الاحد 22 رجب 1423 هـ الموافق 29 سبتمبر 2002 بعد مرور عامين على الحرب الإسرائيلية الفلسطينية، يبدو أن الكثيرين فقدوا تماماً، مقدرتهم على فهم خارطة المعركة: من يواجه من؟ لماذا نعود المرة تلو الأخرى، والتي لا أعرف عددها، إلى محاصرة عرفات؟ لماذا نعتقد أن الجرافات التي تهدم المقاطعة ستقرب نهاية الحرب؟ يدعي شارون وبن اليعازر أن إسرائيل ترد على العمليات المسلحة كي تقضي عليها، ولكن هل تخرج العمليات المسلحة من المقاطعة المهدمة؟ هل يمكن، كما يدعي بعض المحللين، أن إسرائيل تقوم بتوجيه هذه الضربات المتوحشة بسبب شعورها بالاحباط إزاء تواصل العمليات؟ هل ما زالت إسرائيل تدعي أنه يتحتم على السلطة الفلسطينية وعرفات معالجة المسائل «الأمنية» حسب اتفاقيات أوسلو؟ ولماذا لا توجه إسرائيل قوتها لمحاربة التنظيمات التي أرسلت الانتحاري إلى تل أبيب؟ لكن هذا الجنون ينطوي على منطق ما. خاصة إذا فهمنا أن الخطر الأول الذي يتهدد إسرائيل، حسب مخططي المعركة، يكمن في العودة إلى المفاوضات. فهذا سيعرضها كمن استسلمت للعمليات المسلحة. لقد وجهت الاستراتيجية الإسرائيلية، منذ بداية المواجهات، نحو القضاء على فرص العودة إلى المفاوضات الملموسة. وقد حدد الاستراتيجيون الإسرائيليون، وفي مقدمتهم شارون ويعلون، الذين يجرون وراء العمل الضائع، هذا الهدف منذ بداية المواجهات: تدمير البراغماتية الفلسطينية بحيث لا تملك مقدرة القيام والعودة إلى المفاوضات، لأن المحادثات ستولد الانسحاب من المناطق وقيام الدولة الفلسطينية، الأمر الذي يعتبره شارون خطراً على كيان إسرائيل.. ثلثا الاسرائيليين يدعمون التسوية التي طرحها الرئيس الأميركي السابق، بيل كلينتون والانسحاب من المناطق الفلسطينية، حتى في الظروف الحالية. ولذلك فان الطريق الكفيلة بمنع تحقيق التسوية السياسية الوحيدة تكمن في الاحتفاظ بقيادة فلسطينية لا تملك المقدرة على اتخاذ قرار براغماتي. فبعد انصراف عرفات لن يوجد الشخص الذي سيقبل بالتسوية، وسيدفع بالفلسطينيين إلى أحضان حماس، وعندها.. سيتحدث الديناميت. إنها مسألة حسابية بسيطة. عندما تسيطر حماس على دفة قيادة الفلسطينيين ستعلن أن إسرائيل لا تملك حق الوجود، وستبقى السلطة في إسرائيل بأيدي المستوطنين المتشددين ورجال الأمن من اليمين والمركز الإسرائيلي، وستدار المعركة بكامل قوتها بين جبهتي الرفض الإسرائيلية والفلسطينية، وسيزول خطر المفاوضات. لذلك تعتبر الجرافات بالغة الأهمية. طبعا لن تحل قيادة براغماتية مكان عرفات، وسيولد الاذلال الذي تخلفه الجرافات رفضاً للبراغماتية لفترة غير محدودة. وبرعاية الحرب ستنتقل الجرافات إلى المستوطنات وربما ينتقل الفلسطينيون إلى الأردن. وهذه الاستراتيجية مدونة على كل شوارع البلاد وفي قلب السلطة. ولن يتبق لاولئك الإسرائيليين والفلسطينيين الذين حاولوا طيلة 35 عاما وقف الكارثة المتدحرجة من خلال انكار وجود الآخر، لا الوقت الكافي ولا الأدوات المناسبة. عندما تنضم أميركا وحزب العمل إلى تلك المجموعة من المتشددين المسماة «غوش إيمونيم» وعندما تهن القوى، في الساعات المظلمة، يتحتم على كل واحد فعل ما يأمره به عقله وضميره. وهؤلاء يصرخون بكلمات الكسندر بن، الذي نسي، تقريبا هنا: «ضد، ضد هذا القتل الرهيب». بقلم: ارييه ارنون عن «يديعوت أحرونوت»