الاثنين 23 رجب 1423 هـ الموافق 30 سبتمبر 2002 يمثل الاتحاد الأوروبي تحديا لا يستهان به أمام الولايات المتحدة إذ تسول لها نفسها ومصالحها أن تمارس دور امبراطورية القرن الحادي والعشرين، دور القوة الأعظم والقطب الأوحد المسيطر في هيمنة غير مسبوقة على مقاليد العالم. نعم، الاتحاد الأوروبي قطب يجسد تحديا شرسا أمام أميركا على نحو ما يؤكده مؤلف كتابنا وهو يستعرض قوى التحدي التي يمكن أن تنافس واشنطن في مستقبل الأيام. وأول مصادر قوته أنه ببساطة.. «اتحاد» تم التوصل اليه وجرى تأسيس بنائه بشكل متدرج.. صبور.. متأن ومحسوب.. بدأ، كما هو معروف تاريخيا باعلان شومان (وزير خارجية فرنسا) عام 1950 وتطور الى إنشاء رابطة منتجي ومصدري الفحم والحديد في غرب أوروبا مع أواخر مرحلة الخمسينيات.. وتحول من ثم ليصبح سوقا أوروبية ثم جماعة أوروبية ثم اتحادا أوروبيا ما لبث أن فرض نفسه عبر ثلاثة عقود الى أن أصبح كيانا دوليا يضم عددا من الدول الصناعية المتقدمة.. ويتألف من مؤسسات راسخة وفاعلة لا تتأثر بداهة بأهواء الأفراد أو أمزجة السياسيين بل تجسد أكبر ضمان للاستمرارية، والنضج والارتقاء وفي مقدمة هذه المؤسسات البرلمان الأوروبي ومحكمة العدل الأوروبية العليا والمحكمة الأوروبية لحقوق الانسان (ألا ترى أن تلك كلها دروس مستفادة لأي محاولات وحدوية ـ اندماجية أو فيدرالية أو بأي شكل يمكن أن تكون بالنسبة لقومنا الكرام في الوطن العربي؟!). في هذا السياق بالذات يطالعنا توني جوديت ـ في عرضه التحليلي لكتابنا (نيويورك ريفيو أوف بوكس، عدد 15 سبتمبر 2002) ـ بعدة بيانات تفتح العين بل تثير العجب العجاب إزاء حقيقة ربما تكون خافية على أذهان جمهرة المحللين في هذا العصر إنها حقيقة أن أوروبا الغربية ـ الاتحاد الأوروبي بصورة أدق أصبح الآن كيانا يفوق أميركا ويتجاوزها سواء من حيث الامكانات والقدرات والرفاه الاجتماعي أو من حيث المساهمة المقتدرة، البناءة والفعالة في معالجة أبرز مشكلات العصر وخاصة فيما يتعلق بالأمن الداخلي والاستقرار العالمي وبناء السلام. الاحصاءات في مواجهة البروباجاندا يقول توني جوديت: بات من الواضح أن النموذج الأميركي لم يعد جذابا لدى الآخرين لدرجة أن فوزه وهيمنته ليست بالأمر المؤكد في نهاية المطاف.. والدليل هو أن الأوروبيين والأميركيين يعيشون حاليا مستويين من الحياة بينهما اختلاف واضح وعميق: هناك فرد واحد بل وأكثر من فرد واحد يعاني ربقة الفقر من بين كل خمسة أميركيين (يعني نسبة 20 في المائة وأكثر من أهل أميركا فقراء وبعضهم يعيش حالة الفقر المدقع) بينما النسبة المقارنة عند (أبناء العم) في أوروبا الغربية هي 8 في المائة فقط لا غير. وفي أميركا يموت الأطفال في السنة الأولى لمولدهم بزيادة 60 في المائة عن نظرائهم ممن يولدون في فرنسا وألمانيا (والسبب طبعا هو تدني مستويات الرعاية الصحية الأولية للطفل والأم في أميركا أو في بعض مناطق أميركا أو على مستوى بعض قطاعات من سكانها). ثم ان الهوة الفاصلة بين حياة الأغنياء والفقراء هي أوسع في أميركا عنها في أي بقعة كانت من بقاع أقطار الاتحاد الأوروبي.. بل انها أوسع مما كانت عليه في أميركا ذاتها منذ عشرين عاما لا تزيد. ولكن الأزمة الكامنة وراء هذه المشكلة تتمثل في أن وعي الأميركيين بهذه الهوة، هذا الفرق المجحف.. الفاصل بين حياة أغنياء أميركا وفقرائها أمر ما زال بعيدا عن وعي الرأي العام الأميركي، يدل على ذلك استطلاعات الرأي العام التي طرحت على عينات المفحوصين في تلك الاحصاءات سؤال يتعلق برؤية الفرد ورأيه