والصلب، حيث كانت تقوم بإجراء لقاءات مع زوجات العمال. وعندما لاحظت المتاعب التي يعاني منها أفراد الطبقة العاملة كانت تنظم المحاضرات المخصصة للتوعية الصحية ولأساليب ادارة المنزل، فضلاً عن موضوعات عديدة أخرى. في عام 1884 بعث والدها بها الى كوينز كوليج في لندن، ومن هناك كتبت رسالة تحبب لوالدها، الذي كان منشغلا بإدارة مشروعات بيل، واوضحت في رسائلها انها لم تخش اراء والدها، وبالمقابل كانت تعرب عن اشمئزازها من محاضرات زوجة أبيها الخاصة بسلوكها. في كامبردج خلال هذه الفترة كانت التغيرات تسير بخطى حثيثة في مجال تعليم المرأة. ومنذ أن فتحت كامبردج أبوابها للنساء في 1863 كانت النساء بصورة روتينية يتحدين الافتراضات القائلة ان مستوى ذكائهن أقل من الرجال. ورأى اساتذة بيل في كوينز كوليدج املاً عظيماً في نشاطها المدرسي، وحثوها على مواصلة تعليمها الجامعي، لكن الجانب الخطير في تعليمها لم يكن جزءاً من الخطة التي اعدتها امنا لنا، كما تقول اختها غير الشقيقة مولي. في الحقيقة فإن معظم الفيكتوريين عرف عنهم خشيتهم على صحة الأنثى التي تعلمت، ووصلت لمستويات تعليمية جيدة، واعتقدت انها لن تكون أماً جيدة. ومع ذلك انتقدت مواقف جرترود بيل بلا شك، لان والدها نادراً ما كان يرفض تحقيق أي مطلب لها. وامتلأت رسائلها الى أهلها بوصف مدهش لحياة الكلية. كتبت في احدى الرسائل تقول ان محاضراً اصيب بارتباك شديد بسبب وجود شابات في فصله «حتى انه وضعنا في مقاعد وظهرنا له». وقد أكدت رسائل لاحقة تأثير الجامعة وبصورة خاصة النظريات الخاصة بالتطور السياسي باعتبارها عملية استمرار من المؤسسات الاولى الى المرحلة الأعلى للدولة. وهي فكرة كانت مهيمنة على ما يسمى بالمؤرخين المحافظين في العصر الفيكتوري. وتركت الجامعة في نفسها إرثاً آخر ، وهو التدخين الذي اصبح عادة مستمرة لديها. وكانت تجري حول الحرم الجامعي بملابس رثة غير مهندمة، وهي طفرة سريعة في حياة ارتداء ألبسة الموضة واحدث الازياء. ما كانت فلورنس بيل لتفكر فيها ازاء تظاهرات التمرد هذه. في نهاية عامين كانا حافلين بالسلوكيات غير التقليدية أو المنافية للعرف، عرفت أنها ستحصل على المركز الأول في التاريخ المعاصر، وهو انتصار للمدرسة ايضاً. وغادرت جرترود الكلية وسط حفل صاخب يضم الجنسين من الطلبة. لقد كان التباين واضحاً ما بين الامكانات الجامحة للاستقلال، التي استمتعت بها في الكلية والاعمال الروتينية الهادئة التي لاشك انها عقلانية وحكيمة. والحقيقة ان الحرية التي منحت للطلبة لا يمكن تطبيقها بصورة مماثلة في دار عائلتها ورحلة الى لندن تتطلب مرافقة ترعاها جيداً. فالنزهات في حدائق ومتنزهات لندن مع الرجال غير مسموح بها، حتى وإن كان الرجل والمرأة صديقين، وقد امضت بضع سنوات وهي تدرس الجيل الصغير من عائلة بيل، ولم تكن تريحها سوى الفترات التي كانت تقضيها في الخارج. وفي صباح يوم حافل بالاحداث العام 1892 حمل البريد رسالة الى فلورانس بيل من شقيقتها ماري لاسل التي كان زوجها قد عين للتو في طهران وتساءلت: هل تسافر شقيقتي جرترود الى طهران للزيارة؟ واقسمت بيل أن هذا هو المكان الذي طالما تمنت رؤيته، وفي الحال طلبت قواميس باللغتين الفارسية والعربية. وفي ابريل صعدت الى قطار الشرق السريع وبصحبتها عمتها وابنة عمها فلورانس وخادمتين وتحرك القطار ببطء شرقاً إلى باريس، والى الضاحية المضاءة، وبعد ذلك الى الظلام. صور فارسية بعد رحلة دامت أسابيع عديدة براً وبحراً لمحت عيناها تلك المدينة المسورة بجوار طيني والواقعة في منطقة شبه صحراوية. وكانت الحدائق تنبثق منها اعداد لا تحصى من الازهار والورود التي تفتحت واضفت على ذلك المشهد الصحراوي مظهراً غير عادي. ومن غرفة نومها كانت تسمع بوضوح الهنادل وهي تصدح. لن تغير هذا العالم رأساً على عقب بالنسبة لصبية لا تتجاوز الرابعة والعشرين ربيعاً وخلال النزهات اليومية التي كانت تقوم بها جرترود هي وابنة عمها كان بصحبتها سكرتير وسيم يدعى جيرالد كادوجان. ولم يمض وقت طويل حتى كانا يقرآن معا الشعر ويتجولان في العثور الصيفية، حيث كانا يأكلان الدراق والتين، ويتحدثان عن المستقبل، وما لبثا أن قررا الزواج. وكما في السابق، تسرعت جرترود بيل في اتخاذ القرار وبداية تقبلت العرض، وبعدها بعثت ببرقية الى والديها فحواها موضوع عرض الزواج. لكن والديها لم يقبلا الفكرة، فقد علما ان كادوجان ليس سوى مقامر ربما يتطلع الى ثروة زوجته المقبلة. واستدعيت جرترود الى بريطانيا ولم يمض وقت طويل حتى كان القدر يرسم مصيراً ميلودراميا للخطيب. فقد اصيب بالحمى، ولم يلبث ان لفظ انفاسه الاخيرة.وشعرت جيرترود بالعزلة، ولكن حيويتها وعنفوانها الطبيعيين انقذاها في النهاية، واكتشفت ان باستطاعتها الكتابة. وفي 1894 ظهر كتابها بعنوان «صور فارسية» وبعد ثلاث سنوات كان قلبها لايزال يتوق لحدائق الورود الفارسية، ونشرت ترجمة قديرة لقصائد شاعر القرن الرابع عشر الشهير حافظ.وانسجم تمثيلها للحياة الفارسية مع الكثير من التفاصيل ذات المواقف المزدرية للغربيين ما يخص سكان المستعمرات في الخارج. ووصفت في «صور فارسية» طاعوناً اجتاح طهران خلال زيارتها لها في 1892 وكأنه زائر يطرق كل باب، وقالت ان ابناء البلاد اصيبت حياتهم بشلل كامل. ولم يبذلوا اي جهد لعزل المرض أو دفن الموتى، تاركين المصابين في الشوارع يلغطون انفاسهم ويتسببون في نقل العدوى. وعزت هذا الاهمال الى ما اسمته بالقدرية الشرقية، ورأت انها تمنع الناس من القبض على زمام امورهم بأنفسهم. وصورت جرترود ايضا الحياة الناهضة للشرق على أنها وجود مختلف تماماً وكثير الغموض وغير واقعي ويصعب فهمه وإدراكه في كل الاحوال. حياة رتيبة ولا يطرأ عليها أي تغيير من جيل لآخر، ولا تمثل اي سمة خاصة بما يكفي لترك انطباع يقتصر على تصور غامض لاسترخاء وكسل تحولا الى حالة ركود ونوم. لم تكن الكتابة سلواها الوحيدة فقط بعد تجربتها الفارسية لانها في تلك الفترة بدأت سلسلة من حملات تسلق جبال الألب وفي 1902 نجت بشق الأنفس من كارثة خلال عاصفة عنيفة ضربت فينسترا هورن، تشبثت خلالها لجبل يربط رفاقها العديدين من الذين تمسكوا جميعاً بالمنحدر الجليدي. لقد كانت مغامراتها، بالطبع، وسيلة للتخص من الملك، ام تراها كانت مؤشراً لأمنية اخرى؟ ولم يكن بالمستطاع استبعاد فكرة السلوك الانتحاري في موت بيل الناجم عن تناول جرعة اضافية من الاقراص المنومة في بغداد في 1926. وبعيداً عن سلوكها المتهور احياناً والجريء، فمن المحتمل اكتشاف مؤشرات، على الرغم من ندرتها، تدل على حالات اكتئاب، وهو ما يكتشفه القاريء في ثنايا كتاباتها، وستكشف الايام المقبلة من حياتها ايضا، عن عواطف بريطانية تختفي تحت تلك الشخصية الهادئة ذات النمط الانجليزي. والحقيقة هي انها كانت تخفي شخصية ذات وجود انفعالي. ظلال العنوسة في ذروة تلك الاحداث لم تكن العنوسة توفر الكثير من الرضا الانفعالي، وبعيداً عن مغريات وحسرات عطلات نهاية الاسبوع، حيث مداعبات مجموعة ذكية اضفت حرارة على جولات الجسر والصيد وبعض المواعيد العاطفية، وتركت بيل كي تتصرف وكأنها شخصية مصدر ولع بالنسبة لاقاربها الاصغر منها وتعثر على فتات الحياة الاجتماعية بين الاصدقاء المتزوجين، ولذلك فقد سعت الى القيام بمغامرات خارجية بعد أن أيقظت انوثتها في فارس! وبعد تجربة فينسترا هورن لاحظت بسرور «أتي زمن اعتقدت فيه انه كان لابد أن نلقى حتفنا»، وبدت بيل وكأنها ترى في الخطر نوع من الاثارة العاطفية. وهكذا بينما اطل القرن الجديد على الرفاهية المستمرة لبريطانيا وامبراطوريتها المترامية وصلت جرترود بيل الى عقد الثلاثينيات وهي تبحث عن نفسها. وبدأ السفر بالنسبة للنساء يشكل منحى جذاباً للثريات منهن لان توسع الامبراطورية البريطانية سهل تلك الرحلات، ومع قدوم عام 1900 اتخذت جيرترود دوراً جديداً، وهو شيء غير متوقع بالنسبة للنساء من طبقتها، ودمجت بين الرحلات المهذبة وشكل ظاهري من جمع المعلومات. في ذلك الوقت اعتبرت الجاسوسية مهنة خسيسة، ولم يؤسس مكتب للخدمة السرية في لندن الا في 1908 عندما أثارت طموحات المانيا قلق البريطانيين. وحتى ذلك الحين كانت وزارة الخارجية البريطانية تستخدم هواة يقدمون خدمات مجانية أو مغامرين يسعون للارتزاق، وهؤلاء جميعاً كانوا يبعثون بمشاهداتهم التي رصدوها في الخارج. وأفلح هذا النظام في الاقطار الاستوائية، حيث كان يتم تكليف ضباط انجليز بمهام عديدة الا ان اماكن معزولة قليلة السكان، مثل صحاري الشرق الاوسط، كانت تمثل بالنسبة إليهم صعوبات خطيرة. واستدعت المكانة التجارية لبريطانيا في الخليج، الذي كانت تندر فيه مكاتب ارسال البرقيات واستقبالها وكانت تستخدم فيه معابر الجمال بدلاً من الطرقات الممهدة، ولم يكن يتحدث العربية سوى النذر القليل من المسافرين الأجانب، الاستفادة من اهتمامات جرترود وقدراتها اللغوية. ويرجح ان بيل كانت تدين بمكانتها كعميلة سرية، غير رسمية، للاصدقاء المخلصين للامبراطورية، مثل وزير الخارجية البريطاني ادوارد جيراي. وتؤكد الوثائق الموجودة قبل 1915 عندما انضمت رسمياً الى الاستخبارات البريطانية في المكتب العربي في القاهرة انها كانت تعمل بلا مقابل في قسم الاستخبارات التابع للادميرالية. ولا يهم هنا سوى النذر القليل اذا كان هناك ميل لاطلاق صفة جاسوسة فعليه على جرترود ومنذ العام 1900 وحتى الحرب العظمى كانت تراقب نبض ما يسمى بـ «تركيا العربية» في خيام الشيوخ العرب النافذين وفي دواوين العثمانيين، حيث قضت هناك ساعات طويلة، وهي تحتسي القهوة، وتطرح الاسئلة، وتنظر بعين ثاقبة الى شئون الدولة. ووفقا للافكار الاجتماعية لذاك الوقت، لم يكن احد يشتبه في أن ضيفتهم الموقرة لم تكن سوى عميلة لحساب مكاتب الجاسوسية