الاثنين 23 رجب 1423 هـ الموافق 30 سبتمبر 2002 بدأت اللعبة الليلية هذه، كالعادة، مع خبطة كف كاملة على الطاولة مصحوبة بالاعلان «فلنبعده!». بالنسبة لرئيس الحكومة الاسرائيلية يعتبر هذا رد فعل شرطي، بعد كل عملية يعلن للمحيطين به انه سيبعد عرفات. منذ العملية في مفترق ميرون: قبل اكثر من شهرين، انضم الى رد الفعل الشرطي القديم رد فعل آخر. اضافة الى ابعاد عرفات يعلن شارون انه يجب احتلال مدينة في قطاع غزة. لماذا؟ من اجل ان نثبت لهم اننا قادرون. في البداية، بعد مفترق ميرون، حاول ضابط كبير، لم يعرف ردود الفعل هذه، ان يفسر لرئيس الحكومة الاسرائيلية عدم ضرورة احتلال القطاع ذلك لانه لا يخرج من القطاع عمليات. قتل الجيش خلال السنة والنصف الاخيرتين مائة وخمسين فلسطينيا على الجدار حول قطاع غزة وغوش قطيف. وفضلا عن ذلك اذا ارادوا القيام بعملية في غزة يجب نقل قوات الضفة الغربية المنطقة التي نعاني فيها من مشكلة حقيقية. وجه رئيس الحكومة للضابط نظرة استهزاء: واحد آخر يفسر له لماذا لا يمكن فعل شيء كان ذات مرة امرا بسيطا. بعد ذلك فهموا في الجيش ايضا ان كل شيء مسألة ردود فعل وانه يمكن تجاوزها بحذر. يريد رئيس الحكومة الاسرائيلية ان يكون هناك رد على كل عملية مثلما كان في 1955 - 1956، وان يكون الرد مؤلما، سريعا، واصيلا، لذلك طور الجيش الاسرائيلي نظرية عمل خاصة به اساسها: ارضاء رئيس الحكومة بدون ابعاد عرفات وبدون احتلال أي مدينة في الضفة. ثمة للجيش الاسرائيلي رد دائم على السؤال لماذا يحظر طرد طرفات، المبرر هو فني، وليس سياسيا. انهم ببساطة لا يستطيعون ضمان انه يكون بالامكان اخراجه من المقاطعة. ثمة حوله حراس ومطلوبون مسلحون وثمة امكانية عالية ان يمس اثناء السيطرة وربما يقتل. هذا المبرر يخرج بصورة عامة الشوكة من الجدل وحينها يبدأون بالبحث عن البدائل. عندما وصل شارون الى تل ابيب فور العملية في اللنبي، كان واضحا انه جاء لجلسة المجلس الوزاري مع ابعاد عرفات. حاول وزير الدفاع الذي اجتمع قبل ذلك مع قادة الجيش كسب الوقت مع فكرة خاصة به، ابعاد الشيخ ياسين. وهي العملية التي تحتاج الى وقت وتخطيط لان ياسين موجود في قطاع غزة. كانت للجيش خطة جاهزة لعزل عرفات من خلال هدم المقاطعة الخطة التي تحولت الى حل وسط بين «يجب فعل شيء» وبين «ابعاد عرفات». وهذه الخطة كانت في الجارور كجزء من عدة نشاطات وافكار، استهدفت اضعاف عرفات. لم تأت، بالاصل، لتنفيذ المرحلة الحالية. ولكنها نفذت، لانها ببساطة كانت هناك، ويجب فعل ذلك. النتيجة هي ان هدم المقاطعة في التوقيت الحالي بدا كعملية في الكشافة. الامر الوحيد الذي يمكن قوله عن العملية هو ان من كلف بتنفيذها - قائد الكتيبة في رام الله - نفذها بصورة تثير الاحترام لدى الاسرائيلين في النقاشات التي جرت قبل جلسة المجلس الوزاري وفي الجلسة نفسها، طرح رجال الامن، بما في ذلك عدد من الضباط الكبار، تحفظوا على العملية. كان هناك احساس بان ما جاء من اجل اضعاف عرفات سيوقف التدهور بمكانته. والاكثر من ذلك عندما طرحت في جلسة المجلس الوزاري فكرة المطالبة بتسليم المطلوبين في المقاطعة، كانت اوساط في جهاز الامن اعتقدت انه في هذه النقطة سيكون من الصعب جدا اخضاع عرفات. انه يتذكر الحصار السابق الذي فرط خلاله بـ 13 شخصا ابعدوا الى البلاد وستة الى المعتقل في اريحا من اجل ان يحصل على حرية الحركة في انحاء الضفة. واستقبل هذا بصورة سيئة جدا في الشارع الفلسطيني. ليس صدفة ان احرقوا آنذاك المنصة التي كان من المفروض ان يظهر عليها في جنين. وحدد الخبراء انه من الجائز جدا ان لا يكرر عرفات هذا الخطأ ثانية. طوال كل عملية هدم المقاطعة مرت لحظة واحدة كان عرفات فيها واثقا من ان الاسرائيليين سيصلون للقضاء عليه. حيث جاء في الافادات من داخل الموقع انه في ليلة الجمعة، حين بدأوا بهدم الجسر بين المبنى الذي يقيم فيه والمبنى المجاور، اعتقد ان نهايته حلت. حيث انهار الجسر القريب منه. واهتزت الجدران وسقطت أحجار واشتعلت