الاثنين 23 رجب 1423 هـ الموافق 30 سبتمبر 2002 الاسئلة المطروحة بقيت في الهواء في جلسة الحكومة الاسرائيلية التي انعقدت مؤخرا. جلسات الحكومة تتحول في الاشهر الاخيرة الى مسرحية لممثل واحد وهو شارون، رئيس الوزراء يتحدث والوزراء يستمعون، أحيانا يتحدث أحدهم بنصف فمه، ولكن أحدا لا يسمع هناك سؤالا يهز الجلسة ويغير جدول أعمالها ويغيظ شارون، وفي هذه المرة ايضا عندما أعلن شارون عن تدمير مبنى المقاطعة وعزل عرفات كان هناك ازعاج قليل جدا لشارون من الوزراء. بيريز سأل عن المس بعرفات، بن اليعازر وشارون ويعلون قالوا ان التعليمات تقضي بعدم المساس به، بيريز سار خطوة اخرى للأمام وطالب بأن لا يكون هناك وضع يقتحم فيه الجيش مقر المقاطعة من دون مصادقة مسبقة من الحكومة، عندها ثار جدل ضعيف فاقترح شارون حلا وسطا، اذا حدث مثل هذا التطور فانه سيتوجه لرؤساء الأحزاب. وهذا ايضا يبدو له عملا لا داعي له، فهو لم يعتقد ان من الواجب العودة للتشاور مرة اخرى. الانطباع الناشيء كان ان شارون ينوي السير مع ذلك حتى النهاية، مع ماذا؟ وحتى أي نهاية؟ هذا ايضا لم يكن واضحا، لم تكن هناك اجابات على أمور كثيرة مثل اصابة عرفات بنوبة قلبية، أو رفض المطلوبين تسليم انفسهم، أو المس بعرفات بطريقة غير مقصودة، أو تحفظ واشنطن مثلا، يبدو ان شارون يعتقد ان التسبب في حشر 200 شخص في غرفة واحدة سيكسرهم ويجعلهم يسلمون انفسهم، وربما كان في دخيلته يتوقع ان ينكسر عرفات نفسه ويطلب الخروج، فقد كانت هناك معلومات في الجولة السابقة حول مؤشرات انكسار عرفات، ولكن السؤال هو ليس الصراع الذي يخوضه شارون ضد عرفات، ولكن كيف يحدث ان تتعاون حكومة كاملة مع شيء غير مقبول على اغلبية اعضائها، حتى وزراء الليكود وجدوا صعوبة في فهم ما يريد شارون تحقيقه من تدمير المقاطعة، ولكنهم جميعا، من بيريز حتى ايفي ايتام، صوتوا مع العملية. أحد وزراء الليكود اعترف بأن عدم وجود معارضة لشارون مقلق بالنسبة له، والسبب من وراء ذلك هو الجمع بين ضعف حزب العمل وجلوس اغلبية وزراء الليكود على الجدار. بيريز الذي كان من المتوقع ان يشكل معارضة حقيقية داخل الحكومة، وان يحطم الخطوط الحمراء على ألف مسألة ومسألة، يخشى على ما يبدو من ان تكون هذه الحكومة الاخيرة التي يدخلها، وهو قد عارض عملية المقاطعة، الا انه كان أفضل من يدافع عنها، بن اليعازر يدرك انه لا يستطيع التسبب في أزمة سياسية وان يفوز في الانتخابات بعدها، والشيء الأهم بالنسبة له هو البقاء في وزارة الدفاع حتى الانتخابات وبعدها ايضا، اغلبية وزراء الليكود يجلسون على الجدار مدركين ان المواجهة الحقيقية ستكون بين شارون ونتانياهو، فالصراع بينهما متقارب مع تفوق بسيط لشارون، ووزراء الليكود سيحافظون على الحذر الى ان يتضح مسار الرياح. وهناك كل الاوساط في الكنيست والحكومة التي يتسبب خوفها من عودة نتانياهو في ابتلاع خطوات شارونية كثيرة، وهكذا يصبح نتانياهو الورقة الأثمن في يد شارون في هذه الحالة. محاولات كثيرة جرت لسبر غور قرار شارون بتدمير المعقل الاخير للسلطة الفلسطينية، حتى اوساط اليمين لم تفهم مراده ومقصده من العملية في الوقت الذي تنشغل فيه الولايات المتحدة بالعراق ولا يعنيها المطلوبون بالمرة، الجميع يدركون ان هذه الخطوة غير خالية من الدوافع السياسية، فشارون يوجه عيونه شطر الليكود، ومسار حكومته خلال فترة ولايته كلها تأثر كثيرا بوضعه السياسي الداخلي من خلال الالتفاف وبنجاح كبير، ولا يوجد أي سبب لأن يقود شارون شؤون الدولة الآن بعيدا عما يحدث في الليكود. بعد اسبوع ستجرى انتخابات مؤتمر الليكود، حيث سينتخب 