البريطانية. وخلال حفل شاي لعلماء آثار من جامعة بريستول في دمشق في العام 1956 لم تثر اي شبهات حول امكانية تورطها في التجسس. بل على العكس فقد تركت انطباعاً لدى مضيفتها بأن سلوكها لا يتوفر الا لدى النساء المنحدرات من ارقى الفئات الاجتماعية. الآثار والجاسوسية لقد اكتشفت ان اهتماهما بالآثار يوفر لها غطاء لوجودها في جنوبي مابين النهرين (العراق الحديث) حيث كان يتوافر مكتشفو آثار المان يقومون بأعمال الاكتشافات وطورت معرفة وخبرات جيدة في الهندسة المعمارية الاسلامية الاولى ونشرت نتائجها في كتب ومجلات تقنية. في 1909 استفادت من اساليب الحفر الالمانية لدراسة موقع في الصحراء غربي الفرات بالقرب من بابل، ووصفت المكان بأنه ممتع، وطوال عدة سنوات انشغلت برسوماتها وصورها الفوتوغرافية وبذلت جهدها لترميم الموقع الذي اعتقدت انه من المساجد التي شيدت في اوائل مرحلة دخول الاسلام الى بلاد الرافدين. وبالتأكيد فان الاحساس الرومانسي بالطبيعة المتحولة للزمان والعالم ايقظ فضولها ازاء الماضي المنسي، وكتبت في 1911 تقول «معظمنا كانت لديه فرصة كي نتعرف جيداً على موقع كان في الماضي مسرحاً لحضارة بادت، ومررنا بساعات من التخيل الذي لا طائل تحته، ولاستعادة مشهد الشارع والسوق والكنيسة والمعبد التي تقف دليلاً على الارض، وحتى انبعاث الألوف من المعضلات من دون حل، كنت اجد نفسي تواقة لساعة مجتزأة من التاريخ القديم، وقد يكون اشباعي في تلك الجدران التي هوت، وأطأ بقدمي صورة عالم ميت لا تمحى من الذاكرة ابداً.ودعت الصورة المتخيلة رومانسياً الى المقارنة بين الحاضر المؤسف، خاصة سلبيات ونواقص الادارة التركية في البلدان التابعة لها من الوطن العربي. فليست هناك حكومة مركزية في الصحراء ومن هنا ليست هناك سلطة مركزية للحفاظ على النظام. بل كانت الحروب بين العشائر هي أسلوب عيش وطريقة سفك دماء وفوضى لا تتوقف. اما السكان فهم يعيشون في فقر وجهل، وكتبت تقول ان موقف السلطان هو موقف اي غريب يحكم بحفنة من الجنود وبكيس خاو من المال وبتشكيلة من الرعية المعادية له والمعادية بدورها بعضها للبعض الآخر. وبعيداً عن تحسين الوضع، فقد ضاعفت الاطاحة بالبيروقراطية الفاسدة في اسطنبول 1908، عن طريق النخبة المثقفة ذات العقلية الاصلاحية والضباط الأتراك الشبان. غضب العرب. وقد أكدت في كتابها على الحاجة الى ادارة بريطانية مماثلة لتلك القائمة في مصر. وخلال رحلاتها في الشرق الأوسط، التقت بيل انجليزيين نشيطين سيؤدي مصيرهما الى حدوث تحول في حياة بيل. الاول سيقوم بتمهيد الطريق لها للارتقاء كنفوذ سياسي في العراق قبل أن يحقق شهرة بنفسه كظاهرة امبريالية في الشرق الأوسط وكأنموذج للقدرة على إثار الحيرة والفضول هذا الرجل هو توماس ادوارد لورانس، الابن الثاني غير الشرعي لبارون ايرلندي فقير ومربيه كانت ترعى اطفاله وقد هرب الاثنان الى اكسفورد، واتخذا لقب لورانس اسماً لعائلتهما وهكذا فقد منحا هذا اللقب لابنهما، الذي اصبح اسمه فيما بعد «تل» و«لورانس العرب» والطيار «روس» والجندي «شو» وهو ارباك مؤثر في الهويات واصبح تل وجرترود صديقين بعد لقائهما الاول في موقع اثري في جنوبي تركيا العام 1911 وتلاقيا في اطار يقين مشترك حول مصير