السيارات المحيطه به بالنيران. بعد ذلك انتعش. الترجمة اللفظية «للمقاطعة» هي الحظر والمنع. حين كانت السلطة الاسرائيلية في المكان كان المعنى واضحا. ولكن اتضح اليوم انه في عهد عرفات تحديدا ثمة للكلمة معنى شديد في الشارع الفلسطيني اشد مما كان في السلطة الاسرائيلية. لو كان يمكن ان نترجم عمليا تصريحات شخصيات فلسطينية ضد رئيسهم واحساس الجمهور الفلسطيني على ضوء ما يمر عليه في العامين الاخيرين لوجدنا ان الذين سيأسفون على نهاية عهد سلطة عرفات ليسوا كثيرين. منذ عملية السور الواقي قبل نحو نصف سنة ظهر صدع كبير في وحدة المعسكر الوطني الفلسطيني. لقد بدأت تتبلور تيارات وتيارات فرعية أدت الى صراعات قوى داخلية كجزء من صراع الخلافة. وفي اسرائيل وجدوا صعوبة في استيعاب اهمية موجة الانتقادات في الشارع الفلسطيني ضد عرفات وأي تقويم داخلي حقيقي يجري هناك حول انجازات الثورة الفلسطينية حتى اليوم. لقد نشر نبيل عمرو، عضو المجلس الفلسطيني الذي حاولوا قتله في بيته في رام الله، قبل اكثر من اسبوعين في الصحيفة العربية اللندنية «الحياة» مقابلة دعا فيها عرفات الى «الاعتراف بالفشل وان طريقه لم تقد الى أي شيء». وهذا المقال نشر عشية اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني. خلال عملية بناء بديل لعرفات يمكن ان نلاحظ تيارات بارزة. احد التيارات المركزية هو التيار المسمى «بالتيار الاصلاحي». وهو يدعي ان المجتمع الفلسطيني لم يقرر بالتوجه نحو كفاح استراتيجي داخل مناطق السلطة. وهو التيار الذي توجه الى التنظيم، الى المجموعات المتطرفة في فتح الى البرغوثي وعرفات وتساءل: من فوضكم؟ هذا التيار يطالب باصلاحات وسط الفلسطينيين وليس فقط بالنسبة لاسرائيل. في هذه المجموعة يمكن ايجاد رجال كبار من فتح، أعضاء في المجلس التشريعي، شخصيات مثل سري نسيبة، عبدالقادر، نبيل شعث، نبيل عمرو وغيرهم. والبؤرة الاخرى في صراعات القوة في الاشهر الاخيرة هي مجموعة اعضاء في المجلس التشريعي التي افشلت عرفات باقامة مجلس وزاري ولم تدعه يتوصل الى اقتراح وسط يهدف الى مجرد التجميل بل التغييرات المطلوبة. وثمة قيادات في الداخل لفتح التي يمثلها مروان البرغوثي وهي تحاول السيطرة على مواقع من يعرفون بـ «التونسيين» وهذه المجموعة، كما يقولون، سترشح ابو مازن لفترة الغسق ما بعد عهد عرفات. مرشح مؤقت الى حين ايجاد قيادة جديدة. انهم يرون بهذه المجموعة محاولة لوقف منافسة البرغوثي في القيادة.في المجموعة التي ترشح ابو مازن يمكن ايجاد محمد دحلان، ياسر عبدربه، نبيل عمرو وحسن عصفور، ومن اجل ردع ابو مازن وشركائه من خطوات قد تمس بالبرغوثي اطلقوا النار على نبيل عمرو مؤخراً، وهذا لم يكن محاولة الاغتيال الاولى، والاشخاص الذين يقفون خلف البرغوثي اطلقوا النار أيضا على حسن عصفور قبل نحو شهرين. واطلقوا مؤخراً النار على منزل زهير مناصرة في رام الله خلف جبريل الرجوب في منصب قائد الامن الوقائي المؤيد لابو مازن. كذلك كتائب شهداء الاقصى، تبنت مروان البرغوثي كقائد. النخبة الفلسطينية المدينية، رجال الاقتصاد والاعمال الذين يشعرون بخطر فقدان السيطرة يحاولون شراء الهدوء. وزير الداخلية عبدالرزاق اليحيى الذي بدأ يقود الاصلاحات الامنية وحاول توحيد ثمانية أجهزة أمنية الى ثلاثة فقط بعلاج عنيف. والتقارير تتحدث عن انه قبل نحو اسبوعين وضعت عبوة في مدخل منزله. في كل الاحوال فان رجال كتائب شهداء الأقصى نشروا بيانات شديدة اللهجة ضد وزير الداخلية واتهموه بالمفاوضات مع اسرائيل. وكان رجال البرغوثي قد شبهوا التفريط به من قبل القيادة الاسرائيلية بالتفريط برجال «ايلول الاسود» في عام 1970، في الاردن من قبل القيادة. وفي مباحثات خاصة يشيرون إلى ان القيادة تعرف كيف تقلق على رجالها الذين تورطوا وتحل مشكلاتهم مع اسرائيل، ولكنها تقلق على ترك البرغوثي في السجن. من جهة ثانية، يقولون انه لا يهم ان يبقى البرغوثي في السجن عدة اشهر كي يخرج وعرفات غير موجود في الساحة. عن «يديعوت أحرونوت»