2500 عضو يضاف اليهم 300 باعتبارهم اعضاء كنيست ورؤساء بلديات وذوي مناصب عامة سابقا وحاليا، وهؤلاء الـ 2800 سيصبحون مركز الليكود الجديد الذي يختار اعضاء الكنيست ويحدد قوانين الانتخابات الداخلية لرئاسة الحزب وربما حتى يلغي الانتخابات لمرشحي رئاسة الحكومة عن الحزب مقررا ان يقوم المركز نفسه بانتخاب المرشح. المعركة حول مركز الليكود جدية، وهي معركة على رئاسة الدولة في الواقع، واذا هزم شارون هناك فيمكن القول انه قد صُفي هناك، والاختبار الحقيقي سيكون بعد اسبوعين في الثالث والعشرين من اكتوبر عندما ينعقد المؤتمر وينتخب رئيسا له، حيث يطمح كل خصم ان يكون من أتباعه، وشارون طلب من اولمرت ان يكون رئيسا للمؤتمر الا انه رفض، ومرشح نتانياهو للمنصب سيكون يسرائيل كاتس على ما يبدو والذي كان في المؤتمر السابق في 1997 رئيسا حيث نافس مرشح نتانياهو يهوشع ماتسا في حينه. شارون بدأ نشاطه لتقريب الناس اليه وأخذ يستضيف الاعضاء في منزله ليعزز من قوة معسكره، الا ان مرشحه متردد، ونتانياهو يملك قوة أكبر في اوساط النشطاء بمساعدة ذراعه الأيمن يسرائيل كاتس، يسرائيل كاتس دعا الى منزله في كفار احيم في الاسبوع الماضي عددا كبيرا من اعضاء مركز الليكود وكان ذلك مثابة استعراض لقوة معسكر نتانياهو، وشارك في الحفل الى جانب نتانياهو وسارة كل من زلمان شوفال وداني نفيه ومئير شطريت وتسبي ليبنه وجدعون عزرا ويوفال شتاينيتس وأيوب قرا، وحتى سكرتير الحكومة جدعون ساعر كان هناك، وليمور لفنات لم تشارك بسبب عطلة عائلية.جميع المشاركين في الحفل (2500 ـ 3000 شخص) يدركون ان شارون لا يستطيع ان يصل الى 23 اكتوبر وهو ضعيف، المسألة هنا ليست نقاشا حول الدولة الفلسطينية كما حدث في المؤتمر السابق حيث هزم شارون خصمه نتانياهو على الصعيد الجماهيري وطرأ منذئذ انخفاض على مكانته وتراجع كثيرا في استطلاعات الرأي. المرشح لرئاسة الحكومة لا يستطيع ان يخسر في المؤتمر، هذه الخسارة ستؤثر بشكل حاسم على 300 ألف عضو ناخب في الليكود، وليس من المستبعد ان يتفق نتانياهو وشارون على ابعاد المؤتمر عن المنافسة المستقبلية على رئاسة الحكومة بينهما حتى يركز على شؤون اخرى. وليس من الممكن النظر لعملية المقاطعة بمعزل عن مؤتمر الليكود، فكل طفل صغير رأى ان عرفات قد تجفف وان انتفاضة فلسطينية قد بدأت ضده. أبدا لم يكن حزب العمل في مثل هذا الوضع البائس، بلا مباديء وبلا قدرة للوقوف على مبادئه، وقريبا سينعقد مؤتمر حزب العمل ليحدد خطوطه الحمراء في قضية الميزانية، وسيطرح على جدول اعماله ايضا مطلبا باخلاء 105 مستوطنة غير قانونية على الفور، ولكن حتى شارون نفسه يضحك طوال كل الطريق نحو هذا المؤتمر، فمن مثله يعرف مرونة وليونة هذه الخطوط الحمراء، معارضة حزب العمل للميزانية بدأت في التهديد بالتصويت ضدها والخروج من الحكومة، اليوم أصبح واضحا ان هذا التهديد يساوي التهديد بالاستقالة اذا لم يتم اخلاء المستوطنات غير القانونية ومثل رفض التفاوض مع الليكود قبل اعادة منصب رئاسة سلطة الاذاعة لوزير من حزب العمل. مؤتمر حزب العمل المقبل سيكون أكثر المؤتمرات خزيا في تاريخه، سيجري نقاش جدي حول الضائقة الاجتماعية وستطرح شكاوى حول الاجحاف بحق الطبقات الفقيرة في الميزانية المقترحة، وسيرغب كل واحد في إسماع صوته واحتجاجه، ولكن كل واحد من المتحدثين في المؤتمر وكل واحد ممن سيصعدون الى المنصة ويخطب بصوت جهوري يعرف ان هذا اهدار للوقت، هذا نقاش لحزب العمل الذي كانت له في الماضي مباديء وقوة وروح مغامرة، ولكن شيئا لم يتبق منها الآن، بما في ذلك روح المغامرة. بقلم: سيما كدمون