الامبريالية البريطانية في الشرق الاوسط. اما العلاقة القدرية بالشخص الثاني فقد بدأت في قونية، حيث توقفت هناك لجمع رسائلها في طريق العودة الى بريطانيا آتية من سوريا في 1906. وحدث ان كانت تلك الفترة غير مستقرة، بالنسبة لحظوظ بريطانيا في الامبراطورية العثمانية وقونية عاصمة سلجوقية قديمة كانت مفصلاً مهما لخط سكة حديد بغداد برلين وكان الاتراك منحوا شركة نقل السكة الحديد العمومية الارض على طول امتداد الخط الحديدي وحقوق التنقيب عن الآثار. وبهذه الطريقة شدد السلطان قبضته على الريف العربي واحكم سلطته على الجيش المتمركز بعيداً عن اسطنبول. واستخدمت المانيا بدورها التنقيب عن الآثار، بين امور اخرى، لادخال النفوذ الالماني والثقافة الالمانية الى المنطقة والمنقبين عن الآثار كوسيلة لتوفير المعلومات لألمانيا. وقامت بيل بزيارة القنصل البريطاني في قونية ونظر اليها بحاجبيه البارزين اللذين شعرت انهما مفتاح للطبيعة الغامضة. كان الرجل ويدعى تشارلز (ديك) دوني ويلي اصلع وبشارب مسترسل وفي عمرها بالضبط، وهو حصيلة تعليم من وينشستر وساند هيرست، وكانت اسرته من ريف سافولك، وكان عمه هو الرحالة العظيم تشارلز دوتي. وكان كل منهما يعرف الاخر حسب شهرته. فقد عرفها من خلال كتبها. اما هي فقد سمعت بالأوسمة التي حصل عليها نتيجة لجولاته في الصين وجنوب افريقيا. وفي قونية استقبلا لفيفاً من الضيوف على مائدتهما، وكانت بيل بينهم وفشلت في ملاحظة تحكم مضيفتها بزوجها. ومع اندلاع حرب البلقان في العام 1912 ارسلت عائلة دوتي ويلي الى اسطنبول لمساعدة الصليب الاحمر البريطاني على تنظيم الوحدات الطبية للعناية بالمصابين الاتراك. وفي اوائل العام 1913 عاد ديك وحيداً الى شقة العزوبية في شارع هاف مون في لندن انتظاراً لتكليفه بمهام اخرى وجدد هو وجرترود تعارضهما. ولو كانت بيل روائية لاستطاعت اكتشاف حبكة مألوفة تصلح لقصة ميلودرامية اثناء غرامها بديك، وسرعان ما انجذبا الى بعضهما بسبب شعور كل منهما بالوحدة وايماناً منها بأنه يمكن ان يكون شريك حياتها المثالي. ومرة ثانية كما حدث معها قبل 20 عاماً اصبحت متيمة حتى النخاع. وكما حدث في السابق فإن الوضع كان مستحيلاً. وكتبت بيل لصديقة قبل مغادرتها الى البلاد العربية في نوفمبر 1913 «تظنين ان الاصح بالنسبة لي ان اجرب وأجد المخرج» ولا شك فإنها ستجد في الصحراء مواساة لها. وكذلك فإن تزايد رفض العرب للحكم التركي كان اغراء جديداً يضاف لحياتها.ومرة ثانية فإن الاندماج مع الحياة السياسية العربية برحلة الى حائل عرضت عليها طريقة مثالية للخروج من الازمة. وعملت من كل النصائح واصرت على تنفيذ خططها الخاصة. وقال صديقها وزميلها في التنقيب عن الآثار ديفيد هوجارت: كانت لها اسبابها لتعرف بأن مشروعها لن يلقى دعماً من كل من السلطات العثمانية او الممثل الرئيسي لبريطانيا العظمى في تركيا. وشكل ذاك الحافز الاضافي للمحظور جاذبية اكبر للرحلة». في خريف ذاك العام كتب ديك قائلاً «عزيزتي .. اريد رؤيتك لكن ذلك لن يتحقق مالم يشأ الله. عزيزتي.. اتمنى لك اسعد الحظ في مغامرتك، واتمنى ان تكون الامور سهلة.. ربما نلتقي يوماً ما».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات