الاحد 22 رجب 1423 هـ الموافق 29 سبتمبر 2002 القتل في الخليل، مثل القتل في تل ابيب، مؤخرا، يبرز أحداث المقاطعة بصورة سريالية بكل معنى الكلمة. الهجمة العسكرية الاستعراضية على ما تبقى من مقر عرفات أصبح خارج الواقع ومعزولا عن الحياة الحقيقية في ظل عمليات القتل الارهابية المتواصلة. وكلما ازدادت عملية الهدم تطورا واتقانا كلما ابتعدت عن الحقائق المتعلقة بالصراع. التفوق الاسرائيلي يفقد مضمونه تحديدا في ذروة الابداع في انتاجه وحبكه. ليس لهذا الامر تجسيد يبعث على الأسى من استمرار موت الآباء والاطفال الاسرائيليين على الرغم من قبضة الجيش الاسرائيلي، أكثر من أي وقت مضى. الفصل بين العمل الاسرائيلي وبين الواقع يحدث في كل المجالات. وأخطر هذه المجالات هو، طبعا، انعدام القدرة على تحقيق الوعد بأن تؤدي القوة العسكرية الى ايقاف العمليات. توقف شلال الدم في نهاية المطاف لن يحدث من خلال الدبابات وأذرع جرافات (دي9) وعمليات الاجهزة الاستخبارية السرية. مشهد المقاطعة واصل اخلاء الجبهة الداخلية والعمق لكل الوسائل الاخرى. ولولا إبعاد شارون لنفسه عمدا عن الواقع السياسي النامي في السلطة الفلسطينية لكان بامكانه ان يجري اللقاء الذي خطط له مرات قليلة مع أبو مازن الذي كرس مكانته في الآونة الاخيرة لمنصب رئيس الحكومة الفلسطينية. قضم المقاطعة - قبيل اللقاء الذي أزمعت قيادة فتح على عقده - أعطى تأثيرا معاكسا لهدفه المعلن: ليس وسيلة لاحداث تغيير في الوضع وانما وسيلة لتجميده. اهانة عرفات لم تكن مجرد حقنة رضا في عروق شارون في صراعه القديم معه. شارون يستخدم الجيش لتخريب وافساد هذه الخطوة السياسية وليس من اجل دفعها للامام كما يدعي. دوافعه منعزلة ومنفصمة هي ايضا. فهو ينفي الحاجة العميقة للتسوية السياسية بسبب رفضه للتنازلات التسووية التي تنطوي عليها. عدا عن وقف العمليات - الذي لم يستطع اليه سبيلا - يرغب شارون في الحصول على رأس عرفات على الرغم من تحذيرات كل الأطراف الاستخبارية. ولن تتم أي خطوة سياسية - هذا اذا تمت أصلا - قبل ان يحسم قيادته في مواجهة تطلعات نتانياهو وطموحاته استعدادا لمؤتمر الليكود بعد اسبوعين. الانعزال الخطير الآخر عن الواقع جرى بالطريقة الفظة القاسية على ديوان الخصم. عبارات أحد القادة العسكريين الفرنسيين الكبار في الحرب العالمية الاولى كرست قاعدة ما زالت حية منذئذ حتى في أشد الحروب قسوة: لا يتوجب اطلاق النار على هيئات الاركان. تشرشل وروزفلت لم يحاولا القضاء على هتلر. وفي ذروة حرب رونالد ريغان ضد محور الشر في الثمانينيات لم يصدر أمر «بتقليص» الزعيم السوفييتي، ذلك لان هذا الخروج عن قوانين اللعبة العسكرية حتى في ذروة الفتك والقتل الدائر على الجبهات يفلت العقال لأشد وأقبح النزعات الحربية في كل الاتجاهات. وقد حدث في أكثر من مرة ان ازالة زعيم عن الوجود لم تؤد الا الى زيادة صمود العدو اليائس. هناك شيء ما لا سابق له يدلل على ديناميكية الواقع الفلسطيني الذي تنغلق القيادة الاسرائيلية عنه. مئات الفلسطينيين في رام الله والمدن الاخرى خرجوا الى الشوارع رغم حظر التجول وما ينطوي عليه ذلك من مخاطر. وحسب بعض التقارير وصل عددهم الى الآلاف. عميره هاس نقلت من رام الله عن أحد نشطاء فتح ان هذه المسيرات عبرت عن دعمها لعرفات في حصاره، وكانت ايضا احتجاجا ضد العمليات الانتحارية التي تتيح المجال أمام اسرائيل لخنق المدينة. حركة الشراء في المحلات القليلة التي فتحت كانت سببا جزئيا. ماذا سيفعل بن اليعازر اذا خرج عشرات آلاف الفلسطينيين الى الشوارع حاملين اطفالهم على أيديهم؟ وماذا سيحدث اذا قرر عرفات القيام بجولة في المدينة وقررت الجماهير السير من ورائه؟. هذا يمكن ان يحدث في الواقع الآخذ في التورط والتعقيد الذي ترفض حكومة شارون رؤيته عبر فوهة البندقية. هذا يمكن ان يحدث، وقد حدث. بهذه الطريقة انتصرت الثورة الجزائرية بقيادة جبهة التحرير على المحتل الفرنسي. هذا حدث وضد كل التوقعات في الوقت الذي أخذ الجنرالات الفرنسيون يصرحون بأنهم يوشكون على القضاء على «الارهاب» هناك. بقلم: جدعون سامت عن «هآرتس»