في أهمية اعادة توزيع الثروات.. وقد طالب بذلك نسبة 30 في المائة في أميركا فيما ارتفعت النسبة المناظرة في بريطانيا لتصل الى 63 في المائة فيما يؤكد الخبراء أن النسبة تظل في ارتفاع مطرد على مستوى مواقع أخرى من القارة الأوروبية حيث يطالب الناس بتطبيق الهوة الفاصلة بين الفقراء والأغنياء بما يوسع رقعة العدل والفرص المتكافئة وشعور الانتماء بين أوسع قطاعات المواطنين. وفيما زينت البروباجاندا الأميركية شعار مجتمع الرفاه العظيم الذي رفعوه في الستينيات وهو مجتمع الضمان والتأمينات الاجتماعية، فالحقيقة العلمية تقول ان أوروبا سبقت أميركا في هذا المضمار.. مظلة التأمين الصحي مثلا تغطي جميع العاملين الأوروبيين بغير استثناء منذ فترة طويلة (منذ عام 1883 في حالة المانيا على وجه الخصوص) وعليه، أصبح أهل أوروبا يأخذون مأخذ التسليم ما يتمتعون به من شبكة متكاملة من الضمانات والتأمينات وصنوف الدعم الاجتماعي وحماية الدولة أو حماية النظام الاجتماعي والقانوني ودأبوا على الدفاع عن هذه الشبكة أمام صندوق الانتخاب وعلى أساسها كانوا يقيمون الحكومات أو يقعدونها.. وبالمقابل ـ حسب ما يقول توني جوديت حرفيا في تحليله لكتابنا ـ فإن القلق ـ عدم الأمن الاجتماعي والاقتصادي الذي أصبح مألوفا لعشرات الملايين من الأميركيين يعد أمرا لا تحتمل وطأته السياسية بالنسبة لنظرائهم من أبناء الاتحاد الأوروبي. واذا ما اعتبرنا أن الفاشية والشيوعية كانتا الرد التاريخي في أوروبا على آخر موجات الانفلات الرأسمالي.. فإننا يمكن أن نعتبر أيضا أن «رأسمالية الرفاه» هي صك (بوليصة) تأمين أوروبا ضد عودة الفاشية أو الشيوعية الى حيز الوجود. في ساحة الاقتصاد بعد ذلك يدعونا محلل هذا الكتاب الى ساحة الاقتصاد يقول ان الاداء الاقتصادي في بلدان مثل بلجيكا أو فرنسا أو هولندا كان أكثر انتاجية عن كل ساعة عمل من أداء الاقتصاد في أميركا بجلالة قدرها وأن اداء اقتصاد النمسا وألمانيا والدنمارك كان قريبا بدوره من أداء الاقتصاد الأميركي شخصيا.. وأن معدل الانتاجية ظل ينمو في المتوسط بوتيرة أسرع في أوروبا عن أميركا في الفترة 1991 ـ 1998 (يلاحظ أنها الفترة التي شربت فيها الولايات المتحدة خمر العنجهية بعد سقوط وزوال الاتحاد السوفييتي وانتشرت فيها دعوات من قبيل تقدمي يا أميركي وامسكي بمقاليد العالم أو دعوات الاغراء الامبراطوري أو النزعة الامبريالية وعالم القطب الواحد ـ وقد صدرت في هذا الخصوص كتابات ودراسات تشيد بعظمة أميركا وتقارنها بامبراطورية قياصرة الرومان). ـ هل معنى هذا أن الاتحاد الأوروبي مرشح لاداء الدور «الامبراطوري» كما قد نسميه الذي تود لو تضطلع به الولايات المتحدة؟ ـ الاجابة بغير تردد هي أن أوروبا مازالت أبعد ما تكون عن تلك المكانة.. ما زال بين أعضاء الاتحاد الأوروبي مشكلات وخلافات قد تطفو على السطح وقد تظل غائصة في القاع ولكنها موجودة مطروحة وحالّة (بتشديد اللام) في كل وقت وأوان. صحيح أن أوروبا أصبحت تفوق أميركا من حيث المساهمة ـ مثلا ـ في عمليات حفظ السلام. إن الاتحاد الأوروبي يساهم بمقدار عشرة ـ نعم عشرة أضعاف ما تساهم به أميركا في قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في العالم.. وفي معرض المساعدة الانمائية الرسمية المقدمة لأقل أقطار العالم نموا أو أشدها فقرا، تقدم أوروبا نسبة 55 في المائة من تلك المساعدات وهو ما يبلغ ثلثي ما تقدمه «الامبراطورية» الأميركية ويتشدق به ساستها في أروقة الكونغرس ومكاتب وزارة الخارجية والبيت الأبيض. لكن الصحيح أيضا أن أوروبا ما زال ينقصها منهج التفكير الاستراتيجي وما زالت دوائر السياسة في أوروبا تركز أكثر على مطالب الخدمات الاقتصادية والاجتماعية الداخلية بأكثر مما توليه من اهتمام بقضايا العالم الخارجي ومشكلات الكرة الأرضية. وصحيح أن أوروبا ـ كما ألمحنا ـ تعيش مجتمع الرفاه أو الرعاية وتحقق أقطارها معدلات مرموقة من انتاجية العمل ومن نمو الناتج القومي الاجمالي ـ لكن الصحيح أيضا أن أميركا ما زالت تحظى بموارد متنوعة وباقتصاد يتمتع بقدرات امتصاص الصدمات واستيعاب المشكلات. بيد أن هذه المزايا بحد ذاتها هي التي جعلت مؤلف كتابنا ـ البروفيسور جوزيف ناي، يؤكد المقولة التي يذهب اليها ويردها في مجمل سطور الكتاب: إن أميركا ـ مهما بلغت من المنعة أو القوة أو الثراء لا تستطيع أن تمضي وحدها على أي طريق لا في الحرب ولا في السلم على السواء. نعم ـ يؤكد مؤلف الكتاب أن أميركا لا تستطيع بمفردها أن تحارب الارهاب بل هي بحاجة الى أن تكسب قلوب وعقول وتعاون شعوب شتى في بقاع شتى من العالم. وفي مجال الاقتصاد يقف المؤلف عند ما يسمى باسم «المعجزة الاقتصادية الأميركية» التي ظل يتيه بها المسئولون خلال مرحلة الرئيس بيل كلينتون الماضية: هذه «المعجزة» كما يصفونها لم تتحقق ـ في نظر المؤلف ـ إلا بفضل عنصر توافر لأميركا من خارج حدودها وهذا العنصر بالتحديد هو: ـ إن سنوات عقد التسعينيات ظلت تشهد تدفق 2.1 مليار دولار يوميا (1.2 ألف مليون دولار كل مطلع شمس) على شكل استثمارات أجنبية وافدة كانت من الزم ما يكون لسد العجز الرهيب الذي كان مصابا به ميزان التجارة الخارجية للولايات المتحدة البالغ 450 مليار دولار سنويا. ومرة أخرى يعلق البروفيسور ناي قائلا بالحرف: ـ هذه التدفقات الهائلة الوافدة الى أميركا من الاستثمارات الأجنبية هي التي حافظت على مستوى ارتفاع الأسعار وأبقت على انخفاض معدلات التضخم وأسعار الفائدة المصرفية.. ومن ثم كفلت أسباب الازدهار لمعدلات الاستهلاك المحلي داخل المجتمع الأميركي. أنهار الاستثمارات الأستاذ جوزيف ناي يواصل الحديث في الكتاب ويضيف: ـ ولو قيض يوما أن يواجه الأوروبيون أو الآسيويون أو دول أميركا اللاتينية أن يواجهوا عجزا تجاريا على غرار عجز الميزان الأميركي لكانوا من زمن طويل قد وقعوا بين براثن صندوق النقد الدولي. أما أميركا فقد كانت تتمتع بتلك المكانة الفريدة التي أتاحت لها أن تنعم بهذه الاستثمارات الأجنبية التي وفدت على أرضها وبذلك حولت اعتمادها على مصادر خارجية ليصبح قدرة متجددة ودماء متدفقة ضخت مزيدا من العافية في شرايين بنيتها الاقتصادية.. ومن أهم عناصر تلك المكانة يضيف مؤلف الكتاب ـ كان الدولار الأميركي الذي ما برح يمثل عملة الاحتياطيات في العالم منذ الحرب العالمية الثانية. مع هذا كله فلا يزال السؤال المهم مطروحا بالحاح: ـ الى متى تظل هذه الأنهار من الاستثمارات متدفقة على شرايين الاقتصاد الأميركي؟ وأول وأبسط اجابات هذا السؤال تتعلق بالمقولة الجوهرية التي يدور عليها محور الكتاب الذي نعرض له في هذه السطور وهي: ـ إن الدرس المستفاد من هنا بالذات لابد وأن يوجه أميركا الى أن تعي حقيقة تقال لها بغير مجاملة ولا مواربة: ـ مع كل غرورك الامبراطوري.. مع كل تصوراتك بأنه قد دانت لك مقاليد السيطرة أو الهيمنة على مقاليد هذا العالم.. فإن اقتصادك القومي وهو حجر الزاوية وقاطرة الحركة.. ما زال يعتمد في خصوبته على أنهار من أموال تنبع خارج حدودك.. وما زال يتوقف في حيويته وعافيته على دفق دماء تنقل الى شرايينك من الخارج أيضا. ومن ثم، فلا ضمان يومئذ لكل هذه الأنهار كي تجري وكل هذه الشرايين كي ترفد بدماء الحيوية المتدفقة باستثمارات أجنبية ـ لو انتصرت في أميركا قوى الهيمنة والانفرادية وعنجهية القوة ونزعة الامبراطورية، وغرور القطب الواحد. وتفوق القيادة الأعلى، فالقائد قائد بجنوده.. والكبير كبير بأتباعه وفرق كبير يصل الى حد النفاق السياسي المقيت أن تدعو دولة مثل أميركا الى التعددية والشراكة والشفافية والتعاون والديمقراطية ثم ترفع شعارات من قبيل: إن لم يوافقوا على ما نريد.. فلسوف نمضي وحدنا.. ولا نبالي. هذه النزعة الانفرادية ـ الامبريالية ـ نزعة التصرف من جانب واحد دون اعتبار، أي اعتبار للآخرين على الرغم من أن هؤلاء الآخرين لهم مصالحهم ولهم ثقافاتهم ولهم بالطبع كرامتهم واحترامهم لذاتهم وشعوبهم وتاريخهم.. الخ ـ هذه النزعة يحذر منها عقلاء أميركا من منطلق مصلحة أميركا بالدرجة الأولى. في اطار هذا التحذير يحض مؤلف الكتاب واشنطن على أن تستثمر «القوى اللينة» كما يصفها دائما.. وتتمثل في الأنماط الثقافية والسلوكية، وفي ثمار مجتمع المعرفة وتكنولوجيا المعلومات التي يرى المؤلف أن أميركا تتمتع بميزة نسبية في مضمارها. ميزة القوى اللينة مع ذلك، ينبه صاحب الكتاب، الى أن ميزة «القوى اللينة» بمعنى ميزة تأثير النموذج الأميركي الذي قد يكون جذابا للآخرين، ليست حقنة تحت الجلد ولا اشارة تمر في الفراغ.. إنها رسالة تأثير اعلامية وفكرية ووجدانية تجتاز بيئة وسيطة ويتحكم هذا الوسيط في مدى تأثير الرسالة من حيث رفضها أو قبولها من جانب جماهير من يستقبلونها خارج الحدود. على سبيل المثال: كانت أميركا في الخمسينيات نموذجا مبهرا من حيث المتعة والرخاء وممارسة الحريات.. لكن هذا النموذج كان محل رفض بالتشكيك أو التحفظ أو التوجس في أفريقيا.. لماذا؟ لأن الأفارقة أطلوا عليه من منظور ما كان سائدا في أميركا وقتها من ممارسات الفصل العنصري الذي كان البيض في أميركا يمارسونه ضد السود وكان شعارهم وقتها مرفوعا على المطاعم وكراسي الدرجة الأولى وتجمعات الصفوة ومنتدياتها ويقول الشعار: ـ ممنوع على السود.. والكلاب. ومن الأمثلة الأخرى على احباط التأثير الجذاب لثقافة أميركا ـ قوتها اللينة الناعمة، كما يسميها المؤلفـ إن الناس يشاهدون أفلام هوليوود وقد يعجبون ـ الى حد الانبهار أحيانا ـ بجوانب في حياة الأميركيين، حرية الفرد.. دور الصحافة كسلطة رابعة.. فصل السلطات واستقلالية القضاء.. الخ.. لكنهم قبل أن يستغرقهم الانبهار.. سوف يدهشون ثم يراجعون أنفسهم الى حيث يرفضون ظاهرة انتشار السلاح الناري الفتاك في أيدي جماهير الأميركيين والى حد يتيح لأطفال المدارس أن يرتكبوا مذابح جماعية في فصول الدراسة والى حد يشتري فيه المواطن بندقية أو مسدسا كمن يشتري حذاء أو بطيخة أو بأدنى قدر يذكر من الضمانات.. ساعتها يسائل الناس أنفسهم.. وما جدوى كل الحريات وكل مظاهر الرخاء.. اذا كانت حياة الانسان رخيصة الى هذا الحد.. واذا كان هذا النموذج الأميركي الجذاب يشمل جماعة مصلحية غاية في القوة الى حد التأثير على انتخابات رئاسة الدولة واسمها «رابطة البندقية الأميركية تدافع عن انتشار السلاح الناري في أيدي الجميع بل كان الرئيس الأسبق ريجان واحدا من أعضائها..؟ هذه التناقضات أوصلت كوكبة من الباحثين الى دعوة أميركا كي تراجع حساباتها وتنقد ذاتها وتجرد قائمة القوى التي تتمتع بها وهذه الدعوة يفرد لها مؤلفنا فصلا مهما هو الفصل الختامي من هذا الكتاب ويختار لهذا الفصل عنوانا تقول كلماته: اعادة تعريف مفهوم المصلحة القومية.